حين ينتصر الحقّ على القرابة .. قضاء شريح القاضي على ابنه
يُحكى أن ابن شُريح القاضي قال لأبيه: قال لأبيه: إنّ بينى وبين قومٍ خصومة فانْظر فإن كان الحقّ لي خاصمتُهم -أي رفعت الأمر إليك أيها القاضي- وإن لم يكن لي الحقّ لم أُخاصم. فقصّ قصّته عليه فقال له شُريح: انطلقْ فخاصمْهم.
فانطلق إليهم، فخاصمهم، فقضى القاضي شريحٌ على ابنه، فقال له لمّا رجع إلى أهله: والله لو لم أتقدّمْ إليك لم ألُمْكَ، فضحتنى. فقال شريح: يا بُنيّ والله لأنت أحبّ إليّ من ملء الأرض مثلهم، ولكنّ الله هو أعزّ عليّ منك، خشيتُ أن أخبرك أنّ القضاء عليك فتصالحهم فتذهب ببعض حقّهم. (الطبقات الكبرى لابن سعد)
بيان وفوائد:
1. تقديم الحقّ على العاطفة
أظهر شريح أنّ ميزان العدل لا يميل للمشاعر، ولو كانت تجاه الابن، فالحقّ أحقّ أن يُتّبع، وهذا من أعلى مراتب النزاهة.
2. النزاهة في القضاء
القاضي الحقّ لا يُحابِي قريبًا ولا بعيدًا، بل يحكم بما يراه حقًا، وفي ذلك تأكيد على استقلال القضاء وعدالته.
3. تعظيم حقّ الله فوق كلّ شيء
قول شريح: «ولكنّ الله هو أعزّ عليّ منك» يبيّن أنّ مراقبة الله وتقديم أمره فوق كل اعتبار هو أساس الاستقامة.
4. الحذر من التحايل على الحقوق
خشية شريح أن يُخبر ابنه بالحكم مسبقًا فيتصالح على حساب بعض حقوق القوم، فيه تنبيه إلى خطورة إسقاط حقوق الآخرين بالحِيَل.
5. التربية بالفعل لا بالقول فقط
لم يكتفِ شريح بالنصح، بل جعل ابنه يمرّ بالتجربة ليدرك الحقّ بنفسه، وهذا أبلغ في التعليم وأرسخ في النفس.
6. الصدق مع النفس وقبول الحقّ
في موقف الابن درس في أنّ الإنسان قد يظن نفسه على حق، لكن عليه أن يقبل الحكم إذا تبيّن له خلاف ذلك.
7. المسؤولية الأخلاقية للمناصب
المنصب ليس تشريفًا بل تكليف، ومن كان في موقع مسؤولية وجب عليه أن يكون أكثر التزامًا بالعدل.
8. الحكمة في معالجة المواقف
تصرف شريح كان حكيمًا؛ إذ جمع بين العدل والتربية، فلم يظلم القوم، ولم يترك ابنه في وهمه.
10. قبول الألم في سبيل المبدأ
تحمّل شريح ألم إغضاب ابنه في سبيل إحقاق الحقّ، وفي ذلك درس في التضحية من أجل القيم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً