أجور على قارعة الطريق
في ليلة هانئة من ليالي رمضان الصافية، جلستُ أطالع قصة نبي الله موسى عليه السلام مع ابنتي شعيب، وهي من القصص القرآنية الماتعة التي تشبه الدوحة الباسقة؛ ظلها ممدود، وماؤها مسكوب، وفاكهتها كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، ورونق أسلوب، وبديع نظم، وجمال صورة.
وقلت لنفسي:
الناس رجلان؛ رجل لا يفوت فرصة يجد فيها امرأة ضعيفة في حاجة فيقف إلى جانبها حتى يقضي
حاجتها، لا يريد بذلك إلا وجه الله تعالى، فما أروع موقفه وأنبل مقصده! ورجل آخر
لا يفوت فرصة يجد فيها امرأة ضعيفة في حاجة فيقف إلى جانبها حتى يقضي شهوته ويشبع
نزوته، وربما انتهى اللقاء بتبادل أرقام الهواتف أو صفحات التواصل؛ فما أخزى مقصده
وأسوأ عاقبته! وشتان ما بين الصورتين، وبعد بينهما كما بين المشرقين والمغربين!
ونبي الله موسى
عليه السلام ضرب المثل الأكمل في المروءة والشهامة، وصنيع المعروف، مع هذا المرور
العابر على قارعة الطريق، يقول صاحب «الظلال» رحمه الله: وثارت نخوة موسى عليه
السلام وفطرته السليمة؛ فتقدم لإقرار الأمر في نصابه، تقدم ليسقي للمرأتين أولاً، كما
ينبغي أن يفعل الرجال ذوو الشهامة، وهو غريب في أرض لا يعرفها، ولا سند له فيها
ولا ظهير، وهو مكدود قادم من سفر طويل بلا زاد ولا استعداد، وهو مطارد، من خلفه أعداء
لا يرحمون، ولكن هذا كله لا يقعد به عن تلبية دواعي المروءة والنجدة والمعروف، وإقرار
الحق الطبيعي الذي تعرفه النفوس.
فسقى لهما
مما يشهد بنبل
هذه النفس التي صنعت على عين الله، كما يشي بقوته التي ترهب حتى وهو في إعياء
السفر الطويل، ولعلها قوة نفسه التي أوقعت في قلوب الرعاة رهبته أكثر من قوة جسمه،
فإنما يتأثر الناس أكثر بقوة الأرواح والقلوب(1).
الكنوز المنثورة
كم من الكنوز
المنثورة في الحياة تنتظر القناص وروحه الوثابة، وعزيمته الوقادة! منها: شعبة من
شعب الإيمان، كما قال النبي العدنان، صلى الله عليه وسلم، ما تعاقب الجديدان، «إماطة
الأذى عن الطريق»؛ وهي من محاسن الأعمال وأفضل القربات وأجلّ الطاعات، ترفع العبد
إلى ربه درجات، وهي المدخل والأساس للأجور العظيمة؛ غصن شوك تنحيه، زجاجة مكسورة
ترفعها، قشرة فاكهة تبعدها، كلها وغيرها صيد ثمين بعمل قليل، وقد تكون المنجية لك
في يوم الرحيل.
فعن أبي برزة
رضي الله عنه قال: قلت: يا نبيَّ الله، علمني شيئاً أنتفع به فقال صلى الله عليه
وسلم: «اعزل الأذى عن طريق المسلمين» (صحيح مسلم، 2618)، وعن أبي ذر رضي الله عنه،
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عرضت عليَّ أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت
في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في
المسجد لا تدفن» (صحيح مسلم، 553).
وقال صلى الله
عليه وسلم: «لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي
الناس» (صحيح مسلم، 1914)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخّره فشكر الله
له فغفر له» (صحيح البخاري، 652).
وكم من الأجور
على قارعة الطريق، لكن المارين ليسوا كصاحبنا الصياد القناص الذي قال عنه سيد
الناس: «بيْنَما رَجُلٌ يَمْشِي بطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عليه العَطَشُ، فَوَجَدَ بئْراً
فَنَزَلَ فيها، فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فإذا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى
مِنَ العَطَشِ، فقالَ الرَّجُلُ: لقَدْ بَلَغَ هذا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ
الذي كانَ بَلَغَ بي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أمْسَكَهُ بفِيهِ،
فَسَقَى الكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ له فَغَفَرَ له»، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ،
وإنَّ لنا في البَهائِمِ أجْراً؟ فقالَ: «نَعَمْ، في كُلِّ ذاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ
أجْرٌ» (صحيح البخاري، 6009).
وفي الواقع
البئيس مخالفات يستحي منها صاحب المعدن النفيس، صور الإيذاء كثيرة، وتبعاتها جسيمة،
وعواقبها وخيمة، فمن الناس من يقوم بإغلاق الطريق أمام إخوانه، ومنهم من يأكل
ويشرب في الأماكن العامة وبعد الانتهاء يترك بقايا الطعام والشراب في مكانه، وكم
من سائق سيارة أو صاحب دراجة نارية يمشي في الشارع بطريقة جنونية، فيستهين بحياة
الآخرين وأموالهم! وكم من صاحب سيارة يرفع صوت المسجل بالأغاني ويزعج الناس في
طريقهم!
عش بروح الصياد،
وراقب مظان الأجر في الطريق؛ لتغنم ويسعد بك الرفيق.
سقيا العابرين
من كلام
العقلاء: الماء أرخص موجود وأغلى مفقود، فهو سر الحياة وجوهر البقاء، نعمة ربانية
وعطية إلهية، والحياة بلا ماء أرض بلا مطر، وشجر بلا ثمر.
ويقول الإمام
ابن القيم رحمه الله: «الماء مادة الحياة، وسيد الشراب، وأحد أركان العالم، بل
ركنه الأصلي، فإن السماوات خلقت من بخاره، والأرض من زبده، وقد جعل الله منه كل شيء
حي، وهو بارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ على البدن رطوباته، ويرد عليه بدل ما تحلل
منه، ويرقق الغذاء وينفذه في العروق»(2).
وإن كان سقي
الماء صدقة وقرباناً، وعنوان رحمة وآية إحسان، فإن تبريد الأكباد، وإطفاء حرارة
الظمآن وإرواء العطشان للإنسان أو الحيوان تقود إلى الجنان، ورضا الرحمن، ولولاه
ما كان إنسان، وما عاش حيوان، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا
يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء: 30)، (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي
تَشْرَبُونَ {68} أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ
الْمُنزِلُونَ {69} لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) (الواقعة).
وأول ما يسأل
عنه العبد يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة
من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك ونرويك من الماء البارد» (رواه الترمذي،
3358)، وهنيئاً لمن أرخى حبال الصدقة في سقي ماء أو حفر بئر، أو وضع برادة سقيا
للعابرين؛ من إنسان أو طير أو حيوان، يا له من أجر عظيم، وصدقة مباركة! فطيب
الأرواح ريها، وإحياء النفوس قطرها.
وجاء في «سير
أعلام النبلاء»، أن رجلاً سأل عبدالله بن المبارك عن قرحة خرجت في ركبته منذ سبع
سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، فقال له ابن المبارك: اذهب واحفر بئراً في مكان
يحتاج الناس فيه إلى الماء، فإني أرجو أن تنبع هناك عين، ففعل الرجل ذلك فشفاه
الله تعالى(3).
وفي الختام، كلمة تحكم الزمام، حاول أن ترمم القلوب المتعبة والنفوس المرهقة، وكن رفيقاً بالكائنات العابرة ليكون لك ذخراً وأجراً في الآخرة، جبر الخواطر بكلمة لينة لبائع بسيط أو حارس ضعيف، أو عامل منهك، أو غريب مضطرب، فالحياة مليئة بالفرص التي نثرها الله لنا على الطرقات لنثبت أننا حقاً خير أمة أخرجت للناس.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً