فِقْهُ الْمُبَادَرَةِ عِنْدَ الِاخْتِبَارِ

مَتَى يَكُونُ الصَّمْتُ خُذْلَانًا؟ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ وَنُصْرَةُ الْمَظْلُومِ

د. نصر حسن

09 أغسطس 2026

107

عامر بن عبد قيس ونصرة المظلوم في قصة من سير التابعين

تصوير رمزي لعابد من التابعين يقف لنصرة رجل مظلوم في مشهد يعكس قيم العدل والمسؤولية.

قال الذهبي: قَالَ مَالِكُ بنُ دِينَارٍ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ: «أَنَّ عَامِرًا(1) مَرَّ فِي الرَّحْبَةِ(2)، وَإِذَا رَجُلٌ يُظْلَمُ، فَأَلْقَى رِدَاءهُ، وَقَالَ: لَا أَرَى ذِمَّةَ اللهِ تُخْفَرُ وَأَنَا حَيٌّ، فَاسْتَنْقَذَهُ»(3).

تكشف هذه الرواية عن جانب مهم في شخصية عامر بن عبد قيس؛ ذلك الزاهد الذي قد يظن بعض الناس أن انشغاله بالعبادة جعله بعيدًا عن قضايا الناس، فإذا به يظهر، في لحظة الاختبار، إنسانًا يحمل همَّ العدل كما يحمل همَّ العبادة.

فلم يكن الزهد عنده انسحابًا من المجتمع، ولم تكن الخلوة بالله تعني غياب الشعور بآلام البشر، بل إنَّ العبادة العميقة صنعت فيه حسًّا مرهفًا بحرمة الإنسان وضرورة نصرة الضعيف، وهنا تظهر صورة متكاملة للتدين؛ قلب متعلق بالله، ويد تتحرك لرفع الظلم عن عباده.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ قيمة هذه الرواية لا تقف عند حدود الموقف الذي وقع لعامر بن عبد قيس، وإنما تتجاوز ذلك إلى الكشف عن العلاقة بين صلاح الباطن وفاعلية الإنسان في مجتمعه؛ فكلما استقرت معاني الإيمان في النفس، ظهرت آثارها في السلوك والمعاملة وتحمل المسؤولية.

السكوت عن الظلم.. متى يصبح إيثار السلامة خذلانًا؟

وقعت هذه الحادثة في البصرة في عصر التابعين، وهي مدينة كانت تجمع بين النشاط العلمي والحركة الاجتماعية والاقتصادية الواسعة، وفي البيئات العامة، خصوصًا الأسواق والرحاب، تظهر مواقف تكشف طبيعة المجتمع؛ فحين يقع الظلم أمام الناس يكون الاختبار الحقيقي؛ هل يتحول الحاضرون إلى متفرجين، أم يتحرك فيهم معنى المسؤولية؟ وفي مواجهة هذا الاختبار الاجتماعي، قد يميل كثير من الناس إلى إيثار السلامة، خوفًا من تبعات التدخل أو انتظارًا لمن يبدأ أولًا.

أما عامر بن عبد قيس، فكان يرى أن وجود القدرة على إزالة الظلم يجعل السكوت موقفًا يحتاج إلى مراجعة.

وهذا المعنى ينسجم مع ما قرره القرآن الكريم من أن القيام بالعدل ليس أمرًا ثانويًّا في حياة المؤمن، بل هو من مقتضيات الإيمان، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء: 135)، قال السعدي في تفسيره: ‌يأمر ‌تعالى ‌عباده ‌المؤمنين ‌أن ‌يكونوا (‌قَوَّامِينَ ‌بِالْقِسْطِ ‌شُهَدَاءَ ‌لِلَّهِ) ‌والقوَّام ‌صيغة ‌مبالغة؛ ‌أي: ‌كونوا ‌في ‌كل ‌أحوالكم ‌قائمين ‌بالقسط ‌الذي ‌هو ‌العدل ‌في ‌حقوق ‌الله ‌وحقوق ‌عباده(4)، وبالتالي فإن الأمر بالعدل في الآية لا يقتصر على الإقرار بقيمته، وإنما يقتضي الثبات عليه في مختلف الأحوال، حتى يغدو العدل خلقًا مستقرًّا يظهر أثره حين يشتد الاختبار.

ولم يقف هذا المعنى عند تقرير قيمة العدل في القرآن الكريم، بل أكدت السُّنة النبوية بُعده الاجتماعي، فربطت مسؤولية المسلم بأحوال من حوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ»(5)، قال العلماء: الخذل ترك الإعانة والنصر ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر(6)، وبالتالي فالخذلان هنا يقابل النصرة، وفي ذلك دلالة على أن ترك المظلوم دون إعانة، مع القدرة على نصرته بالوسائل المشروعة، ليس أمرًا محايدًا في ميزان الأخلاق الإسلامية.

وفي هذا السياق، يتجاوز موقف عامر مجرد الاستجابة لحادثة عابرة، ليعبّر عن شعور بالمسؤولية تجاه ما يجري في المجتمع؛ إذ لا يكتمل صلاح الفرد بصلاحه في خلوته، بل يظهر أثره حين تستدعي الحياة موقفًا.

كيف ترتبط نصرة المظلوم بحفظ ذمة الله؟

لم يقل عامر بن عبد قيس: لا أرى رجلًا يُظلم فقط، بل قال: «لا أرى ذمة الله تخفر وأنا حي»؛ وهذه العبارة تكشف عن طريقة نظره إلى الحادثة؛ إذ لم يرها مجرد نزاع بين شخصين، بل رأى فيها انتهاكًا لمعنى أعظم؛ حرمة الإنسان التي جعل الله لها مكانة عظيمة؛ (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70)، فالكرامة الإنسانية في التصور الإسلامي ليست أمرًا ثانويًّا، بل هي من المعاني التي قررها القرآن في شأن الإنسان، وجعلها أساسًا لمعاملة بني آدم بما يصون إنسانيتهم ويحفظ حقوقهم؛ من حفظ النفس والعِرض والمال، ولذلك فإن الاعتداء على هذه الحقوق يُعد خروجًا عن مقتضى هذا التكريم الإلهي.

ولهذا كان الدفاع عن المظلوم عند أهل الإيمان مرتبطًا بمعنى العبادة؛ لأن حفظ الحقوق ومنع الظلم من مقتضيات إقامة العدل الذي أمر الله به؛ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: 90)، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ‌اعْدِلُوا ‌هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)، ‌كما ‌يفعله ‌من ‌لا ‌عدل ‌عنده ‌ولا ‌قسط، ‌بل ‌كما ‌تشهدون ‌لوليكم، ‌فاشهدوا ‌عليه، ‌وكما ‌تشهدون ‌على ‌عدوكم ‌فاشهدوا ‌له، ‌ولو ‌كان ‌كافراً ‌أو ‌مبتدعاً، ‌فإنه ‌يجب ‌العدل ‌فيه، ‌وقبول ‌ما ‌يأتي ‌به ‌من ‌الحق، ‌لأنه ‌حق ‌لا ‌لأنه ‌قاله، ‌ولا ‌يرد ‌الحق ‌لأجل ‌قوله، ‌فإن ‌هذا ‌ظلم ‌للحق.

(‌اعْدِلُوا ‌هُوَ ‌أَقْرَبُ ‌لِلتَّقْوَى)؛ ‌أي: ‌كلما ‌حرصتم ‌على ‌العدل ‌واجتهدتم ‌في ‌العمل ‌به، ‌كان ‌ذلك ‌أقرب ‌لتقوى ‌قلوبكم، ‌فإن ‌تم ‌العدل ‌كملت ‌التقوى(7)، وبناءً على هذا الارتباط بين العدل والتقوى، إذًا العدل هنا لم يُربط بالمحبة، ولا بالقرب، ولا بالمصلحة، وإنما جُعل أقرب إلى التقوى؛ ما يدل على أن المؤمن مطالب بحفظ ميزان العدل حتى في المواطن التي قد تدفعه فيها المشاعر إلى غير ذلك.

وقد تجسد هذا المعنى في مواقف عملية من السيرة النبوية، حيث لم يكن العدل مبدأً نظريًّا فحسب، بل ظهر في التعامل مع الوقائع التي اختلطت فيها الحقوق بالمشاعر والمصالح، فكان الاحتكام إلى الحق هو الأصل الحاكم، ومن ذلك موقف النبي صلى الله عليه وسلم الحازم الذي جعل من الغدر وانتهاك الدماء قضية إيمانية لا تقبل المساومة، وذلك حين قدم المغيرة بن شعبة مسلماً بعد أن غدر بأصحابه في الجاهلية وقتلهم وأخذ أموالهم؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا إِسْلَامُكَ فَنَقْبَلُهُ، وَأَمَّا أَمْوَالُهُمْ فَلَا آخُذُ مِنْهَا شَيْئًا، هَذَا غَدْرٌ، وَلَا خَيْرَ فِي الْغَدْرِ»(8).

وعلى هذا، فإنَّ قول عامر: «لا أرى ذمة الله تخفر وأنا حي» يعكس شعورًا بأن انتهاك حق المظلوم ليس شأنًا خاصًّا بين طرفين، وإنما أمر يمس قيمة شرعية وأخلاقية يجب ألا تُترك بلا إنكار مع القدرة عليه.

كيف تتحول المشاعر القلبية إلى مبادرة لإنقاذ المظلوم؟

تحمل حركة عامر حين «ألقى رداءه» دلالة تصويرية قوية؛ فقد كانت لحظة انتقال من حال العابر إلى حال المبادر.

فالرداء يمثل الهيئة المعتادة والراحة والوقار، وإلقاؤه إشارة إلى الاستعداد للفعل، وفي حياة الإنسان كثير من المواقف التي تحتاج إلى هذا الانتقال؛ من التعاطف الداخلي إلى المبادرة العملية، ومن الإعجاب بالحق إلى القيام بنصرته.

وتتضح هذه النقلة من إدراك المنكر إلى التفاعل معه في موقف عامر بن عبد قيس، وهي دلالة يعضدها الهدي النبوي في مراتب التعامل مع المنكر؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ»(9).

فهذا الحديث ينقل التعامل مع المنكر من دائرة الشعور المجرد إلى دائرة المسؤولية العملية، مع مراعاة القدرة والاستطاعة.

ومن هنا، فإنَّ قيمة موقف عامر بن عبد قيس لا تكمن في مجرد اندفاعه إلى التدخل، وإنما في انتقاله من إدراك الظلم إلى محاولة إزالته، وهذه المبادرة لا تعني الفوضى أو الانفعال، وإنما تعني أن صاحب المبدأ لا يكتفي بتسجيل موقف أخلاقي في قلبه، بل يسعى إلى أثر نافع وفق القدرة والحكمة، فالمطلوب ليس مجرد رفض الظلم شعوريًّا، وإنما تحويل هذا الرفض إلى سلوك رشيد يحقق المقصود منه ولا يفضي إلى ضرر أكبر.

لماذا لا تعني الشجاعة غياب الشعور بالخطر المحدق؟

لا تكمن شجاعة عامر في أنه لم يعرف الخطر؛ فالإنسان بطبيعته يدرك تبعات مواجهة الظلم، وإنما تكمن في أن قيمة الحق كانت عنده أعلى من حسابات الخوف.

وهذه من سمات أصحاب المبادئ؛ فهم لا يخلون من المشاعر البشرية، لكنهم لا يسمحون لها بأن تكون الحاكم الوحيد لقراراتهم، فالخوف قد يكون موجودًا، لكن المسؤولية تكون أقوى.

وهذا المعنى ينسجم مع قول الله تعالى: (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 175)؛ فالآية لا تنفي وجود ما يدعو إلى الخوف من الخلق، وإنما تعيد ترتيب مصدر الخوف في نفس المؤمن، بحيث يكون خوفه من الله مقدمًا على الخوف الذي يحول بينه وبين الحق.

ويظهر هذا المعنى في مواقف القادة والمصلحين؛ فالقرارات الصعبة لا تحتاج إلى أشخاص لا يشعرون بالقلق، بل إلى أشخاص يقدمون القيم الكبرى حين تتعارض مع الراحة الشخصية، ويتجلى ذلك في موقف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عند تحمله مسؤولية الاختيار في الشورى؛ فقد أدرك عِظَم تبعاتها، وما قد يترتب عليها من اعتراض أو أذى، غير أن شعوره بالمسؤولية تجاه الأمة غلب خوفه على نفسه، فلم تكن شجاعته نابعة من غياب إدراك الخطر، وإنما من تقديم الأمانة على السلامة الشخصية، فقال: «والله لأن تُؤخذ مدية، فتُوضع في حلقي، ثم يُنفذ بها إلى الجانب الآخر أحبُّ إليَّ من ذلك»(10)، فكان خوفه من التقصير في الأمانة أعظم من خوفه على سلامته الشخصية.

ومن هنا كانت شجاعة عامر بن عبد قيس شجاعةً أخلاقية قبل أن تكون شجاعةً في مواجهة موقفٍ عابر؛ إذ اختار الفعل حين كان الصمت أيسر، واختار نصرة الحق حين كانت المشاهدة أكثر راحة.

كيف يتحول الزهد إلى قوة دافعة للتغيير الاجتماعي؟

قد يرتبط الزهد في أذهان بعض الناس بالابتعاد عن المجتمع، لكن سيرة عامر تقدم معنى آخر؛ فالزاهد الحقيقي ليس من يهرب من الناس، وإنما من يتحرر من التعلق بما يمنعه من أداء واجبه.

ولهذا جمع عامر بين قيام الليل، والصيام، وتعليم الناس، ونصرة المظلوم، فكلما قوي ارتباط الإنسان بالله، زادت حساسيته تجاه الظلم والضعف والحاجة.

وهذا المعنى تؤيده دلالة العبادة في القرآن الكريم؛ فالصلاة، على سبيل المثال، ليست منفصلة عن السلوك الاجتماعي، قال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: 45)، فإذا كانت الصلاة تنهى صاحبها عن المنكر، فإن أثرها لا ينبغي أن يقف عند إصلاح الفرد لنفسه، بل يمتد إلى موقفه من المنكر حين يراه في محيطه، بحسب قدرته واستطاعته.

وهذا هو المنهج الذي سار عليه السلف الصالح؛ فلم تكن العبادة عندهم انفصالًا عن قضايا الناس، بل كانت زادًا للقيام بالمسؤولية تجاههم، ومن ذلك موقف التابعي كُرز بن وُبرة، الذي جمع بين العبادة والأمر بالمعروف وتحمل تبعاته؛ «فكان إذا خرج، يأمر بالمعروف فيضربونه حتى يغشى عليه»(11)، وهكذا تحولت عبادته إلى قوة تعينه على الصدع بالحق والصبر على أذاه.

وبالتالي، يتضح أن العبادة الصادقة لا تعزل الإنسان عن واجباته، بل تحرره من المؤثرات التي تحول دون أدائها؛ وهو ما تجلى في زهد عامر بن عبد قيس، إذ لم يكن زهدًا سلبيًّا، وإنما تحررًا من أسر الدنيا، مكّنه من تقديم الحق والواجب على المصلحة الشخصية، فالزهد ليس تركًا للحياة، وإنما التحرر من سلطانها على مواقف الإنسان وأحكامه.

أثر التناصر الفردي في حماية المجتمع من العدوان

لم يكن إنقاذ الرجل المظلوم مجرد عمل فردي محدود، بل يحمل أثرًا اجتماعيًّا؛ لأن المجتمعات التي يعلم أفرادها أن الظلم لن يمر بلا مقاومة تصبح أكثر أمنًا واستقرارًا.

فالعدل لا تقوم به المؤسسات وحدها، بل يحتاج إلى ثقافة عامة ترفض الاعتداء وتناصر المظلوم، وهذا لا يعني أن كل فرد يتصرف منفردًا في كل موقف، بل يعني أن المسؤولية الأخلاقية تبدأ من إدراك أن الإنسان جزء من منظومة العدالة في مجتمعه.

وقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2)، فالمجتمع الصالح لا يكتفي بأن يتجنب أفراده الظلم بأنفسهم، وإنما يتعاونون كذلك على البر، ويتناصرون في دفع العدوان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌فِي ‌تَوَادِّهِمْ ‌وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»(12).

ولم يكن هذا المعنى مجرد توجيه نظري، بل تجسّد في مواقف عملية عكست روح التكافل وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع؛ ومن أبرزها ما قام به عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه بماله في تحقيق التكافل الاجتماعي بالمدينة، حتى «كان أهل المدينة عيالاً على عبدالرحمن بن عوف ‌ثلث ‌يقرضهم ‌ماله ‌وثلث ‌يقضي ‌دينهم بماله وثلث يصلهم»(13)، ويكشف هذا الموقف أن المسؤولية الأخلاقية لا تقتصر على تجنب الظلم، بل تمتد إلى المبادرة برعاية حاجات الآخرين وحماية مصالحهم، بما يعزز قيم العدل والتراحم والتكافل داخل المجتمع.

القيادة بالموقف.. حين يصبح السلوك المباشر رسالة بليغة

لم يحتج عامر إلى خطبة طويلة عن نصرة المظلوم، فقد كان موقفه نفسه رسالة، وهذه من أقوى صور القيادة؛ أن تتحول القيم التي يؤمن بها الإنسان إلى سلوك يراه الآخرون، فالقائد المؤثر لا يُعرف فقط بما يقوله عن المبادئ، بل بما يفعله حين تختبره الظروف، إذ تصبح طريقة تعامله مع المواقف الصعبة تعبيرًا عمليًّا عن القيم التي يحملها، ويتضح ذلك في موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي جسّد نبل القيادة وعظمة التسامح حتى في سياق الخصومة، وذلك حين وجد جثمان طلحة بن عبيد الله، حيث «نزل عن دابته وأجلسه ومسح الغبار عن وجهه ولحيته، وهو يترحم عليه، وقال: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة(14).

ومن هنا كان موقف عامر أكثر من مجرد استجابة لحادثة؛ فقد قدم للناس صورة عملية للعدل الذي كان يؤمن به.

وفي المؤسسات اليوم، يظهر هذا المعنى حين يدافع المسؤول عن موظف ضعيف، أو حين يتدخل صاحب القرار لمنع تجاوز واضح، أو حين يجعل العدالة مقدمة على المصالح الشخصية، وفي كل هذه الصور تصبح القيادة ممارسةً للقيم، لا مجرد حديث عنها.

القوة والحكمة في نصرة الحق.. الضوابط والمآلات

مع أن الرواية تظهر شجاعة عامر بن عبد قيس، فإنَّ المنهج الشرعي العام يجمع بين إنكار الظلم وبين مراعاة الحكمة والقدرة والمآلات، فليس كل تدخل يؤدي إلى إزالة الظلم، فقد يفضي التصرف غير المنضبط إلى زيادة الضرر، ولهذا كان فقه النصرة قائمًا على ميزان دقيق؛ قوة في الحق، وحكمة في الأسلوب.

وقد دل حديث النبي صلى الله عليه وسلم في إنكار المنكر على هذا التدرج؛ إذ قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ»(15)، فربط التغيير بالاستطاعة، بما يؤكد أن المسؤولية تقترن بالقدرة، وأن الوسيلة ينبغي أن تكون مشروعة ومحققة للمقصود.

وقد تجلى هذا الميزان في موقف الأحنف بن قيس حين احتكموا إليه في دم، فوازن بين حفظ الحق ومنع اتساع دائرة الضرر، فقال: «أنا أعطيكم ما سألتم، فاسمعوا: إن الله قضى بديةٍ واحدة، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية واحدة، وإن العرب تعاطى بينها ديةً واحدة، وأنتم اليوم تُطالبون، وأخشى أن تكونوا غدًا مطلوبين، فلا ترضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم»، فقالوا: «رُدَّها إلى دية»(16).

ويؤكد هذا أن الحكمة في نصرة الحق ليست تراجعًا عنه، بل اختيار الوسيلة التي تحقق مقصده دون أن تفتح بابًا لظلم جديد؛ فالقوة حين تضبطها البصيرة لا تتحول إلى اندفاع، والحكمة حين تنطلق من التمسك بالحق لا تصبح تراجعًا، وإنما يكتمل بهما الموقف الرشيد الذي يسعى إلى إزالة الظلم مع مراعاة مآلات الأفعال.

أبرز النتائج المستخلصة من موقف عامر بن عبد قيس

  • العبادة الصادقة تدفع إلى تحمّل المسؤولية تجاه الآخرين.
  • الزهد لا يحول دون الحضور في قضايا المجتمع والمشاركة في إصلاحها.
  • - نصرة المظلوم تتطلب الشجاعة، مع مراعاة القدرة والحكمة ومآلات الأفعال.
  • تُختبر حقيقة المبادئ والقيم في المواقف التي تتعارض فيها مع الراحة أو المصلحة الشخصية.
  • العدل واجب لا يتغير بتغير المصلحة أو اختلاف الأشخاص.
  • صلاح الفرد لا يكتمل أثره إلا حين تنعكس عبادته وقيمه على سلوكه ومواقفه تجاه المجتمع.
الهوامش
  • 1 عامر بن عبد قيس.
  • 2 الرَّحبة: الموضع الواسع أو الساحة التي يجتمع فيها الناس، المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية بالقاهرة (1/ 334)، ويُراد بها هنا الساحة العامة التي وقعت فيها الحادثة بالبصرة.
  • 3 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 18).
  • 4 تيسير الكريم الرحمن: السعدي (208).
  • 5 أخرجه مسلم (4/ 1986/ 2564).
  • 6 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: النووي على مسلم (16/ 120).
  • 7 تيسير الكريم الرحمن: السعدي (224).
  • 8 تاريخ الإسلام: الذهبي (2/ 441).
  • 9 أخرجه مسلم (1/ 50/ 49).
  • 10 الطبقات الكبرى: ابن سعد (3/ 99).
  • 11 صفة الصفوة: ابن الجوزي (2/ 70).
  • 12 أخرجه مسلم (4/ 1999/ 2586).
  • 13 تاريخ دمشق: ابن عساكر (35/ 294).
  • 14 أسد الغابة في معرفة الصحابة: ابن الأثير الجزري (3/ 84/ 2627).
  • 15 أخرجه مسلم (1/ 69/ 49).
  • 16 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 93).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة