كيف تصنع مجتمع العطاء من حولك؟

د. علي شيخون

07 نوفمبر 2026

9

يتضمن التصميم شجرة مثمرة يعبر من تحتها أشخاص يتبادلون العطاء ومساعدة الآخرين، بجانبها اسم المقال والكاتب د. علي شيخون.

مجتمع العطاء.. تتسع المدن وتتباعد البيوت فتضعف الروابط التي كانت تحمل الناس في أوقات الشدة، وتختفي الحاجات خلف الأبواب المغلقة، فأرملة تحتاج من يتابع أوراقها وشاب يبحث عمن يرشده إلى أول عمل ومسن يفتقد من يؤنس وحدته وطالب ينتظر من يشرح له درساً تعثّر فيه، وأصحاب القدرة على قضاء هذه الحاجات قريبون منها في الغالب جيراناً وزملاء وأقارب تحول بينهم وبينها العزلة والانشغال ويقعدهم عنها ظنٌّ شائع بأن العطاء شأن من يملك فائض المال.

والعطاء في التصور الإسلامي أوسع من هذا الظن بكثير؛ فهو بذل كل ما ينتفع به الآخرون من وقت وعلم وخبرة وجهد وجاه ونصيحة وكلمة طيبة إلى جانب المال، وبهذا المعنى يصبح كل إنسان مالكاً لرصيد قابل للبذل مهما كانت حاله المادية.

وتتجلى أهمية هذا الفهم حين ينتقل من الفرد إلى المحيط؛ فالعطاء الفردي يسد حاجة عابرة ومجتمع العطاء يبني شبكة أمان دائمة تحرّك الطاقات الكامنة، وتحوّل الأوقات والخبرات المهدرة إلى قيمة حقيقية، وتحقق المعنى الذي صوّره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" والطريق إلى صناعة هذا المجتمع يبدأ باكتشاف ما نملك ويمر بالقدوة والدائرة الأقرب وينتهي ببناء منظم يحفظ للعطاء استمراره ونقاءه.

خريطة العطاء وماذا تملك لتعطيه؟

الخطوة الأولى في صناعة مجتمع العطاء أن يجرد الإنسان رصيده الحقيقي كما يجرد التاجر بضاعته آخر العام، وسيكتشف أنه يملك أكثر مما يظن، ساعات من الوقت يمكن اقتطاع بعضها، وعلماً يحسن تعليمه وخبرة مهنية يحتاجها غيره وجهداً بدنياً يعين به عاجزاً وجاهاً وعلاقات يشفع بها لصاحب حاجة ونصيحة صادقة وإصغاءً لمهموم وكلمة طيبة تجبر خاطراً.

وتتعدد الصيغ المعاصرة لهذا العطاء، الاستشارة المهنية المجانية لمن يعجز عن أجرها، وإرشاد الخريجين في أول طريقهم المهني، وتدريب الشباب على مهارات تفتح لهم أبواب الكسب، وتعليم كبار السن استخدام التطبيقات المصرفية والحكومية حماية لهم من الاحتيال، ودروس التقوية لأبناء الأسر المتعففة، ومن أنضج هذه الصيغ "بنوك الوقت"، حيث يقدّم الفرد ساعة من خبرته ليستحق ساعة من خبرة غيره، فيتحول الوقت إلى عملة تكافلية يتساوى فيها الجميع، وتُقضى بها حاجات كانت تستنزف أموال الأسر.

وهذه الأوعية قيمة اقتصادية تفوق المال المباشر؛ فساعة استشارة من محاسب أو محامٍ أو طبيب يدفع فيها غيره مبلغاً معتبراً، ودرس تقوية يغني أسرة عن نفقة شهرية، وتوصية صادقة تفتح لشاب باب رزق يكفيه سنوات، ومتابعة معاملة متعثرة في دائرة حكومية ترفع عن صاحبها همّاً أثقل من أي دين.

القدوة المُعدية

يتعلم الناس بالمشاهدة أسرع مما يتعلمون بالموعظة، والعطاء من أكثر السلوكيات قابلية للعدوى، فالجار الذي يُرى كل أسبوع يحمل أغراض جاره المسن، والمهندس الذي يخصص ساعة شهرية لإرشاد الخريجين، والمعلم الذي يفتح بيته لدروس مجانية، كل واحد منهم يكسر حاجز التردد عند غيره، ويحوّل الفكرة من أمنية إلى ممارسة ممكنة.

وفي حديث جرير بن عبد الله صورة دقيقة لهذه العدوى؛ إذ قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قوم شديدو الفاقة، فحثّ الناس على الصدقة، فجاء رجل من الأنصار بصُرّة كادت كفه تعجز عنها، ثم تتابع الناس حتى اجتمع كومان من طعام وثياب، فقال صلى الله عليه وسلم: "من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، فالمبادرة الأولى فتحت الباب، وتولّى المحيط الباقي، ومن هنا جاء التوازن القرآني بين الإخفاء والإظهار؛ (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) (البقرة: 271).

الأسرة والجيران نواة أولى

يبدأ مجتمع العطاء من الدائرة التي يعيش فيها الإنسان يومه وأولها البيت فالأسرة التي يتبادل أفرادها العطاء تصنع جيلاً يرى البذل سلوكاً طبيعياً، ثم يأتي الجار وهو أول وحدة تكافلية خارج البيت، وقد بلغ من شأنه أن قال صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه».

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم العطاء بين الجيران ميسوراً في متناول كل بيت فقال لأبي ذر: «إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك»، وقال: «يا نساء المسلمات لا تحقرنّ جارة لجارتها ولو فِرسِن شاة».

وتتسع صور العطاء الجيراني في واقعنا، تفقد الجار المسن والمريض ورعاية أطفال جارة عاملة في طارئ وإعارة الأدوات والأجهزة بدلاً من شراء كل بيت نسخته ومجموعة تواصل للعمارة أو الحي تُعرض فيها الحاجات والخبرات المتاحة، وبهذه الممارسات اليومية الصغيرة تتشكل شبكة ثقة وهي الأرض التي تُبنى عليها كل مبادرة أكبر.

تنظيم العطاء وتوجيهه.. من المبادرة العفوية إلى التمكين المستدام

تولد مبادرات العطاء في الغالب حماسةً عفوية، ثم يخبو أكثرها حين ينشغل أصحابها أو يتعب المبادر الأول، والفارق بين مبادرة تعيش شهراً وأخرى تعيش عقداً هو التنظيم، فريق يتقاسم الأدوار وسجل يوثق الحاجات والموارد ومواعيد ثابتة تحوّل الفعل الطارئ إلى عادة جماعية، وهو ما يوافق قوله صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ».

وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على نموذج تنظيمي مبكر فقال: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم».

ويمتد هذا النموذج اليوم إلى صيغ متعددة، فرق تطوع في المسجد والحي توزّع المهام بحسب قدرات أفرادها، وصناديق عائلية يسهم فيها كل فرد بما يستطيع، وقرض حسن دوري يُغني المحتاج عن الاستدانة بالربا، ووقف جماعي صغير لمكتبة أو أدوات أو أجهزة طبية تُعار لمن يحتاجها، ومنصات رقمية موثوقة تربط أصحاب الحاجات بأصحاب الخبرات والأوقات.

ويكتمل التنظيم بحسن التوجيه؛ فأولى الناس بالعطاء المتعففون الذين وصفهم القرآن (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) (البقرة: 273)، والوصول إليهم يحتاج معرفة بالمحيط وحكمة في التفقد، وأنفع العطاء ما يُخرج صاحبه من دائرة الحاجة مثل تأهيل مهن وأدوات حرفة وتمويل مشروع صغير.

وبهذا يتحول مجتمع العطاء من جهة توزع المعونات إلى بيئة تصنع القادرين، ويصبح من أخذ بالأمس معطياً في الغد.

صيانة مجتمع العطاء

يبني مجتمع العطاء في سنوات ما قد تهدمه آفة واحدة في أيام، ولذلك يحتاج صانعه إلى وعي بمواطن الخلل قبل وقوعها، وأخطر هذه الآفات المنّ والأذى، وقد حسم القرآن أمرهما بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) (البقرة: 264)، وقدّم عليهما الكلمة الحسنة؛ (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) (البقرة: 263)، ويشمل الأذى في عطاء الوقت والخبرة ما يشمله في عطاء المال بتذكير المستفيد بالفضل والتعالي عليه وإشعاره بالعجز.

ومن الآفات المعاصرة تصوير المستفيدين ونشر صورهم وحاجاتهم في وسائل التواصل طلباً للتفاعل، وفيه جرح لكرامة الآخذ يحوّل العطاء إلى مادة استعراض، ويقابله الهدي النبوي في الحديث عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله ومنهم "رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، ويلحق بذلك التنافس المظهري بين المبادرات والجماعات، حين يصبح عدد الصور والمنشورات معياراً للإنجاز، فتتزاحم الجهود على المستفيد الظاهر ويُهمل المتعفف المستتر.

ومن الجهة الأخرى تتهدد مجتمعَ العطاء آفةُ الاتكالية، حين يعتاد بعض الناس الأخذ مع قدرتهم على الكسب، وآفة الاستغلال من المتحايلين، وآفة ضعف الثقة حين تغيب الشفافية في جمع الموارد وصرفها، فينسحب المعطون واحداً بعد آخر.

وتقوم ضمانات صيانة مجتمع العطاء على أربعة أمور، ستر المستفيد وحفظ خصوصيته، والإفصاح الدوري عن الموارد وأوجه صرفها، وتوزيع الأدوار بما يمنع تفرد شخص بالقرار، وتجديد النية بين حين وآخر، فمدار القبول على قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، وبهذه الضمانات يبقى العطاء نقياً، ويبقى مجتمعه قائماً على الثقة التي نشأ عليها.

وفي الختام فإن مجتمع العطاء يبدأ صغيراً بحجم فِرسِن شاة تُهدى لجارة وماء يُزاد في مرقة وساعة تُقتطع من يوم مزدحم، ثم يكبر بصُرّة أنصاري يتتابع الناس من بعده، حتى يبلغ هيئة ثوب الأشعريين الذي يتسع لما عند الجميع ويُقسم بينهم بالسوية، وفي كل مراحل نموه يحتفظ بسرّه الأول، يمين تعطي وشمال تجهل ومعطٍ يصون كرامة من يأخذ.

وأجمل ما في هذا المجتمع أن أدواره تدور؛ فالشاب الذي وجد من يرشده إلى أول عمل يصبح بعد سنوات مرشداً لغيره، والأسرة التي أُعينت بالأمس تُسهم في صندوق الحي غداً، والساعة التي بُذلت في بنك الوقت تعود لصاحبها ساعة يحتاجها فتتسع الدائرة ويغتني بها الجميع.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة