يوميات متقاعد (15)
دروس رمضانية عن التأثير والضمير
في هذه السلسلة من المقالات، نستعرض بعض المواقف الحقيقية التي وقعت على أرض الواقع، بزمانها
ومكانها وأشخاصها، مع الوقوف عند العِبر المستفادة منها.
تأملات رمضانية في التأثير والقرار والشكر
في شهر رمضان من
عام 2025م، وقعت ثلاثة مواقف متفرقة، لكنها اجتمعت في معنى واحد: كيف يرتقي
الإنسان في فكره وقراره وروحه، ليست دروساً وعظية مجردة، بل تجارب عملية تلامس
واقعنا اليومي.
أولاً: الكلمة حين تتحول إلى مسؤولية:
في 23 مارس 2025م،
ألقيت كلمة قصيرة في مسجد الحي الذي أسكن فيه، ثم دعاني أحد الأئمة لإلقائها في
مسجده، كانت تلك أول مرة أدخل ذلك المسجد، كان أصغر حجماً، وأقل ازدحاماً، والصف
الأول فيه لا يمتلئ إلا عند الإقامة، بخلاف مسجدنا الذي يمتلئ منذ بداية الأذان.
هذا الفارق
البسيط في المشهد أعاد إلى ذهني سؤال التأثير: ما الذي يجعل الناس تتقدم؟ وما الذي
يجعلها تتأخر؟
كانت الكلمة
تدور حول كيفية إقناع غير المسلمين بدين الإسلام، ليس بالإكراه ولا بالصوت
المرتفع، بل بحسن العرض، وصدق الطرح، واحترام عقل المخاطَب.
قال الله تعالى:
(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) (آل عمران: 19)؛ لكن عرض هذا الدين على الناس يحتاج إلى فقه في الخطاب،
وفهم للنفس البشرية، وإدراك أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون صوتاً.
ثانياً: الإلهام بين الضمير والتقوى:
في 24 مارس 2025م،
وفي لقاء مع أحد المشايخ دار حديث حول مفهوم الإلهام؛ هل يشعر الإنسان أحياناً
بتنبيه داخلي يرشده إلى القرار الصحيح؟
ساق الشيخ قصة
رمزية لرجل خرج من السجن، مثقلاً بالحاجة، فوجد كيساً فيه سبع عشرة قطعة ذهب، أخذها
إلى محل للمجوهرات وكاد أن يبيعها، ولكن الميزان تعطل فجأة، فتوقف الرجل وقال: «هذه
ليست صدفة، وإنما رسالة واضحة، وتنبيه داخلي لي بأن عملي هذا ليس صحيحاً».
فعاد إلى المكان
الذي وجد فيه الكيس، وأعلن عنه، حتى وصلت إليه صاحبته، ولم يطلب مقابلاً، ولم
يساوم، واكتفى بدعاء: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).
سواء سميناه
إلهاماً، أو يقظة ضمير، أو أثر تقوى؛ فالنتيجة واحدة؛ حين يكون القلب حياً، يرفض
أن يبني مستقبله على خطأ.
القرار الأخلاقي
قد يكون مكلفاً في لحظته، لكنه مربح على المدى البعيد، ولهذا شُرعت الاستخارة؛ لأن
الإنسان مهما بلغ عقله، يبقى محتاجاً إلى توفيق الله في اختياراته.
ثالثاً: إعادة تعريف النعمة:
في 28 مارس
2025، وفي خطبة الجمعة تحدث الإمام عن النعم، لا عن النعم الكبرى فحسب، بل عن
النعم اليومية التي تمر علينا دون انتباه؛ قال الله تعالى: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ
تُحْصُوهَا) (إبراهيم: 34).
منذ ذلك اليوم
بدأت أدوّن كلمة «نعمة» مع كل إنجاز أو موقف إيجابي: نجاح مهمة نعمة، لقاء مثمر
نعمة، صحة مستقرة نعمة، فرصة جديدة نعمة.
هذا التحول
البسيط في زاوية النظر يصنع فارقاً كبيراً في النفس؛ فالإنسان إذا رأى ما عنده قبل
أن ينظر إلى ما ينقصه، عاش في وفرة نفسية حتى لو كانت موارده محدودة.
وكان من الدعاء
الجميل: «اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك
الحمد ولك الشكر»؛ فالشكر ليس مجرد كلمات، وإنما وعي دائم بأن ما نملكه ليس
استحقاقاً خالصاً، وإنما فضل متجدد.
القمة ليست موقعاً
نصل إليه فجأة، بل حالة نعيشها حين نضبط خطابنا، وننقّي قراراتنا، ونستحضر نعم
الله في تفاصيل أيامنا، هذا وبالله التوفيق.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً