صراعات الأنا المتضخمة.. قراءة في دراما التعالي!

صراعات الأنا المتضخمة.. قراءة في دراما التعالي!

كم أوقفني طويلاً ذلك الشعور بالاختناق وأنا أراقب عبر واقعنا وتفاصيل حياتنا اليومية، كيف تتحول بعض الشخصيات المحيطة بنا إلى كتل بشرية متحركة من التعالي الأعمى والاحتياج المرضي المستمر للمديح والإطراء؟

في واقعنا المهني والاجتماعي، كثيراً ما نلتقي بنماذج إنسانية غريبة، تكمن غرابتها في قدرتها البارعة على أن تبني لنفسها عروشاً وهمية؛ عروشاً من الورق المقوى، لتحمي أنواتها الهشة من خلالها وراء أقنعة من السلطة الزائفة، وهذه المشاهدات تجربة شخصية تكررت أمام عيني مراراً وتكراراً في أروقة الوسط الثقافي، والفني والاجتماعي كذلك، حيث يرتدي البعض عباءة الوصاية والتعالي والتشكيك فيمن حولهم أحياناً، أو طلب المديح ليس إلا ليخفوا خوفهم الدفين من اكتشاف حقيقتهم وسقوط ذلك القناع الهش من القوة الزائفة التي يتوارون خلفها!

من هنا، تتجاوز النرجسية كونها مصطلحاً إكلينيكياً مثبتاً في مجلدات المراجع الطبية، لتتجلى بوضوح كظاهرة متغلغلة في نسيج واقعنا، لا تكتفي بتدمير صاحبها فحسب، ولكنها تمتد لتسمم محيطه بأكمله، وهنا تحديدا تؤدي الدراما دور المشرط الجراحي الدقيق الذي يقوم بتعرية هذا المرض الروحي، وذلك حين تعرض صراع الأنا المتضخمة مع تحديات الواقع وقسوته؛ ما يجعلها تعطي للمتلقي فرصاً حقيقية للتطهير الجمالي عبر نماذج درامية حقيقية ومتنوعة.

المسرح.. تفكيك أقنعة التعالي!

ولنبدأ بالنظر إلى فضاء المسرح على اعتبار أنه الوسيط الأكثر حميمية ومواجهة ومباشرة في رصد وتفكيك أمراض الأنا المتضخمة، لنجد أن خشبة المسرح من أهم الوسائط الدرامية التي استطاعت وبكل حيادية ووضوح استنطاق خبايا اللاوعي، وكشف زيف التعالي الإنساني، وتجلت هذه السيكولوجية عالمياً في أكثر صورها التشريحية وضوحاً في مسرحية «الملك لير» للكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير (بريطانيا، 1606م)، حيث قدمت دراسة إكلينيكية لما يطلق عليه المختصون بـ«النرجسية الخبيثة» والتعالي المطلق المرتبط بالسلطة المتهاوية.

إذ لا يبحث لير في اختبار الحب عن مشاعر الأبوة، بل يطالب بوقود نرجسي وإطراء مستمر ليغذي أناته الهشة التي ترتعش وترتعد خوفاً ورعباً من خطى الشيخوخة.

وتمتد هذه التجربة في المسرح المصري عبر مسرحية «السلطان الحائر» لتوفيق الحكيم (مصر، 1960م)، وتغوص بعمق في سيكولوجية السلطة والأنا المتضخمة بين القانون والجلاد.

كما تتجسد أمراض الأنا بوضوح في المسرح العربي عبر نص «الملك هو الملك» لسعد الله ونوس (سوريا، 1977م)، وعرضت في نسختها الجماهيرية الأبرز في مصر عام 1988م، وتناقش إشكالية تبديل الأدوار وكشف هشاشة التاج المصطنع.

وصولاً إلى المسرح الخليجي وتحديداً التجربة الكويتية البارزة في مسرحية «سيف العرب» (الكويت، 1992م) التي تعري سيكولوجية الدكتاتور المنفصل عن الواقع في تفاصيل حياتنا لتتحول الكوميديا السوداء إلى مباضع جراحية تفضح تضخم الأنا المتضخمة أمام جماهير ثائرة تتأمل سقوط الاستبداد المستطير.

السينما.. سقوط هالة النفوذ والوهم

أما على صعيد المعالجات السينمائية، فتستغل الكاميرا قدرتها المبهرة على التقاط الكادرات الضيقة واستخدام العدسات المقربة لترجمة انتفاخ الأنا وتضخمها، والتعالي النرجسي إلى لغة بصرية تفضح ضعف النفوذ وتسقط هالة الوهم في تجارب سينمائية عميقة تلتقط مآزق الواقع البشري الهش.

