الصيام في المنظومة الحضارية الإسلامية

يأتي شهر رمضان ليعيد إصلاح الإنسان القادر على حمل القيم الحضارية للمنهج الإسلامي التي من دونها تفقد الأمة فاعليتها التاريخي، وهو إصلاح تربوي شامل على مدى زمني كافٍ، ويتسع ليشمل جوانبه الروحية والأخلاقية والاجتماعية.

والتقوى هي القيمة المركزية التي يدور حولها تشريع الصيام، وتكون الضابط الحضاري للسلوك الفردي والجماعي، حيث تقف الرقابة الذاتية شرطًا للقيام الحضاري، فلا يمكن بناء عمران إنساني مستقر دون إنسان يراقب نفسه قبل أن تُراقبه القوانين.

والصيام تدريب عملي على تحرير الإنسان من عبودية الغريزة، وهي عبودية مهلكة تقود إلى التظالم والفساد، والصيام ليس قمعًا، وإنما تنظيم للطاقة الإنسانية بما يخدم مقاصد العمران، فالإنسان الحر هو الذي يملك زمام نفسه، ويقودها، ولا تقوده، يدرك غايته، وينهض إليها، ولا تعوقه الرغبات والنوازع.

ويحقق الصوم البناء الحضاري المتوازن بين الفردية والجماعية، حين تحمل الفرد مسؤوليته نحو المجتمع، ويسعى لضمان كفالته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم» (رواه ابن أبي شيبة، والطبراني)، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يخرج طعامه خارج داره ليفطر كل يوم مع المساكين.

ولا خير في أمة تجعل أموالها في أيدي قلة مستأثرة، وتترك جمهرتها جائعة، حيث تتوالد الأحقاد، وتتراكم وساوس الشيطان، وينهار السلم الاجتماعي، وهو شرط لاستمرار الحضارات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيفَ يقدِّسُ اللَّهُ أمَّةً لا يؤخَذُ لضَعيفِهِم مِن شديدِهِم؟!».

ولا تقف المسؤولية الاجتماعية عند حد الطعام والقوت، بل هي عامة لازمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعمل به، فليس لِلَّه حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طعامَه وشَرَابَه» (رواه البخاري)، وقال: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامِه إلا الجوعُ، ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامِه إلا السَّهر» (رواه ابن ماجه)، وقال جابر بن عبدالله رضي الله عنه: «إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم».

وتتسع المسؤولية الفردية عن المجتمع لتشمل الأمة كلها، بل العالم، كما قال ربعي بن عامر: «نحن قوم ابتعثنا الله لتخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة».

وتأتي فريضة الصوم لتجعل الوحدة الإسلامية في دائرة الوعي، فالأمة كلها تصوم وفق شريعة واحدة، لتحقيق غاية متسقة، وعلى ذلك تتجدد الدعوة الإيمانية كل عام مرات في تشريعات شتى لتؤكد الأخوة الإسلامية العامة، مهما حاول البغاة التفريق بينها، وفصم عراها قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10)، وقال: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون: 52).

وتعد مركزية الوحي أولى بنيات الحضارة، فإن فرض الصيام في شهر رمضان كان تكريمًا لنزول الوحي فيه، كما قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: 185)، وكان جبريل يدارس القرآن مع النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من ليالي رمضان، فلما كان العام الذي قبض فيه راجعه معه مرتين، ولا شك أن قراءة القرآن مع تدبره تخلق الإنسان خلقًا جديدًا، وتعيد ترتيب أولوياته واهتماماته، وتضعه في قلب الحراك والتدافع الحضاري العام كما يصفه القرآن.

وتأتي قيمة الوقت وإدراكها من صلب قضايا الإنجاز والعمل، ويكون المسلمون أعظم وعيًا بها في شهر رمضان، وهم يصومون لرؤية الهلال، ويفطرون لرؤيته، ويراقبون أوقات الفطر والصوم، وانفلات ساعاته وأيامه، ويستحضرون تراثًا ماجدًا لأسلاف أدركوا قيمة الوقت.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي»، وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: «إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما»، وقال الحسن البصري: «أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم»، فلا عجب أن زخر شهر رمضان بالانتصارات الكبرى الفاصلة مثل «بدر»، و«فتح مكة»، و«فتح الأندلس»، و«ملازكرد».. وغيرها.

الصيام وقيمه الحضارية المستهدفة

كان لتراجع المشروع الإسلامي وقعه في تبدل قيمه، وتفريغها من مدلولاتها ودافعيتها، وتخليها عن أدوارها، بل غلبة النموذج الغربي بما يمثله من نقيض حضاري، وهنا تقف التقوى والرقابة الذاتية -الثمرة المبتغاة للصوم- في مقابل النسبية الأخلاقية، والمصلحة المادية، والنهم الاستهلاكي، والجشع الاقتصادي الذي برر العدوان والاستعمار وقهر المستضعفين، وهنا يقف ضبط الشهوات والتحرر الإنساني منها في مقابل الخضوع للذة والانقياد للشهوات، وما يستتبعه من انهيار منظومة الأسرة، والأزمات النفسية، وهنا تقف قيم التكافل الاجتماعي والمسؤولية العامة في مقابل النزعة الفردانية، وتطويع القوانين لتشرعن الانحلال الأخلاقي، وفلسفة العدمية وفقدان معاني الهدف والغاية، والسعي للتخلص من الحياة نفسها إن افتقدت قدرتها على المنفعة المادية.

وهنا تقف الأخلاق الائتمانية -على حد تعبير د. طه عبدالرحمن- حيث الإنسان مؤتمن على نفسه والعالم، أمام الأخلاق التعاقدية حيث الإنسان ملتزم أمام القانون وحده، ويقف الإنسان المسلم بأشواق روحه، وحاجات بدنه في انضباطها، وتطلعات عقله الواعي أمام الإنسان الغربي المختزل في المادة والمنفعة واللذة، بحسب رؤية د. عبدالوهاب المسيري.


اقرأ أيضا

الحضارة الإسلامية أسسها ومبادئها

فقه القيادة وأبعاده الحضارية

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة