هدايات سورة «البقرة» (3)

التسويف.. آفة القلوب

التسويف.. آفة القلوب

إذا كان النفاق من أخطر الأمراض التي تُصيب القلوب، كما أسلفنا في مقال سابق، فلأن صاحبه لا يسقط دفعة واحدة، وإنما يتدرج في مسالك الانحراف خطوة بعد خطوة، حتى يصل إلى مرحلة يظهر فيها غير ما يبطن، ويقول بلسانه ما لا يصدقه عمله.

ولهذا، فإن من المهم أن نتأمل بعض البدايات التي قد تفتح للإنسان أبواب الخلل دون أن يشعر، ومن أبرزها التسويف والتردد في الاستجابة لأمر الله تعالى.

فالقلب لا ينتقل من الطاعة إلى الانحراف في لحظة واحدة، وإنما تبدأ القصة غالبًا بتأجيل، أو تردد، أو تقديم للهوى على مقتضى الاستجابة، حتى يعتاد الإنسان تأخير الحق مع علمه به، فيضعف تعظيمه للأمر الإلهي شيئًا فشيئًا.

ومن هنا جاءت قصة بني إسرائيل في سورة «البقرة» لتكشف هذا المسلك الخطير، لا من خلال رفضهم الصريح لأوامر الله، وإنما من خلال التلكؤ في تنفيذها، وكثرة المراجعة فيها، حتى تحولت الطاعة من أمر واضح إلى عبء ثقيل، ومن استجابة يسيرة إلى تكليف شاق.

ومن أعجب ما يلفت النظر في قصة بني إسرائيل، أنهم لم يكونوا يرفضون أوامر الله رفضًا صريحًا، فلم يقولوا: لن نفعل، بل قالوا شيئًا أخطر من ذلك: أرجِئ، انتظر، وضّح لنا أكثر.

تأمّل ما أخبرنا الله تعالى عنهم في قوله سبحانه: (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) (البقرة: 67)؛ لم يتوقفوا عند هذا، بل بدأ مسلسل التأجيل: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا هِيَ)، ثم: (مَا لَوْنُهَا)، ثم: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا)، حتى انتهى الأمر بقوله تعالى: (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)؛ هذه الجملة وحدها تختصر القصة كلها؛ لم يرفضوا لكنهم كادوا ألا يفعلوا.

وهذا هو التسويف، أن تؤجل الطاعة لا لأنك لا تعرفها، بل لأنك لا تريد أن تبدأ الآن.

التسويف لا يأتيك بصورة المعصية، بل بصورة الوقت المناسب ؛ سأبدأ غدًا، إذا انتهيت من ظروفي، عندما أستقر، وكأن الطاعة تحتاج ظرفًا مثاليًا، مع أن الحقيقة أن أفضل وقت للطاعة هو الآن.

ويظن بعض الناس أن الندم لا يكون إلا على فعل المعصية، بينما تدرك فيما بعد أن كثيرًا من الندم إنما يكون على الخير الذي تأخر صاحبه عنه حتى فاته.

فكم من إنسان فتح الله له بابًا من أبواب الطاعة ثم تردد، وسنحت له فرصة للتغيير ثم أجّلها، وأحس بنداء العودة إلى الله ثم سوّف الاستجابة له، حتى وجد نفسه بعد سنوات يتحسر على لحظة كان يمكن أن تغيّر مسار حياته كله.

ولهذا كان من علامات التوفيق أن يبادر العبد إلى الخير إذا سنحت له أسبابه، فإن القلوب تتقلب، والفرص لا تبقى، وأبواب الطاعة قد تُفتح للإنسان مرة فلا يدري هل تُفتح له ثانية أم لا.

شاب يريد أن يلتزم.. كل يوم أريد أن ألتزم لكن ليس الآن، سأتوب عندما أستقر، سأتغير عندما أتزوج، مرت سنوات لم يعد يستطع.

في البداية كان يؤجل، وفي النهاية أصبح لا يملك القرار، وهذا أخطر ما في التسويف، أنه لا يؤخر الطاعة فقط، بل يُضعف الإرادة حتى تموت.

ولهذا لم يعاقب الله بني إسرائيل لأنهم جهلوا، بل لأنهم ماطلوا، ولو أنهم امتثلوا من أول أمر لكانت بقرةً واحدة وانتهى الأمر، لكنهم شددوا فشُدّد عليهم.

إذاً فالهداية هنا واضحة: لا تُؤجّل ما علمت أنه حق؛ لأنك إن لم تبادر اليوم فقد لا تبادر غدًا.

الطاعة تحتاج قرارًا لا مزاجًا والإيمان لا ينمو بالنيات بل بالأفعال، ولهذا كان الصادقون إذا سمعوا أمر الله قالوا فورًا: «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»؛ لأنهم أدركوا أن أخطر ما يقطع الطريق إلى الله ، ليس الرفض بل التأجيل.

فلا تؤجل الطاعة لأنك لا تضمن أن قلبك سيبقى كما هو.

فكثير من الناس يملكون نيات صالحة، ورغبات صادقة، وأمنيات جميلة، لكن الفرق بين أهل المبادرة وأهل التسويف أن الأولين يحولون نياتهم إلى أعمال، بينما يبقى الآخرون أسرى الوعود المؤجلة؛ ولذلك لم يعلّق الله الثواب على النوايا المجردة، وإنما على ما تبعه من صدق السعي وبذل الجهد.

التسويف يقتل الإحساس بالخطر

من أخطر آثار التسويف أنه لا يؤخر العمل فحسب، بل يُضعف إحساس صاحبه بخطورة ما يفعل، فالإنسان حين يقصّر لأول مرة قد يؤنبه ضميره ويقلقه تأخيره، لكنه إذا كرر ذلك مرة بعد أخرى خفّ شعوره بالذنب، ثم يضعف استنكاره، حتى يصبح التأخير أمرًا مألوفًا لا يثير في نفسه قلقًا ولا مراجعة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ لأن كثيرًا من الانحرافات لا تبدأ بترك الطاعة، وإنما تبدأ بفقدان الشعور بأهميتها، فإذا مات الإحساس ضعفت المبادرة، وإذا ضعفت المبادرة استسلم القلب لما اعتاده من تأجيل وتسويف.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة