قال اجعلني على خزائن الأرض

خزائن الأرض.. بين الاستخلاف والاستنزاف

د. أحمد طه

09 أبريل 2026

945


ما زلت منذ أن بدأت وردي القرآني اليوم لم أتجاوز طلب يوسف عليه السلام عندما قابل الملك وتكلم معه أن يسند إليه أمر خزائن الأرض ووزارة الثروة المحلية والمالية بمسميات اليوم لوزارات الحكومات والدول في الأرض، وذلك عندما قال تعالى على لسانه: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" (يوسف:55)

وقد دفعني هذا الطلب إلى إعادة قراءة السياق القرآني وتسلسله المعجز في تساؤلات عديدة أفرزتها القريحة بعد عملية التدبر المتأني لكلام الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام، وللقارئ الكريم أن يشاركني في بعض هذه التدبرات القرآنية خاصة أن هذا الموضوع موضع الساعة لما نشاهده من أحداث وحروب أو شكت أن تدخل حيز العالمية - نسأل الله السلامة لأمتنا الإسلامية – سببها الأصلي المعلن وغير المعلن هو هذا الموضوع " خزائن الأرض بين عين المستخلف وعين المستنزف"

إن خزائن الأرض التي وهبها الله تعالى لعباده وجعلها في أرضهم وأخرجها لهم محصت في الحقيقة بين صنفين:

الأول: بين المؤمن المستخلف الذي حمل مشعل التعمير وفهم دوره المنوط به في الاستخلاف والتنمية ورعاية البشر في هذه الخزائن والثروات، فحافظ عليها، ونمّاها وقوى عوائدها بالنفع والتقدم الوطني والحضاري، وأنا هنا أفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم- من وجه  مهم - حين وجه معاذا إلى اليمن حاكما ومعلما وكان من جملة الوصايا النبوية له "فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» بل أتفهم قوله صلى الله عليه وسلم: "َإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" فإذا كانت هذه معطيات المنهج الإسلامي في الأموال المنفقة والكرائم المستودعة في أيديهم فكيف بكنوزهم وثرواتهم المودوعة بأرضهم

الثاني: وبين غيره المستنزف لهذه الخزائن والثروات لحساباته الشخصية ومعادته البشرية وتطلعاته الطبقية والحزبية التي يزيد بها فرقة بين الناس والرعية وتحميلهم عنتا وفقرا وإيلاما، بل وبدل أن تكون هذه الثروات أداة عزة وقوة يستعلى بها تحولت في يد القائمين عليها لمعول ذلة وهدم واستجداء، والحال أبلغ وأوقع من المقال.

ولنرجع إلى التدبرات والتساؤلات – وهي كثيرة - التي راودتني وأنا أقف مع هذه الآية الكريمة:

ما الذي دفع يوسف عليه السلام في ظل أزمة قد تعصف بالبلاد أن يؤول الرؤية المنامية ويعبرها بهذا التفصيل بالحلول العملية مع أنه قابع في السجن مظلوما؟! وهو لا ينتظر من وراء فعله هذا انفرجا سياسيا ولا وعدا قبل تعبير الرؤية بالنظر في قضيته وتسويتها؟!

ثم ألا يخفي عليهم شئيا من تعبيره هذا لعله بهذا يُفَطّن القيادة إليه ويساومهم عليه؟!

لماذا لم يضع مصلحته الشخصية أمام مصلحة البلاد خاصة أنها في الحقيقة ليست بلده ولا هؤلاء قومه؟!

بل لماذا طلب من الملك عندما تكلم معه أن يعينه على خزائن الأرض وثروات البلاد علما بأنه هنا لم يجرب كثيرا في هذا المجال ولم يعرف عنه العقلية الاقتصادية الكبيرة على الأقل في الوسط الحاكم والبلاط القيادي؟!

والتساؤلات كثيرة ودعني أجيب على بعضها بفهمي البسيط لكل هذا لأضع بين يديك نموذجا فريدا في الفكر الاستخلافي اليوسفي:

أولا: إن يوسف عليه السلام يدرك أولا خطورة المرحلة القادمة على الأمة والوطن الذي يعيش فيه ونما وكبر في وديانه وجوانبه، وهذا أمر يجب أن يتناسى معه كل ألم شخصي وظلم حال ليس هذا أوان التوقف أو الترك والتخلي عنه ولا مجال للتشفي فيه.

ثانيا: المصلح المستخلف المتمثل هنا في سيدنا يوسف عليه السلام يقدم الرؤية الكاملة غير الناقصة لما يعصف بالبلاد من واقع المسؤولية الفردية والأخلاقية أمام الله أولا وأمام الناس ثانيا

ثالثا: أن المستخلف يتحرك دائما بمنهجه وأخلاقه يفصل بين وجعه وآلامه وابتلائه وبين وجع والآم الأمة بمجموعها وأفرادها ورعياها فلا مجال هنا لتمييع ولا استحضار لعتاب طويل أو شماتة

رابعا: يوسف عليه السلام يؤكد أن الحلول النظرية وحدها لا تكفي وإنما وجب أن يتصدر وقت الأزمات أهل الحل والعلم والتخصص الذين يطبقون هذه الحلول النظرية إلى واقع عملي وتنفيذ واقعي استراتيجي يقلل الخسائر بل يحولها إلى أرباح

وفي كل هذا وغيره يجب أن نشير إلى عدة مفاهيم في سياق الفكر اليوسفي:

= ثروات البلاد وكنوزها من أهم مقدراتها الوجودية وطاقاتها المستخلفة بل وعلامة قوتها التي يجب أن تودع بيد المستخلفين المصلحين الأقوياء لا المستنزفين المفسدين الضعفاء؛ فعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : " إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ" وعندما تكون هذه ثروة الأمة في أيديهم فإنها تضيع

    القيادة الرشيدة آنذاك في اللقاء اليوسفي إنها قيادة خائفة على الأمة حقيقة وعلى شعبها وعلى ما سيعصف بها لا يهمها إلا وطنها ولا تقمع المصلحين فيها في السجون والمعتقلات بل تخرجهم وتستفيد منهم وتنزلهم منازلهم، وتفسح المجال الإصلاحي لهم

    أن الحلول العملية الناجحة تأتي دائما من الداخل من أفراد الأمة وطينها ومن تشكل بها وهم أولى الناس بأوطانهم وأرضهم في وقت الرخاء والشدة، وفي تقلبات السلم والحرب، كما أنهم أولى الناس بكنوز أرضهم وثروات بلادهم

    أن أي طلب استنصار خارجي ليس ورائه إلا استنزاف هؤلاء لثروات البلاد وخزائن الأرض فهم في حقيقة الأمر يفسدون ولا يصلحون ويستغلون ولا يعطون متقلبون حسب المصلحة ومتواجدون فقط وقت توزيع الغنائم وتقسيم الكنوز

    أن القيادة لم تذهب ولم تنازع حينما اعتمدت الأسلوب النبيل والأمثل ووضعت شعبها وأفراد رعيتها وكنوز أرضها موضعها وقدمتهم على غيرهم وبينت بالتغييرات العملية والوسائل المتاحة أنها مستأمنة وجديرة بموقعها بما انتجته من حلول ورسخته من تغيرات على أرض الواقع

    وأخيرا: لم يكن يوسف لينجز ما أنجزه لولا تكاتف الجهود المحلية وتضافر الطاقات الجماعية والمعايشة الداخلية لما يعصف بالأمة ليخرجها من كبوتها ويعيد لها ريادتها فأصبحت بعد أعوام سلة غذائية ومددا آمنا لمن يعيش حولها ويقصد عقولها المستخلفة.

 

اقرأ أيضا 

قصة يوسف والإعجاز التربوي

يوسف وبئر الحكايات

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (1)

م. شوقي الديري
منذ أسبوع

بسم الله الرحمن الرحيم وأفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد صلّى الله عليه وآله وصحبه أجمعين بارك الله فيكم شيخنا الفاضل د.أحمد وجزاكم الله خير الجزاء ونفع بكم وسدّد على طريق الخير خطاكم


تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة