هل يجوز الدعاء على الظالم؟ ضوابط دعوة المظلوم وفضل العفو
للمظلوم مع
ظالمه حالتان؛ الأولى: العدل بأن يقتص لنفسه بمثل مظلمته إذا قدر، أو أن يدعو على
ظالمه بمقدار مظلمته.
والانتصار من
الظالم بالقصاص أو الدعاء عليه مأذون فيه شرعًا لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ
هُمْ يَنتَصِرُونَ (39} وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا
وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40}
وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41}
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى)، وقوله عز وجل: (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ
الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً) (النساء: 148)، وجاء في تفسير ابن كثير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الآية
يَقُولُ: «لَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا أَنْ
يَكُونَ مَظْلُومًا فَإِنَّهُ قَدْ أُرْخِصَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ
ظَلَمَهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ»(1).
آداب الدعاء على الظالم
1- الدعاء بقدر
المظلمة: فلا يدعو بأكثر مما أصابه، وإلا كان متعديًا، في تفسير السعدي: وقوله: (إِلاَّ مَن ظُلِمَ): فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه ويتشكَّى منه، ويجهر
بالسوء لمن جهر له به، من غير أن يكذب عليه ولا يزيد على مظلمته، ولا يتعدى بشتمه
غير ظالمه(2).
2- ألا يدعو
عليه بالكفر أو الوقوع في الكبائر: جاء في «الموسوعة الفقهية الكويتية»: «لِلْمَظْلُومِ
أَنْ يَدْعُوَ عَلَى ظَالِمِهِ بِقَدْرِ مَا يُوجِبُهُ أَلَمُ ظُلْمِهِ، وَلَا
يَجُوزُ لَهُ الدُّعَاءُ عَلَى مَنْ شَتَمَهُ أَوْ أَخَذَ مَالَهُ بِالْكُفْرِ
لأَنَّهُ فَوْقَ مَا يُوجِبُهُ أَلَمُ الظُّلْمِ، وَلَوْ كَذَبَ ظَالِمٌ عَلَيْهِ
فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ، بَل يَدْعُو اللَّهَ فِيمَنْ
يَفْتَرِي عَلَيْهِ نَظِيرُ افْتِرَائِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ أَفْسَدَ
عَلَيْهِ دِينَهُ فَلَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينُهُ»(3).
3- الاقتصار في
الدعاء على الظالم نفسه، فلا يتعدى إلى أهله وأولاده: وقد أخبر النبي صلى الله
عليه وسلم أن دعوة المظلوم لا ترد، فقال لمُعاذِ بنِ جَبَلٍ حينَ بَعَثَه إلى
اليَمَنِ: «فإيَّاكَ وكَرائِمَ أموالِهم، واتَّقِ دَعوةَ المَظلومِ؛ فإنَّه ليس
بينَه وبينَ اللهِ حِجابٌ»(4).
وقال صلى الله
عليه وسلم: «ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم الصَّائمُ حتَّى يُفطرَ والإمامُ العادلُ
ودعوةُ المظلومِ يرفعُها اللهُ فوق الغمامِ وتُفتَّحُ لها أبوابُ السَّماءِ ويقولُ
الرَّبُّ وعزَّتي لأنصُرنَّك ولو بعد حينٍ»(5).
وقد صح في السُّنة، أنه صلى الله عليه وسلم دَعا ثَلاثينَ صَباحًا على رِعلٍ، وذَكوانَ، وبَني لَحيانَ، وعُصَيَّةَ، الذينَ عَصَوُا اللهَ ورَسولَه صلى الله عليه وسلم(6)، ودعا صلى الله عليه وسلم على رؤساء الشرك وصناديدهم بجوار الكعبة، كما أخبر عبدالله بن مسعود: رَفَعَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأسَه، ثُمَّ قال: «اللهُمَّ عليك بقُرَيشٍ»، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فشَقَّ عليهم إذ دَعا عليهم، قال: وكانوا يَرَونَ أنَّ الدَّعوةَ في ذلك البَلَدِ مُستَجابةٌ، ثُمَّ سَمَّى: «اللهُمَّ عليك بأبي جَهلٍ، وعليك بعُتبةَ بنِ رَبيعةَ، وشيبةَ بنِ رَبيعةَ، والوليدِ بنِ عُتبةَ، وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وعُقبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ..»، وعَدَّ السَّابِعَ فلَم يَحفَظْه، قال: فوالذي نَفسي بيَدِه، لقد رَأيتُ الذينَ عَدَّ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَرعى في القَليبِ؛ قَليبِ «بَدرٍ»(7).
وفي البخاري، أن
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه دعا على ظالمه واستجيب له فيه، فعن جابر بن سمرة: شَكا
أهلُ الكوفةِ سَعدًا إلى عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه، فعَزَلَه، واستَعمَلَ عليهم
عَمَّارًا، فشَكَوا حتَّى ذَكَروا أنَّه لا يُحسِنُ يُصَلِّي، فأرسَلَ إليه، فقال:
يا أبا إسحاقَ، إنَّ هؤلاء يَزعُمونَ أنَّكَ لا تُحسِنُ تُصَلِّي! قال أبو إسحاقَ:
أمَّا أنا واللهِ فإنِّي كُنتُ أُصَلِّي بهِم صَلاةَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه
وسلم ما أخرِمُ عَنها، أُصَلِّي صَلاةَ العِشاءِ، فأركُدُ في الأولَيَينِ وأُخِفُّ
في الأُخرَيَينِ، قال: ذاكَ الظَّنُّ بكَ يا أبا إسحاقَ!
فأرسَلَ معهُ
رَجُلًا أو رِجالًا إلى الكوفةِ، فسَألَ عنه أهلَ الكوفةِ ولَم يَدَعْ مَسجِدًا
إلَّا سَألَ عنه، ويُثنونَ مَعروفًا، حتَّى دَخَلَ مَسجِدًا لبَني عَبسٍ، فقامَ
رَجُلٌ منهم يُقالُ له: أُسامةُ بنُ قَتادةَ يُكنى أبا سَعدةَ، قال: أمَّا إذ
نَشَدتَنا فإنَّ سَعدًا كان لا يَسيرُ بالسَّريَّةِ، ولا يَقسِمُ بالسَّويَّةِ،
ولا يَعدِلُ في القَضيَّةِ، قال سَعدٌ: أما واللهِ لَأدعونَّ بثَلاثٍ: اللهُمَّ إن
كان عَبدُكَ هذا كاذِبًا قامَ رياءً وسُمعةً، فأطِلْ عُمُرَه، وأطِلْ فَقرَه،
وعَرِّضْه بالفِتَنِ، وكان بَعدُ إذا سُئِلَ يقولُ: شيخٌ كَبيرٌ مَفتونٌ، أصابَتني
دَعوةُ سَعدٍ، قال عبدُ المَلِكِ: فأنا رَأيتُه بَعدُ قد سَقَطَ حاجِباه على
عَينَيه مِنَ الكِبَرِ، وإنَّه لَيَتَعَرَّضُ للجَواري في الطُّرُقِ يَغمِزُهنَّ!(8).
ونلاحظ في هذا
الحديث عدالة سعد رضي الله عنه وإنصافه حيث علق دعاءه على ظالمه بكونه كاذبًا،
ودعا بثلاث دعوات مقابل ثلاثة افتراءات.
كما دعا سيدنا
سعيد بن زيد رضي لله عنه على امرأة افترت عليه زورًا، واستجيب له فيها(9).
ومن ادعى أن
الدعاء على الظالم يحزن النبي صلى الله عليه وسلم فقد أعوزه الدليل، بل صرحت
النصوص الثابتة بخلافه.
العفو عن المظلمة
أما الحال
الثانية؛ حال الفضل؛ وهو مقام العفو عن المظلمة وهو فوق العدل دون ريب، ومرغب فيه
ومحبوب عند الله ورسوله؛ لقوله عز وجل: (فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ) (الشورى: 40)،
وقوله: (وَلَمَن صَبَرَ
وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ) (الشورى: 43).
وكان هذا هو
الغالب على حال النبي صلى الله عليه وسلم وعلى سلفنا الصالح؛ من صبر وعفو، بل وفوق
ذلك إحسان إلى المسيء، عملاً بقوله تعالى: (وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ
يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ) (آل عمران: 134)، (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا
السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ {34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا
الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت).
إن الشريعة
الغراء راعت اختلاف الناس في درجات الإيمان ومتانة الأخلاق، فمنهم من لا يقوى على
العفو ولا تطاوعه نفسه إليه، بل تدفعه دفعاً إلى الانتصار بالقصاص أو الدعاء على
الظالم، وفي ذلك تنفيسًا لهمه وغمه وشفاء لغيظه.
ومن الناس من
يقوى على العفو ويستطيعه ولو بكلفة، فهذا شجعته الشريعة على العفو ودفعته إليه
دفعًا بالترغيب والتحبيب.
وهناك من هو فوق ذلك إيماناً وخلقًا، فدعته الشريعة إلى الإحسان إلى المسيء ومقابلة سيئته بالإحسان؛ (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، (وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ) (الأنعام: 132).
الهوامش
- 1 تفسير ابن كثير (2/ 392)، ط العلمية.
- 2 تفسير السعدي (212)، ط الرسالة.
- 3 الموسوعة الفقهية الكويتية (29/ 176).
- 4 صحيح البخاري (1496)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
- 5 سنن الترمذي (3598) واللفظ له، وابن ماجه (1752).
- 6 صحيح البخاري (4091).
- 7 صحيح البخاري (240).
- 8 صحيح البخاري (755).
- 9 صحيح مسلم (1610).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً