عمالة الأطفال.. هل الفقر يبرر سلب الطفولة؟!

عمالة الأطفال.. هل الفقر يبرر سلب الطفولة؟!

تقع الكثير من الأسر في براثن الفقر، فتدفع بأطفالها إلى دوامة العمل منذ الصغر، وسط أخطار جسيمة قد تودي بحياتهم، أو تعرضهم لإصابات وعاهات مستديمة.

ربما تكون الحادثة الأخيرة، التي وقعت قبل أيام، في محافظة الإسماعيلية (شمالي مصر)، وراح ضحيتها 19 طفلاً، وأصيب 30 آخرون، إثر تصادم شاحنتين محملتين بالعمال، هي الأكثر دلالة على خطورة عمالة الأطفال، الذين تحولوا في غمضة عين إلى نعوش.

بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، عن مصدر طبي، فإن معظم الضحايا هم أطفال في سن 13 و14 عاماً، فيما قالت وسائل إعلام مصرية: إن أصغر الضحايا يبلغ 10 سنوات.

عمالة الأطفال عربياً وعالمياً

من مصر إلى اليمن، ومن لبنان إلى العراق، ومن سوريا إلى السودان، تتعدد صور وأشكال عمالة الأطفال، وفق تنوع أسبابها من الفقر، والبطالة، والتفكك الأسري، والحروب والنزاعات؛ ما يدفع بطفل واحد من كل 35 طفلاً في العالم العربي إلى دوام عمالة الأطفال.

تفيد تقديرات الأمم المتحدة بأن نسبة عمالة الأطفال في العالم العربي تصل إلى 3%، وهو ما يعني أن مليوني طفل عربي منخرطون في سوق العمل.

وتنتشر عمالة الأطفال في قارة أفريقيا، إذ يصل عدد الأطفال العاملين فيها إلى 72 مليون طفل، تليها قارة آسيا والمحيط الهادي، بـ62 مليون طفل عامل، بينما يتوزع 11 مليون طفل عامل بين الأمريكيتين، الشمالية والجنوبية، وفي أوروبا وآسيا الوسطى، يبلغ عددهم 6 ملايين طفل عامل.

عالمياً، يعمل ما يقارب من 218 مليون طفل، والعديد منهم بوقت كامل، الأمر الذي يمنعهم من الذهاب إلى المدرسة وليس لديهم أي وقت للعب، وبذلك يحرمون من فرصة أن يكونوا أطفالاً، بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف).

أخطار وتداعيات سلبية

بحسب بيانات أممية، فإن طفلاً من بين 4 أطفال، ممن تتراوح أعمارهم بين 5 سنوات و17 سنة، في البلدان الفقيرة، ملتحق بأعمال تعتبر مضرة بصحته ونموه.

مكمن الخطر لا يتوقف عند العمل في سن صغيرة فحسب، وإنما يتفاقم إزاء عمل الصغار في أعمال البناء والزراعة والمحاجر والمناجم والورش الصناعية وجمع القمامة؛ ما يزيد من حدة الأخطار الصحية التي يتعرضون لها، ويضاعف احتمالات التعرض لأمراض مزمنة.

وتحت ضغط لقمة العيش، قد يعمل الصغير في بعض البلدان لأكثر من 12 ساعة يومياً؛ للمساعدة في توفير احتياجات أسرته، وتأمين بعض المال لتوفير لوازمه من الملبس وغيره.

وهناك أطفال يضحون بطفولتهم، من أجل العمل صيفاً وشتاء، طوال العام، وبالتالي ينقطعون عن الدراسة ولا يذهبون إلى مدارسهم سوى لتأدية الامتحانات النهائية، وقد يكبرون قبل فوات الأوان، فيتحملون مسؤولية الإنفاق على أسرهم منذ الصغر.

أما الأسوأ مصيراً مقارنة بهؤلاء، فهم من يتسربون من التعليم، حيث تقدر أعداهم بنحو 30 مليون طفل خارج المدرسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحسب تقديرات «يونيسف».

خبراء المنظمة الأممية يحذرون من أن انقطاع التعليم للطفل يؤدي إلى تزايد خطر الاستغلال، وعمالة الأطفال، والزواج المبكر، والقلق، والإدمان، وتعاطي المخدرات، وغير ذلك من أشكال سوء المعاملة، كما أن غياب التعليم يهدد نموهم المعرفي والاجتماعي والنفسي.

أسوأ أشكال عمالة الأطفال

يعد أسوأ أشكال عمالة الأطفال حول العالم، ما يعرف بالاتجار بالبشر، والدعارة والاستخدام الجنسي، والعمل لسداد الدَّيْن، واستخدام الأطفال في الحروب والنزاعات المسلحة، وكل أنواع العمل الجبري، كذلك الأعمال التي من شأنها إعاقة تعليمهم أو تمام نموهم، والأعمال التي تهدد الصحة الجسدية والفكرية والمعنوية للأطفال.

إزاء ذلك، تطرح التساؤلات نفسها: هل الفقر يبرر سلب الطفولة؟ من يحمي الطفل من الاستغلال؟ أين تبدأ مسؤولية الأسرة والمجتمع تجاه الطفل العامل؟

يبدو أن الجميع، أفراداً ومسؤولين، أسراً ومجتمعات، أمام تحدٍّ كبير للإجابة عن هذه التساؤلات، ومكافحة عمل الأطفال، والتحرك جدياً لإنهاء هذه الظاهرة التي تغتال الطفولة في مهدها.

ليس كافياً تخصيص يوم عالمي لمكافحة عمل الأطفال، في 12 يونيو من كل عام، وفق أجندة منظمة العمل الدولية، خاصة بعدما تزايدت حوادث الموت، ووقائع الانتحار، وجرائم الاستغلال الجنسي والتجنيد الحربي.

نحن في حاجة إلى قوانين رادعة تجرم عمالة الأطفال، وحزمة تدابير عاجلة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وإجراءات رقابية صارمة لمنع التسرب من التعليم، وحملات توعية وإعلامية بشأن خطورة عمالة الأطفال، التي قد يذهب ضحيتها حوالي 54 مليون طفل منهمكين في أعمال خطيرة، وفق تقديرات منظمة العمل الدولية.

إن المكان الملائم لأطفالنا، في الصغر، أسرهم كمحضن تربوي، والمدارس كمحضن تعليمي، والمسجد كمحضن إيماني، وليس سوق العمل، ضمن آلة رأسمالية بشعة تغتال أطفالنا، نظير أموال محدودة، مقابل جني الملايين.

ليبدأ الاستثمار في أبنائنا، بحمايتهم من خطر الاستغلال والأعمال الخطرة، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، والاستثمار في التعليم الجيد والمجاني، وتعزيز أنظمة الحماية والتدريب، والنهوض بهم تربوياً وتعليمياً وروحانياً، ليصبحوا صناع الغد، وقادة المستقبل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة