العلاقة بين المسلم والمال
ليست القضية في
علاقة المسلم بالمال أنه يترك الحرام ويأخذ الحلال فحسب، فهذا حدٌّ أوليّ لا يُبنى
عليه وعيٌ ولا تُقام به أمة، فالقضية أعمق من ذلك؛ هي كيف ينظر المسلم إلى المال
ابتداءً؛ أهو موردٌ للترف، أم أداةٌ للرسالة؟ أهو مساحة لتوسيع الذات، أم وسيلة
لتوسيع النفع؟
حين تتشكل هذه
النظرة على حقيقتها، يتغير كل شيء، لا يعود المال معيارًا للنجاح، بل يصبح مسؤولية،
ولا تعود الكماليات امتدادًا طبيعيًا للزيادة، بل تصبح موضع مساءلة: هل هذا مما
يعينني، أم مما يستهلكني؟ وهنا تحديدًا يتجاوز المسلم ثقافة الاستهلاك؛ لأنه لم
يعد يرى في كل قدرةٍ على الشراء حقًا في الامتلاك، بل يسأل قبل ذلك: ما موقع هذا
من غايتي الكبرى؟
فالمسلم لا
يُربّى على أن يصرف على قدر ما يملك، بل على أن يوجه ما يملك على قدر ما يؤمن به، الفرق
بين العبارتين ليس لفظيًا، بل هو فرق في البوصلة، الأولى تُنتج إنسانًا تدفعه
قدرته، والثانية تُنتج إنسانًا تقوده قضيته.
ولهذا، فإن من
أخطر التحولات التي أصابت علاقة المسلم بالمال، أن المال تحوّل من وسيلة اختيار
إلى دافع قرار، لم يعد الإنسان يشتري لأنه يحتاج، بل لأنه يستطيع، ولم يعد يوسع
لأنه يرى مصلحة، بل لأنه لا يريد أن يكون أقل من غيره، وهنا تبدأ النفس في
الانزلاق بهدوء نحو ثقافة استهلاكية تُعيد تشكيل ذوقه، ثم أولوياته، ثم حتى
قناعاته.
أما حين تستقر
المعاني الصحيحة، فإن المال يُعاد توظيفه في دوائر أوسع؛ في بناء الأسرة لا في
استعراضها، في تمكين الأبناء لا في إغراقهم، في سدّ حاجة الآخرين لا في مضاعفة
حاجات النفس، يصبح المال جزءًا من حركة الاستخلاف، لا مجرد أداة للراحة، ويصبح
الإنفاق فعل بناء، لا مجرد فعل استهلاك.
وهنا تتجلى
خطورة موقع القدوة؛ العالم، وأهل القرآن، والإمام، وكل من يُنظر إليه بوصفه ممثلًا
للمعنى، لأن الناس لا يقرؤون نظرياتهم، بل يقرؤون تفاصيل حياتهم، فإن رأوا المال
عندهم في موقعه الصحيح، تعلّموا دون وعظ، وإن رأوه متضخمًا في نمط حياتهم، تبرروا
لأنفسهم دون حاجة إلى دليل.
القدوة لا يُطلب
منه أن يعيش في ضيق مصطنع، ولا أن يرفض المال لذاته، بل أن يُبقيه في حجمه الحقيقي،
ألا تتحول حياته إلى عرض غير مباشر لثقافة الترف، ولا يصبح حضوره ممرًا لتطبيع
الاستهلاك؛ لأن الخطر هنا ليس في فعله الفردي، بل في الأثر الجمعي الذي يصنعه دون
أن يشعر.
حين يرى الناس
من يُعلّمهم الزهد يعيش بذات منطق التوسع، ومن يُذكّرهم بالآخرة ينغمس في تفاصيل
الدنيا، لا يعود الخلل في السلوك فقط، بل في المفهوم ذاته، تختلط الحدود، ويضيع
التمييز بين المشروع والمستحب، وبين المباح والأولى تركه، وتصبح القدوة -من حيث لا
تقصد- جزءًا من تكريس الانحراف.
ومن هنا، فإن
علاقة القدوة بالمال يجب أن تكون واعية، محسوبة، لا من باب التضييق، بل من باب
البيان، أن يُقدّم نموذجًا يُظهر كيف يمكن أن يعيش الإنسان في سعة دون أن يكون
أسيرًا لها، وكيف يملك دون أن يُعرّف نفسه بما يملك، وكيف يُنفق دون أن يتحول
إنفاقه إلى خطابٍ صامت يُعيد تشكيل توقعات الناس.
الانحراف الذي
نراه اليوم لم يكن وليد لحظة، بل هو نتيجة مسار طويل من إعادة تعريف الحياة الجيدة،
حين صارت الرفاهية هدفًا، لا نتيجة، وحين أُقصيت معاني القناعة والبركة من الخطاب
التربوي، أو قُدمت بوصفها خيارات فردية لا قيمًا مركزية، وحين صار الإعلام –بقصد
أو بغير قصد– يُعيد صياغة الطموح ليكون في الامتلاك لا في الأثر.
أما التبريرات،
فهي كثيرة: الله أنعم عليَّ وأحب أن أُظهر نعمته، الناس لن تقبل إلا بمن يشبهها، التأثير
يحتاج إلى حضور، نحن في زمن مختلف، وكلها قد تحمل جزءًا من الصحة، لكنها حين تُفكك
عن سياقها تتحول إلى غطاءٍ لتضخم العلاقة مع المال، لا لضبطها.
إعادة العلاقة
إلى مسارها الصحيح تبدأ من إعادة تعريف الكفاية، أن يتعلم الإنسان أن الكفاية ليست
حدّاً أدنى من العيش، وإنما حدٌّ أعلى من الطمأنينة، وأن الزيادة ليست مشكلة في
ذاتها، بل في وجهتها، ثم تأتي الممارسة؛ أن يضع لنفسه سقوفًا لا يُعلنها، وأن
يدرّب نفسه على ترك ما لا يحتاجه ولو استطاعه، وأن يُبقي في حياته مساحات خفية من
العطاء تُذكّره بحقيقة المال.
كما أن من المهم
إعادة بناء الوعي الجمعي، لا من خلال خطاب يُهاجم النعمة، بل من خلال نماذج تُعيد
ترتيبها، نماذج تُظهر أن النجاح يمكن أن يكون في بناء إنسان، أو تأسيس مشروع نافع،
أو تمكين أسرة، لا فقط في ترقية نمط الحياة.
وفي هذا كله،
تبقى المعادلة الأهم: أن يبقى المال تابعًا للقيم، لا مُشكّلًا لها، وأن يظل في يد
المسلم أداةً للارتقاء، لا سُلّمًا للانزلاق، فإذا استقامت هذه العلاقة، عاد المال
إلى حجمه الحقيقي، وعاد الإنسان إلى موقعه الذي خُلق له: مستخلفًا لا مستهلكًا.
اترك تعليقاً
التعليقات (1)
هشام يوسف أبوالجبين
منذ 5 أشهرفعلا نحتاج مثل هذه المواضيع في زمن كثرت فيه الفتن والبذخ... توجيه الجيل الجديد وتذكير للجيل المعاصر لحقبتين من الألفيات. نسأل الله لنا ولكم الثبات والسداد. جزاك الله خير