الخصوصية والتجسس الرقمي.. هل تبيح الشكوك انتهاك خصوصية الآخرين؟

شخص يستخدم حاسوباً محاطاً بشبكة رقمية وأعين مراقبة

في ساعة متأخرة من الليل، حين يستغرق البيت في النوم، تمتد يد مرتجفة إلى هاتف مطروح على منضدة، فتفتحه في حذر اللص، وتقلب رسائله وصوره وسجل مكالماته، والقلب يخفق بين خوفين؛ خوف أن تجد ما تخشاه، وخوف أن يستيقظ صاحبه، وفي بيت آخر يثبت أب برنامجاً خفياً يتعقب به ابنه البالغ حيث ذهب، ويقرأ ما كتب ومع من تكلم، وفي مكتب ثالث يتصفح مدير محادثات موظفيه الخاصة بدعوى حماية مصالح العمل.

مشاهد صارت مألوفة حتى كاد الناس يألفون قبحها، فقد غدا الهاتف في زماننا بيتاً ثانياً للإنسان، بل لعله أخص من بيته؛ ففيه أسراره ومخاوفه، وضعفه الذي لا يطلع عليه أحد، وأحاديثه التي ما قالها إلا لأنه أمن ألا يسمعها غير من قيلت له، وصار السؤال الذي يطرحه كثيرون، بلسان الحال أو المقال: إذا ساورني الشك، أفلا يحق لي أن أقطع الشك باليقين؟

سلسلة تبدأ بخاطرة

يرسم القرآن الكريم لهذا الداء تشريحاً دقيقاً في آية واحدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) (الحجرات: 12).

ولترتيب النهي في الآية دلالة لا تخطئها البصيرة: فالظن أولاً، ثم التجسس، ثم الغيبة، كأنها حلقات سلسلة واحدة، يجر بعضها بعضاً؛ خاطرة سوء تنزل بالقلب، فإذا أكرمها صاحبها وأطال صحبتها استحالت يقيناً موهوماً، ثم يدفعه هذا اليقين الموهوم إلى البحث عما يؤيده، فإذا ظفر بشيء، أو حسب أنه ظفر، انطلق لسانه في عرض أخيه، فالتجسس ابن الظن، وأبو الغيبة، ومن أراد أن ينجو من آخر السلسلة، فليقطعها من أولها.

وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى طبيعة الظن الخادعة فقال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا»(1)، ووصف الظن بأنه «أكذب الحديث» وصف عجيب؛ فالظان لا يكذب على غيره، وإنما يكذب على نفسه، ينسج من نظرة عابرة قصة كاملة، ومن تأخر في الرد خيانة، ومن رقم مجهول علاقة آثمة، ثم يصدق ما نسج كأنه رآه بعينيه.

الهاتف بيت والنظر إليه دخول

جعل الإسلام للبيوت حرمة لا يقتحمها أحد إلا بإذن، وكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن علة ذلك حين رأى رجلاً يطلع من ثقب في باب حجرته، فقال: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ»(2)، فليس الاستئذان رسماً من رسوم الأدب، بل هو حماية لما لا يحب الإنسان أن يقع عليه بصر غيره.

وإذا كانت العلة هي البصر، فإن الحكم يدور معها حيث دارت، وما الهاتف المغلق إلا باب موصد على حياة صاحبها، وما فتحه خلسة إلا نظر من ثقب الباب، وإن تغيرت الأداة وتبدل الزمان، بل لعل التطلع إلى الهاتف أشد من التطلع إلى البيت؛ لأن البيت يكشف ظاهر الحياة، والهاتف يكشف باطنها.

متى يباح الكشف؟

لم يغفل فقهاؤنا عن هذه المسألة، بل حرروها تحريراً دقيقاً يصلح ميزاناً لعصرنا، فقد قسم الإمام الماوردي ما يغلب على الظن من المنكرات المستترة قسمين؛ أولهما: ما كان في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل: أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلاً خلا بامرأة ليزني بها، أو برجل ليقتله، فيجوز له في مثل هذه الحالة أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث، والثاني: ما خرج عن هذا الحد وقصر عن حد هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه(3).

وتأمل الشروط التي يتضمنها هذا التقسيم: خبر من ثقة لا وسوسة نفس، وجريمة جسيمة لا ريبة عابرة، وضرر لا يمكن تداركه إن فات وقته، فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة جاز الكشف دفعاً لفساد أعظم، وإذا تخلف واحد منها بقي الأصل قائماً؛ لا تجسسوا، وأين من هذا الميزان زوجة يقلقها أن زوجها صار يطيل النظر في هاتفه، أو زوج أوجس من ضحكة امرأته في مكالمة؟ تلك هواجس تعالج بالمصارحة والحوار، لا بالتلصص والاقتحام.

وقد حكى الماوردي في الموضع نفسه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على قوم يتعاقرون على شراب، فلما أنكر عليهم قالوا له: قد نهاك الله عن التجسس فتجسست، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال: «هاتان بهاتين»، وانصرف عنهم(4)، وأياً ما كان أمر هذه الرواية، فإن الماوردي أوردها ليقرر أن معصية التجسس لا تجعل صاحبها في موضع المحتسب، ولو وقع على منكر حقيقي.

ما يفسده التجسس

يتوهم المتجسس أنه يحمي بيته أو علاقته أو مؤسسته، وهو في الحقيقة يهدم أعز ما فيها؛ الثقة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ»(5).

وما أصدق هذا في حياة الأزواج خاصة، فالزوج الذي يكتشف أن امرأته فتشت هاتفه لا ينظر إليها بعد ذلك كما كان ينظر، والزوجة التي تعلم أنها مراقبة تفقد الأمان الذي هو روح البيت، فإن لم يجد المتجسس شيئاً، خسر ثقة صاحبه ولم يكسب يقيناً، لأن الشك لا يشبع، ويظل يطلب مزيداً من التفتيش، وإن وجد شيئاً، فقد وصل إليه من طريق محرم، فأفسد على نفسه حجته، وأغلق باباً كان يمكن أن يفتح بالحكمة والإصلاح.

بين الرقابة والتجسس

ولا يعني هذا أن كل اطلاع محرم؛ فبين الرقابة المشروعة والتجسس المذموم فرق دقيق ينبغي أن يحفظ، فالأب الذي يتابع ما يصل إليه طفله الصغير من محتوى، في وضح النهار وبعلم الطفل، يؤدي أمانة الولاية والرعاية، ولا يتجسس، وكذلك المؤسسة التي تراقب أجهزة العمل وفق نظام معلن يعلمه موظفوها، أما ما يجعله تجسساً فهو أن يقع خفية، على بالغ مستقل بأمره، فيما يختص به من شؤونه، بدافع ظن لم يقم عليه دليل، فالمعيار إذن الولاية الحقيقية لا التسلط، والعلانية لا التخفي، والحاجة المقدرة بقدرها لا الفضول الذي لا يشبع.

الستر خلق إلهي

إن الإسلام حين يحرم التجسس لا يحمي المخطئين من الحساب، بل يحمي المجتمع من أن يتحول إلى عيون تراقب وآذان تتنصت، فتموت فيه الثقة، ويعيش كل فرد كأنه متهم ينتظر من يدينه، والمجتمع الذي يستر بعضه على بعض ليس مجتمعاً غافلاً، بل هو مجتمع يدرك أن الإنسان ضعيف، وأن باب التوبة مفتوح، وأن من الرحمة أن يترك للمخطئ طريق رجوع لا يفضحه فيه أحد.

ولعل أجمل ما نختم به أن الله جل جلاله، وهو المطلع على السرائر، يستر على عباده ويمهلهم ويقبل توبتهم، فما بال العبد الضعيف ينصب نفسه رقيباً على ما ستره الله؟

الهوامش
  • 1 أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها (2563)، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي (4/ 1985).
  • 2 أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر (5887)، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير ودار اليمامة، دمشق، ط5، 1414هـ/ 1993م (5/ 2304).
  • 3 الأحكام السلطانية، أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، دار الحديث، القاهرة، د.ت، ص366.
  • 4 المرجع السابق، ص366.
  • 5 أخرجه الإمام أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في النهي عن التجسس (4888)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ومحمد كامل قره بللي، دار الرسالة العالمية، ط1، 1430هـ/ 2009م (7/ 250)، وقال محققه: إسناده صحيح.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة