عبقرية النبي ﷺ في توظيف «القنوات الفضائية» في عصره!

(وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) (الفرقان: 7)، لم تكن حياته صلى الله عليه وسلم؛ شاباً وكهلاً، يوماً ما ضرباً من الترف، بل كلها تخطيط وإعداد ومعرفته بوسائل عصره وخصومه.

وكانت الأسواق هي وسيلته الأكبر في البث المباشر لخططه وأعماله العسكرية المبهرة التي أرغمت الجميع على نقلها بحيادية، ولم يُرْهنها برواية إعلامية واحدة، ربما تفسد عليه كل خططه، وقد استغرق ذلك جهداً طويلاً من المسح الميداني والمعرفي بطبيعة المكان والزمان، وإدارة الحضور الإعلامي في الفضاء المفتوح.

سلك خصوم النبي صلى الله عليه وسلم كل مسلك في تشويه دعوته، والإجهاض عليها منذ بواكيرها، ووظفوا كل وسائلهم العصرية لأجل ذلك، وكان في مقدمتها جميع قنوات الإعلام المتاحة لهم بين المواسم، والتجمعات العامة، والشعراء، والأسواق، حيث كانوا يغمزونه ويلمزونه كيف يكون نبياً؛ وهو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟! وهم لا يدرون أنها كانت بداية التخطيط لأعلى ضربات سيتلقونها في جزيرة العرب، ولم يصلوا إلى عبقرية تخطيطه بالهدوء والدراسة والمسح الميداني طيلة حياته منذ شبابه وحتى وفاته.

يأكل الطعام ويمشي في الأسواق

كان سير النبي صلى الله عليه وسلم في الأسواق بمثابة الحضور الإعلامي الأول، فهي ملتقى لكل الأطياف والقبائل، بل أكبر من ذلك، فهي منتدى عالمي للقاء الشعوب من خارج جزيرة العرب، حاملين إليها وناقلين منها للبضائع، ومنها بضاعة الإعلام.

فالإنسان بطبعه شغوف بنقل وسماع الأخبار، والعربي أكثر شغفاً بهذه الحالة، وذلك حينما سئل أحد وجهاء العرب الذي تجاوز مائة عام، ولم يبقَ له لذة يمارسها في الحياة، هل تبقى لك حب في البقاء ولذة العيش، قال: نعم، هناك لذة لا تنقطع؛ «سماع الأخبار»(1).

وإذا كانت كتب التفسير تذهب إلى تواضع النبي صلى الله عليه وسلم كدليل على بشريته وكل ذلك حق، بسبب مشيه في الأسواق وقضاء حاجاته، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف الخطورة الإعلامية للأسواق وهو سيد الأذكياء، وأنها أكبر وسيلة عصرية لاغتيال الشخص وتشويهه معنوياً.

فقد كانت هي الطريق الوحيد للبث المباشر في جزيرة العرب، خاصة عندما يحضر الحكماء وأصحاب الأوزان الثقيلة من رؤوس الإعلام، حيث ذكرت مصادر السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه وفد إياد سألهم عن أيقونتهم الإعلامية قس بن ساعدة، حكيم العرب وخطيبهم، وأنه سمعه يخطب على جمل في سوق عكاظ(2).

أيضاً كان من ضمن أعراف الأسواق رفع «السوداء»؛ وهي راية سوداء ترفع في الأسواق وغيرها لمن فعل فعلاً مشيناً.


قراءة في كتاب «سيرة النبي محمد» ﷺ |  مجلة المجتمع الكويتية
قراءة في كتاب «سيرة النبي محمد» ﷺ | مجلة المجتمع الكويتية
يقدم كتاب «سيرة النبي محمد» إطلالة مختلفة على رحلة...
mugtama.com
×


عبقرية التخطيط النبوي

كنت أتعجب من كتّاب السيرة النبوية في مطلع كل غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم من اختلافهم حول موعد الغزوة، وأصفه بالترف التاريخي، حيث يرى ابن إسحاق مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى خيبر في شهر المحرم، ويرى غيره أنه خرج في صفر، ويتدخل ثالث من كبار مدوني السيرة ويرجح ويوازن ما بين التاريخين(3).

وأقول في نفسي: الغزوة وقعت في أي شهر، ما يهمنا هو الحدث والفائدة منه؟ ولكن عند مطالعة أطلس السيرة النبوية، حانت لي التفاتة حول موعد انعقاد أسواق العرب في الجاهلية، التي جاء الإسلام ولم يغير من موعد انعقادها(4).

وتبين أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان له عبقرية في تحديد موعد الغزوات، ليتوافق إلى حد كبير مع موعد انعقاد الأسواق -الفضائيات حالياً- لتذهب أخباره من اليمن جنوباً إلى الشام شمالاً، دون تزييف أو اعتماد قناة قريش الإعلامية واحتكارها للإعلام.

وبالعودة إلى موعد انطلاق الغزوات أو بالأحرى أمهات الغزوات وموعد انعقاد الأسواق، تجد هناك دقة إعلامية بالغة من النبي صلى الله عليه وسلم في ترتيب تحركاته إعلامياً، وأنه كان النموذج الأمثل لرجل الدنيا والدين.

البث المباشر

قبل الحديث عن موعد انعقاد الأسواق، من المهم أن نعلم أنه كان من المتبع عسكرياً حينها أن المنتصر في المعركة، كان يبقى في أرض المعركة 3 أيام كدليل على قوة حضوره وانتصاره، وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم في غزوة «بدر»؛ التي جاءت متزامنة مع انعقاد سوقي عدن وصنعاء؛ حيث يتوافد إليهما الكثير من السفن حاملة البضائع والأخبار.

كما أن فترة الانعقاد كانت تستمر أسابيع أو تكون ما بين شهرين، فتتناقل الأخبار بدون زيف أو توجيه، فهي بمثابة البث المباشر الذي لا يستطيع أحد إيقافه.

أيضاً لا يفوتنا أن التحرك العسكري كان يكون بين خصمين أو تحالفات، وهناك من يراقب فقط وينقل، وقد أسعفتنا كتب السيرة بمثل هذا المسلك، حيث خرجت طليعة من قبيلة غفار في غزوة «بدر» لمعرفة من يكون له النصر على الآخر، ومنهم من رأى الملائكة وتسبب له في سكتة قلبية، ومنهم من عاش ونقل الأخبار(4).

أما عند الرجوع إلى موعد انعقادها في جزيرة العرب، يتبين أن أكبر أسواقها عكاظ كان يعقد في شهر ذي القعدة، بالقرب من عرفات، ولا يفوتنا أن «صلح الحديبية» وحضوره الإعلامي كان في ذي القعدة، بالقرب من مكان البث المباشر.

وكذلك سوق ذي المجاز، ومجنّة، كانا يعقدان في ذات التوقيت وما بعده من شهر ذي الحجة، وهو حضور لأكبر تجمع إعلامي في جزيرة العرب.

وعندما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم التحرك إلى تأديب اليهود، والقضاء على وكر الدسائس والفتن في «خيبر» تحرك في شهر المحرم، وهو موعد انعقاد سوق النطاة، وكان يعقد يوم عاشوراء.

كما كان تحركه الأكبر خارج جزيرة العرب إلى «تبوك» في شهر رجب، وهو موعد انعقاد سوق دبا؛ وهو السوق الوحيد الذي كان يأتيه تجار من السند والهند والصين، ليناسب طبيعة حدثه الجلل غزو الروم في عقر دارهم لتتناقله كل بلدان العالم(6).


دراسة أمريكية: الرسول محمد قائد عسكري محنك ومقاتل ثوري عبقري |  مجلة المجتمع الكويتية
دراسة أمريكية: الرسول محمد قائد عسكري محنك ومقاتل ثوري عبقري | مجلة المجتمع الكويتية
قبل سنوات أثناء تجولي في إحدى أكبر مكتبات بيع الكت...
www.mugtama.com
×


وقفة وعي مع السيرة النبوية

1- يتبين لنا أننا ما زلنا غارقين في التجييش الإيماني بأن معظم غزواته كانت في رمضان، وأنه شهر النصر حتماً دون أن نعلم أنه لم يقع من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم إلا غزوتان في رمضان فقط، هما «بدر» و«فتح مكة»، ويمكن رد ذلك أيضاً إلى موعد انعقاد وظهور الأسواق، بل إن معظم غزواته صلى الله عليه وسلم كانت في شوال؛ لأن الإعداد الجيد والإيماني كان في رمضان.

2- السيرة النبوية رافد عظيم لفهم علاقات وتقاطعات البشر، باعتبار أن من كان يدير هذه الأحداث هو سيد البشر، وأكمل الناس حسّاً ومعنى، لكن الجناية على السيرة جاءت من حصرها في زوايا محددة، واختزالها في إشباع حالة إيمانية مشجية بعيدة عن كمال التخطيط والبراعة النبوية في الأداء ومنها الإعلام.

3- الاقتناع سلفاً بتكليل كل النجاح بحضور شخص النبي صلى الله عليه وسلم دون الدراسة الحقيقية لإعداده المبهر، فيه تجنٍّ على السيرة النبوية واختزالها فيما يشبه «عصا موسى»، والتعامل معها بهذه الكيفية يفقدها جوهرها كمادة إلهام للوعي لكل العصور.





_____________________

(1) المنتظم في أخبار الأمم لابن الجوزي البغدادي.

(2) سبل الهدى والرشاد للصالحي.

(3) دلائل النبوة للبيهقي.

(4) د. شوقي أبو خليل: أطلس السيرة النبوية.

(5) سبل الهدى والرشاد للصالحي.

(6) أسواق العرب في الجاهلية والإسلام: سعيد بن محمد الأفغاني.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة