«لا ضرر ولا ضرار».. قاعدة كلية في السياسة الشرعية
روى أبو داود،
وابن ماجه، بسند صححه الألباني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»،
كلمتان تمثلان قاعدة من قواعد الإسلام الكبرى في سياسة حياة الناس، حيث تصاغ في
ظلها السياسات، وتنضبط على أساسها المعاملات، وتدور في فلكها التصرفات الخاصة
والعامة.
وفي المعنى، قال
ابن منظور: «لا ضرر»؛ أي لا يضر الرجل أخاه، وهو ضد النفع، وقوله: «ولا ضرار»؛ أي
لا يضار كل واحد منهما صاحبه.
وقال ابن
الأثير: قوله: «لا ضرر»؛ أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقه، و«الضرار»
فعال من الضر؛ أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، والضرر فعل الواحد،
والضرار فعل الاثنين، والضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه.
وقيل: الضرر ما
تضر به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع، وقيل: هما بمعنى
واحد، وتكرارهما للتأكيد(1).
وقال ابن عبد
البر: والذي يصِحُّ في النَّظرِ، ويثبُتُ في الأُصُولِ: أنَّهُ ليسَ لأحدٍ أن
يضُرَّ بأحَدٍ، سواءٌ أضرَّ به قبلُ أم لا، إلّا أنَّ لهُ أن ينتصِرَ ويُعاقِبَ إن
قدرَ، بما أُبِيحُ لهُ من السُّلطانِ، والاعتِداءِ بالحقِّ الذي هُو مِثلُ ما
اعتُدِيَ به عليه، والانتصار ليس باعتداء ولا ظلم ولا ضرر، إذا كان على الوجه الذي
أباحته الشريعة(2).
الأدلة الشرعية على قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»
تنوعت الأدلة في
القرآن والسُّنة على تحريم الضرر، حيث قال تعالى: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) (البقرة: 282)،
وقال عز وجل: (لَا تُضَارَّ
وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) (البقرة: 233)،
وقال أيضاً: (وَلَا تُضَارُّوهُنَّ
لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) (الطلاق: 6)، وقال: (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190).
وفي صحيح مسلم
عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا
تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم
أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا -ويشير إلى صدره ثلاث
مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه
وماله وعرضه».
فقد ساق النبي
صلى الله عليه وسلم في الحديث أنواعاً متعددة من الضرر؛ كالظلم والخذلان
والاحتقار، ثم قال: «كل المسلم على المسلم حرام»؛ أي كل ضرر يلحق المسلم فهو محرم.
مراحل منع الضرر
تعاملت الشريعة
الإسلامية مع الضرر بثلاث صور كلية عظيمة وعالجته بثلاث مراحل جليلة متينة، هي:
1- النهي عن الضرر قبل وقوعه:
وهو الضرر
المتوقع، والتغليظ في شأنه، وتحريم الإضرار بغير حق، ففي هذا وقاية من الإقدام على
الضرر، وكذلك اتخاذ التدابير الواقية من الوقوع في الخطأ، كتناول الأدوية الواقية؛
منعاً للأمراض، وتنظيم المرور على الطرقات؛ منعاً للحوادث، ومنه إعداد العدة
لمواجهة الأعداء، امتثالاً لقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ
الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60).
2- منع الضرر أثناء وقوعه:
وذلك بمدافعته
وعدم الاستسلام له، مثل اتخاذ الإجراءات التي تمنع فاعل الضرر من تحقيق هدفه
وإصابة غرضه، وذلك مثل رد الاعتداء ومكافحة الظلم، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ
رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ
إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: "«قَاتِلْهُ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟
قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ في
النار».
وفي مسند أحمد
عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ
أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ
قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ».
3- إزالة الضرر بعد وقوعه:
وذلك
يُتَصَوَّرُ إمكانيته في صورتين:
الأولى:
العقوبات المشروعة على المعاصي والمخالفات، فإن تشريع العقوبات وتقريرها على محدثي
الضرر ومرتكبيه تكون عظة وعبرة للآخرين؛ بحيث يمثل ذلك ردعاً وزجراً يمنع من
تكراره أو يقلل من فرص حدوثه، على حد ما جاء في قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (البقرة:
179)، ولا تجوز المجازاة أو العقوبة على الضرر بإحداث ضرر مثله على
المعتدى، لا فائدة منه للمعتدى عليه؛ فمن أفسد شيئاً أو أتلفه لا تكون عقوبته
بإفساد شيء مثله عليه إذا أمكن تعويض المُعتدى عليه؛ لأن الإفساد في هذه الحالة
فيه مزيد من الإفساد والإضرار بدون فائدة منه، وإنما تكون عقوبته بأن يصلح ما
أفسد، أو يعوض عنه بمثله إذا لم يمكن الإصلاح.
فإذا تعذر ذلك
ولم يمكن، فإنه يُفعل به مثل ما فعل بلا زيادة، فإن في هذا إراحة لقلب المظلوم
المعتدى عليه إلا أن يعفو؛ فمن أفسد حياة إنسان عمداً، فإن المعتدي لا يستطيع أن
يصلح ما أفسد برد الحياة مرة أخرى، كما أنه لا يستطيع أن يعطي مثله، فتكون عقوبته
في هذه الحالة أن يفسد عليه القاضي حياته، إلا إذا تنازل صاحب الحق (ولي الدم).
الثانية: إزالة
آثار الضرر عن طريق التعويضات المشروعة التي تجعل الضرر كأن لم يكن، أو تخفف
آثاره إلى أقصى حد ممكن؛ فقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند بعض
نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت
القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: «كلوا»، وحبس النبي صلى الله عليه وسلم (أي
الخادم) والقصعة، حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة، وحبس المكسورة»(3).
قواعد فقهية متعلقة بإزالة الضرر
نظراً لاهتمام
الشريعة الإسلامية بمنع الضرر، فقد تنوعت القواعد الكبرى المؤكدة على منع الضرر،
والمتعلقة بقاعدة: لا ضرر ولا ضرار، ومن ذلك ما يأتي(4):
1- الضرر يزال.
2- الضرر لا
يزال بمثله.
3- الضرر يدفع
بقدر الإمكان.
4- الضرر الأشد
يزال بالضرر الأخف.
5- يرتكب أخف
الضررين.
6- يتحمل الضرر
الخاص لدفع الضرر العام.
اقرأ أيضا:
قضية التعويض المال عن الضرر المعنوي
_________________
الهوامش
(1) لسان العرب
(4/ 482).
(2) التمهيد: ابن
عبد البر (12/ 533).
(3) مجلة البيان
(201/ 5)
(4) شرح القواعد
الفقهية: الزرقا، ص 165.