ففي السينما المصرية، على سبيل المثال، يبرز فيلم مهم جداً وهو «زوجة رجل مهم» (مصر، 1987م)، وهو يعد علامة فارقة في تاريخ السينما العربية؛ حيث يقدم التشريح النفسي لشخصية الزوج المرتبطة بالسلطة والنفوذ الوظيفي التي تستمد قوتها ووجودها منها؛ إذ يبرز المشهد الأيقوني حين يقف الزوج أمام مرآته غير قادر على استيعاب تآكل هالة أناته وسقوطها ليصرخ في ذهول مرير: «أنا.. أنا مش مهم؟!»، ليتكامل هذا الطرح مع فيلم «معالي الوزير» (مصر، 2002م) الذي يغوص في عوالم متداخلة من الهلع الوجودي والخوف من فقدان الكرسي والوجاهة المزيفة.

كما نجد ذلك بقوة في السينما العربية، إذ يقدم لنا فيلم «الحدود» (سوريا، 1984م) للمخرج دريد لحام مقاربة ساخرة وموجعة لتوهم القوة والتعالي البيروقراطي والسياسي الذي يبني سجوناً وهمية للأفراد ويسجنهم فيها، ولعل هذه المعايشة الواقعية تتضح إلى حد ما في السينما الخليجية عبر أعمال مثل فيلم «تورا بورا» (الكويت، 2011م)، وهو يغوص في دراما التعالي الفكري والعقائدي والسطوة الأبوية الصارمة التي لا تأبه بتغيرات الحياة في مواجهة التطرف، عاكساً تداعيات الهيمنة الأيديولوجية على مصائر الأبناء والأسرة في الواقع.

التلفزيون.. وسلطة الاستحواذ

أما الدراما التلفزيونية، فإن مساحة الحلقات الممتدة والتشعب السردي للحكاية تتيح للمشاهد فرص فرجوية تشبه جلسات العلاج النفسي الطويلة لتتبع الأنماط النرجسية المتغلغلة في صميم بيوتنا وعلاقاتنا الأسرية المختلفة.

فعلى الشاشة المصرية مثلاً، يطرح مسلسل «عائلة الحاج متولي» (مصر، 2001م) دراسة لنمط النرجسية الأبوية المقنعة بالخير الظاهري وسلطة الاستحواذ المطلق، بينما يقدم مسلسل «الأسطورة» (مصر، 2016م) دراسة حالة معقدة للنرجسية الخبيثة والتعالي المفرط الشديد والعنف المبرر باسم الذات المتضخمة.

أما على شاشة التلفزيون العربي، فيبرز مسلسل «ولاد بديعة» (سوريا، 2024م) كملحمة سورية تشرح صراعات النرجسية المدمرة والمكر الموغل واضطرابات الأنا المتفشية بين الأشقاء في صراع محموم على الثروة والنفوذ.

بينما تتوج الدراما الكويتية هذه المعالجات بمسلسل «أم البنات» (الكويت، 2009م)، بوصفه دراسة إكلينيكية متكاملة لنمط النرجسية الأمومية المسيطرة والمهيمنة بمنطق الامتلاك والاستحواذ العاطفي المرضي، فضلاً عن مسلسل «لا موسيقى في الأحمدي» (الكويت، 2019م) الذي استطاع أن يفكك بدقة موجعة نرجسية الطبقات وسلطة الأب المتسلط المهووس بالوجاهة الاجتماعية على حساب الروابط الإنسانية الحقيقية في تفاصيل حياتهم اليومية.

إن الدراما قادرة على أن تثبت دائماً وبشتى وسائطها وجغرافياتها أن الإبداع الحقيقي لا يقف عند حدود نقل أو إظهار الصراع الفردي مع المعضلة المرضية، أو مع نظيره، أو حتى رصد الأعراض العابرة للمشكلة النفسية أياً كانت مسمياتها، إنما يتجاوزه إلى التشريح النقدي لجذور تلك المشكلة في واقعنا وأثرها في المجتمع.

وحين تنجح الأعمال الدرامية في نقل مرض النرجسية من تقارير الطب النفسي ومجلداته وعياداته التشريحية إلى فضاء الفن النابض بالحياة، فإنها تمنحنا كمشاهدين وعياً نقدياً حقيقياً بأخطار التعالي، وترينا كيف أنه بإمكاننا تطهير أنفسنا منه، كما تجعلنا نتأكد من وهم الكمال المطلق، ونرى بأعيننا سلطة الأنا المتعالية، وهي قابلة للتحطم والانهيار أمام صخرة الحقيقة والواقع، لإعادة التوازن الروحي والمجتمعي للحياة التي نعيشها بكل تقلباتها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة