العناد الطبيعي عند الأبناء (4)

استقلال الطفل يبدأ بالعناد.. دليل التربية الإيجابية

إن لحظة الاستقلال الأولى ليست حينما يخطو الطفل خطوات بمفرده، ولا حينما ينطق بحروف مقطعة، بل حينما يختار بمفرده، وحينما يَقبل شيئاً ويرفض آخر، ويُجرب بطريقته الخاصة، ويبدأ بمُزاحمة العالم بإرادة صغيرة لكنها بريئة، وحينما يُصَرّح بكلمة «لا»، فالطفل لا يُولد مستقلاً، ولكنه يُولد مُزوداً بشَوْق دفين للاستقلال، سوف يدفعه ذلك ليُبعد يدك برفق في يوم من الأيام ليفعل هو الشيء الذي يريده بدون مساعدة، ثم يدفعها بقوة ليُعزز من احتياجاته للاستقلال، ثم يُعلن ببراءته أن العالم يستحق أن يُكتشف بعقله هو لا بعقل غيره.

استقلال الطفل ليس تمرداً على الأسرة كما يفهمه كثير من الآباء والأمهات، ولا خُروجاً عن الطاعة، بل هو الشرارة الأولى لولادة ذات، واستقلال شخص، وهو العلامة التي تقول: إن وراء هذا الجسد الصغير عقلاً يريد أن يبرز، ورُوحاً تريد أن تنمو، وشخصية تبحث عن جوهرها في الحياة، ونحن حينما نفهم أن الاستقلال حاجة فطرية لا نَزَقاً ولا سُـوء أدب، نبدأ نرى الطفل كما هو، لا نسخة مطبوعة من أي أحد.

فوائد الاستقلال للطفل

الاستقلال يعتبر العمود الفقري الذي تُبنى عليه شخصية الطفل، فالطفل الذي يُسمح له أن يُجرب ويُحاول ويُبدِي رأيه حتى ولو أخطأ، وأن يتخذ القرار الملائم لسِنِّهِ العقلية والزمنية، يكتسب 5 إستراتيجيات تربوية لا تُقدر بأي ثمن، الذي يفقد هذه الإستراتيجيات الخمس يتأثر سلبياً مدى حياته إن لم تلتقطه عناية الله.

1- الثقة بالنفس: لأن الطفل يتعلم أن ينجح بمجهوده وباعتماده على نفسه، بعد فضل الله تعالى.

2- تحمل المسؤولية: فكل قرار يتحمل تبعاته، وكل تجربه تُعلمه أن يكون واعياً لما يختار.

3- قوة الشخصية: فالطفل المستقل وغير الاعتمادي يعرف متى يقول: «نعم» لما يراه صواباً، ومتى يقول: «لا» لما يراه خطأً.

4- مهارات حل المشكلات: لأن الاستقلال يضعه في مواقف تتطلب تفكيراً، لا انتظار الأوامر.

5- احترام الذات: إذ يشعر بأن له بصمة، وله قيمة في أسرته، وله مساحة حقيقية داخل الأسرة.

كيف نُوجه صرخة الاستقلال دون خنقها؟

1- عدم قمع الاستقلالية في مهدها:

للأسف كثير من المُربين يقمعون الاستقلالية عند أبنائهم في المهد، وهذا سلوك سلبي يُهدد شخصية الأبناء، يقول د. مصطفى أبو السعد: «إن الطفل منذ صغره يُبدي استعداداً للاستقلالية؛ ولكن مع الأسف، فإن بعض الآباء يقمعونها وبحُسن نية، فالأم تمنع طفلها الصغير من أن يأكل بمفرده خوفاً على ثيابه من الاتّساخ، وتلبسه ملابسه حتى لا يلبسها بصورة غير صحيحة، ويختار له الأبوان الألعاب والكتب التي تعجبهما من غير أن يسألا عن رأيه، وعندما يعاني الأبناء من مشكلة معينة نرى الآباء يتبعون معهم أسلوب الوعظ والإرشاد أو التأنيب واللوم، أو يلجؤون إلى أن يحلوا بأنفسهم مشكلات أبنائهم.

كل هذه الأساليب تشعر الطفل بالعجز والاتكالية وعدم الثقة بقدراتهم الذاتية على حل مشكلاتهم بأنفسهم؛ لذا من الضروري أن يشجع الآباء والمعلمون والمعلمات الأطفال على الاستقلالية منذ الصغر(1).

2- احتواء الرفض لا مواجهته:

عندما يقول الطفل: «لا»، فليس المطلوب منا أن نرفع صوتنا فوق صوته، بل أن نتحاور معه لنفهمه، فالرفض من الطفل ليس سلاحاً يوجهه ضد والديه، بل هو محاولة بدائية ليقول لهما: «اسمعوني.. افهموني»، وإنما مواجهة هذا الرفض بالرفض تصنع صراعاً، واحتواؤه يصنع علاقة، فالطفل الذي يُستقبل رفضه بالهدوء والحوار يتعلم أن رأيه مسموع، وأن مشاعره محترمة، وأنه قادر على التعبير دون خوف، أما الذي يُقابل بالصراخ والقهر فإنه يتعلم درساً قاسياً، وهو: أن العالم لا يقبل صوته.. فيصمت حينها إلى أن ينفجر.

3- مدح الشجاعة في إبداء الرأي:

جميل أن يتكلم الطفل بوضوح ليعرض رأيه، وجميل جداً أن يطالب بحقه، فالطفل الذي يجرؤ على التعبير عن رأيه واحتياجاته هو طفل حيّ، ذو قلب نابض بالشجاعة، يعرف أن له شخصيته، وذاته المستقلة، وأن كلماته لا تقل في الأهمية عن كلمات من حوله، ولكن هذا الصوت يحتاج مِنَّا أن يُهذَّب لا أن يُخمد، ويحتاج أن يُوجه لا أن يُطفأ.

4- منح مساحة اختيار للطفل محددة وواضحة:

للأسف الشديد، كثيراً ما نجد بعض الآباء والأمهات لا يتركون أي مساحة للطفل يتحرك فيها بإرادته، فكل شيء عندهم بحساب؛ فالكلمة بحساب، والحركة بحساب، ومراقب بكاميرات عينهم الدقيقة، والنقد يستمر لساعات، وحتى اللعب يريدون منه أن يلعب كما يريدون! وهذا والله لأمر عجيب، وعلى النفس شديد!

فالطفل لا يحتاج أن نُطلقه بلا حدود، ولا أن نُضيق عليه حتى يختنق، وإنما يحتاج دائرة لها حدود ويختار هو من داخلها، يشعر فيها بأن له شخصيته، ورأيه، وبأنه قادر، ومسموع، وهذا من حقه علينا لأننا بذلك نساعده في بناء شخصية سوية ومتزنة، وبهذا نتدرج به من التبعية إلى الوعي، ومن العناد إلى الحوار، ومن الفوضى إلى الانضباط.

5- الحوار والتفاوض بدلاً من القمع:

الحوار والتفاوض مع الطفل ليس ضعفاً، بل تربية راقية تُنضج عقله قبل سلوكه، فعندما نختار الكلمة بدلاً من القمع، نحن لا نتخلى عن دورنا ولا عن سُلطتنا، ولكن نُعلم الطفل أن يُعبر عن رأيه دون صراخ، وكيف يختلف دون عدوان، وهذا ما يُقرره لنا هذا الحوار الهادف الواعي، الذي يُعلمنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم قيمة الحوار، وأهميته، والبُعد كل البُعد عن القمع والقهر، مع أن صُلب هذا الحوار ثقيل على النفس، وتجد له صعوبة في عرضه، ومع ذلك يتجلى لنا جمال النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة هذا الحوار.

جاء شابٌ إلى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنى!، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: «ادنه»، فدَنَا منه قريباً، قال: فجلس، قال: «أتحبه لأمك؟»، قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: «ولا الناس يُحبونه لأمهاتهم»، قال: «أفتحبه لابنتك؟»، قال: لا واللَّه، يا رسول اللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: «ولا الناس يُحبونه لبناتهم»، قال: «أفتحبه لأختك؟»، قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: «ولا الناس يُحبونه لأخواتهم»، قال: «أفتحبه لعمتك؟»، قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك، قال: «ولا الناس يُحبونه لعماتهم»، قال: «أفتحبه لخالتك؟»، قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداك، قال: «ولا الناس يُحبونه لخالاتهم»، قال: فوضع يده عليه وقال: «اللَّهمّ اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحَصِّنْ فرْجَه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء»(2).

  • حوار فيه احترام للشاب وتقدير لذاته.
  • حوار ليس فيه توبيخ ولا لوم ولا نقد ولا سُخرية.
  • حوار لا يحمل في طياته التهديد والوعيد.
  • حوار أوله حب ولطف، وآخره دعاء وتلامس.

اقرأ أيضاً:

عندما يقول طفلك: «لا».. بداية بناء الشخصية

5 استراتيجيات للتعامل مع العناد الطبيعي للأبناء

طفلي عنيد! اكتشف لماذا العناد علامة صحة





____________________

(1) كتاب التقدير الذاتي للطفل، ص 26.

(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة