الهجرة النبوية.. هجرة العادات وبناء المبادئ
لم تكن الهجرة النبوية مجرد انتقال من مكان إلى آخر، أو هروباً من الاضطهاد الذي عاناه المسلمون في مكة وحسب، بل كانت في حقيقتها هجرة لعادات قومهم في قريش وأخلاقهم، فقد كانت هجرتهم من بيئة يُعبد فيها غير الله ويُستغاث بغيره، وكانت هجرة من بيئة الظلم والكبت التي حُرموا فيها من حرية ممارسة عباداتهم والدعوة إليها.
كانت مكة آنذاك
مدينة جامعة، يفد إليها الناس من غالبية المناطق العربية، وكانت مركزاً تجارياً
لسادات قريش، لهم فيها حظوة ومكانة، وكان بين المسلمين المهاجرين من يعمل
بالتجارة، ومنهم من يمارس أعمالاً أخرى غيرها، وعندما قرروا ترك مكة والهجرة،
كانوا على إدراك تام بما سيتركونه خلفهم من أموال ومتاع وذرية، كما كانوا على علم
بأن قريشاً ستصادرها وتجردهم من كل شيء.
القبيلة دولة الفرد
كان المجتمع
آنذاك قائماً ومرتكزاً على القبيلة؛ فبها يُعرَف الفرد، وبها يتعرف عليه الناس،
وكانت القبيلة آنذاك دولة الفرد، وعاداتها وأعرافها هي القوانين التي تحكم أبناءها،
وكان معنى مغادرة المسلمين المهاجرين من مكة خروجهم عن قوانين القبيلة وأعرافها،
وأن يصبحوا بلا قبيلة تحميهم، ولا سند يؤويهم.
ولهذا، فقد هجر
المسلمون القبيلة كمرجعية، ليستبدلوا الأمة بها، وهاجروا أنسابهم لينتسبوا إلى
الإيمان كمرجعية عابرة للحدود والأنساب، وحين وصلوا إلى المدينة وضعوا اللبنات
الأولى للمواطنة التي تلغي الفوارق الطبقية والعرقية والمناطقية، والقائمة على
التقوى أساساً للتفاضل والأفضلية.
لقد هجر
المسلمون بهجرتهم عقيدة قريش وأسيادها الذين كانوا ينحنون للأصنام ويتضرعون لها، وكان
حول الكعبة 360 صنماً، يطوف أهل مكة حولها كطقوس يومية يمارسونها، كما هجر
المسلمون بهجرتهم العادات والتقاليد التي توارثوها عن آبائهم وأجدادهم في الثارات،
والمقامرة، وشرب الخمور، والتعصب الجاهلي القائم على النسب والسلالة، واحتقار ما
دون ذلك.
لقد ودّع
المسلمون فترة الاستقرار والأمان وممارسة العادات اليومية التي كانوا يعيشونها قبل
دخولهم في الإسلام، فقلبت قريش حياتهم رأساً على عقب، وسامت الكثير منهم سوء
العذاب، واستُشهدت سمية وزوجها ياسر رضي الله عنهما، وعلى أثر ذلك انطلق المسلمون
نحو يثرب، إلى بيئة جديدة، لا يعلمون عنها إلا القليل، ولا يعلمون ما الذي
سيواجههم فيها، لكنهم توكلوا على الله، واتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجروا
بدينهم، ليجدوا في المدينة اطمئناناً وسكينة وسعادة تفوق ما كانوا عليه في بيئتهم
الأصلية في مكة قبل التحاقهم بالإسلام.
الهجرة النبوية.. هدف عظيم وسامٍ
هاجر المسلمون
وتركوا كل ذلك لهدف عظيم وسامٍ؛ فقد كانت هجرتهم بداية لنشوء مجتمع ودولة أقاما
الحضارة الإسلامية، وتم ذلك من خلال بناء الشخصية الإسلامية المستقلة، التي تدرك
أن قيمتها الأساسية تكتسبها من دينها ومبادئها، لا من قبيلتها أو مالها أو تجارتها،
ولذلك فقد كانت الهجرة واحدة من الوسائل التي ساهمت في إعداد الشخصيات المسلمة في
العصر الأول، وأصبح المسلمون في المدينة مجتمعاً واحداً وكتلة واحدة لا يمكن
كسرها، ولا همّ لهم إلا الله وحده، يضحون في سبيله بكل غالٍ وثمين.
لم يكن ما هجره
المسلمون متاعاً زائلاً فحسب، بل هجروا الجاهلية بكل ما فيها من عادات، ولم يكن ما
تركوه هناك أموالاً وذرية فقط، بل تركوا القيود، وهجروا الكبت، وآثروا أن يكونوا
أحراراً يعبدون الله وحده، فالهجرة النبوية لم تكن حدثاً عابراً، بل مرحلة نقلت
أمة الإسلام من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن التبعية إلى
الاستقلال الفكري والسيادي، كما تحوّل العرب بها من قبائل متناحرة تخضع للدول
والإمبراطوريات، إلى دولة امتد حكمها حتى وصل إلى نهر السند شرقاً، والأندلس غرباً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً