الهجرة النبوية.. بين بلاغة الحدث وإعجاز البيان القرآني
تطل علينا ذكرى
الهجرة النبوية المباركة في كل عام باعتبارها ميثاقًا متجددًا بين الإيمان والعمل،
وبين الثقة بالله والأخذ بالأسباب، وإذا كان المؤرخون يروون وقائع الهجرة
وأحداثها، فإن القرآن الكريم قد خلدها بأسلوب فريد، لم يقتصر على تسجيل الحدث، بل
صاغه صياغة بيانية جعلت منه مدرسة خالدة في الثبات والتوكل والتمكين.
فالهجرة النبوية
في التصور القرآني ليست مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة، وإنما هي تحوّل
حضاري ونقلة إيمانية كبرى؛ انتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين، ومن ضيق
الواقع إلى سعة الوعد الإلهي.
ولهذا جاءت
الآيات القرآنية المتعلقة بالهجرة زاخرة بالدلالات اللغوية والبلاغية التي تكشف
أبعاد هذا الحدث العظيم، وفي السطور التالية نقف مع بعض هذه الدلالات والإضاءات
اللغوية:
دلالة الهجرة.. حين تتجاوز الكلمة حدود المكان
إذا رجعنا إلى
أصل لفظة "الهجرة" في اللغة وجدناها مشتقة من مادة "هجر"،
التي تدل على الترك والمفارقة والانقطاع، والهجرة في القرآن تحمل هذا المعنى
اللغوي، لكنها تتجاوزه إلى آفاق أوسع؛ فهي هجر للأرض المألوفة حين تعوق الإنسان عن
دينه، وهجر للشرك والباطل، وهجر لكل ما يحول بين العبد وربه.
ومن هنا نفهم
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ
آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى
يُهَاجِرُوا) (الأنفال: 72)، فقد قدّم الإيمان أولًا، ثم علّق تمام الولاية
والهجرة عليه، في صورة بيانية تجمع بين الاعتقاد والعمل، وتؤكد أن الإيمان في تلك
المرحلة لم يكن مجرد قناعة قلبية، بل موقفًا عمليًا يترجم صدقه في الواقع.
آية الغار.. مشاهد من النصر الإلهي
من أبدع ما صوّر
القرآن به الهجرة قوله تعالى: (إِلَّا
تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ
اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ
اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: 40).
يقول أبو حيان:
"إلا تنصروه: فيه انتفاء النصر بأي طريق كان من نفر أو غيره، وجواب الشرط
محذوف تفسيره: فسينصره، ويدل عليه فقد نصره الله؛ أي: ينصره في المستقبل كما نصره
في الماضي" (البحر المحيط، 5/ 420).
ومما يستوقف في
هذه الآية المباركة تكرار "إذ" ثلاث مرات متتابعة: (إذ أخرجه)، (إذ هما
في الغار)، (إذ يقول لصاحبه)، وهذا التكرار ليس حشوًا لفظيًا، وإنما هو انتقال
متدرج بين مشاهد الحدث، حتى يبدو للقارئ وكأنه يشاهد لقطات متتابعة: الإخراج من
مكة، ثم الاحتماء بالغار، ثم الحوار المطمئن في لحظة الخطر.
ومن خصائص
"إذ" أنها تلزم الإضافة إلى جملة؛ إما إلى جملة فعلية فعلها ماض لفظا
ومعنى، وإما اسمية، وإما فعلية فعلها ماض معنى لا لفظًا، وقد ورد الأوجه الثلاثة
في هذه الآية المباركة.
فـ"إذ"
الأولى مضافة إلى الجملة الفعلية "أخرجه الذين كفروا" فعلها ماض لفظا
ومعنى.
والثانية إلى
الجملة الاسمية "هما في الغار".
والثالثة إلى
الجملة الفعلية "يقول لصاحبه..." فعلها مضارع لفظا ماض معنى.
كما يلفت النظر
قوله تعالى: (إذ أخرجه الذين كفروا)، فلم يقل: "هاجر" أو
"خرج"، بل اختار فعل "أخرجه"؛ لما فيه من الإيحاء بالإكراه
والضغط والاضطهاد، ومع ذلك فإن السياق كله ينقلب بعد ذلك ليُظهر أن ما ظنه
المشركون إبعادًا كان في حقيقته تمهيدًا للتمكين، وأنهم كانوا –من حيث لا يشعرون–
ينفذون قدر الله الذي أراد لرسوله أن ينتقل من مكة إلى المدينة ليؤسس دولة
الإسلام.
ثم يأتي التعبير
البليغ: (ثاني اثنين)، ولم يقل: "وهما اثنان"، فصيغة "ثاني
اثنين" لا تدل على العدد فحسب، بل توحي بخصوصية الصحبة وشرفها، وتبرز صورة
القلة المؤمنة في مواجهة الكثرة المعادية، لتقرر أن ميزان القوة الحقيقي ليس في
العدد وإنما في معية الله تعالى.
أما قوله: (في
الغار) دون تسمية المكان، ففيه صرفٌ للأنظار عن الجغرافيا إلى المعنى، وعن المكان
إلى الرسالة؛ فكأن الغار لم يكتسب شرفه من ذاته، وإنما من الحدث الذي جرى فيه، حتى
صار مجرد ذكره كافيًا لاستحضار تلك اللحظات الخالدة.
ومن أروع ما في
الآية قوله صلى الله عليه وسلم لصاحبه: (لا تحزن إن الله معنا)، وقد اختير الحزن
دون الخوف؛ لأن الخوف يتعلق غالبًا بما يُتوقع وقوعه مستقبلًا، أما الحزن فيرتبط
بما يعتصر القلب من همٍّ وقلق على المصير، وكأن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن
خائفًا على نفسه، وإنما كان مشفقًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مستقبل
الدعوة، فجاءت هذه الكلمات القليلة لتبثَّ في قلبه من الطمأنينة ما لا تبلغه الخطب
الطويلة.
ويتجلى جمال
التعبير أيضًا في قوله: (إن الله معنا)، إذ لم يقل: "إن الله معي"، بل
جمع نفسه وصاحبه في معية واحدة؛ ليشملهما معًا لطف الله وعنايته، وليتحول هذا
التعبير إلى رسالة خالدة لكل مؤمن يواجه الشدائد.
ثم تأتي نتيجة
تلك المعية: (فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا) (التوبة: 40)، فالسكينة هي الطمأنينة التي يفيضها الله على عباده عند
اشتداد الكرب، ولذلك كانت أول مظاهر النصر في الغار نصرًا نفسيًا قبل أن يكون
نصرًا ماديًا؛ إذ إن المعارك الكبرى تُحسم في القلوب قبل أن تُحسم في الميادين.
ومن اللطائف
البيانية الأخرى في هذه الآية الكريمة مجيء "وكلمةُ الله هي العليا"
بالرفع وليس النصب؛ حتى لا تكون معطوفة على ما قبلها وهو قوله تعالى "وجعل
كلمة الذين كفروا السفلى"، ونستعير تعليق الطاهر بن عاشور لتوضيح هذا اللطيفة
إذ يقول: "
وجملة وكلمة
الله هي العليا مستأنفة بمنزلة التذييل للكلام لأنه لما أخبر عن كلمة الذين كفروا
بأنها صارت سفلى أفاد أن العلاء انحصر في دين الله وشأنه؛ فضمير الفصل مفيد للقصر،
ولذلك لم تعطف كلمة الله على كلمة الذين كفروا؛ إذ ليس المقصود إفادة جعل كلمة
الله عليا، لما يشعر به الجعل من إحداث الحالة؛ بل إفادة أن العلاء ثابت لها
ومقصور عليها؛ فكانت الجملة كالتذييل لجعل كلمة الذين كفروا سفلى" (التحرير
والتنوير، 10/ 205).
من الغربة إلى التمكين
ولم تنته قصة
الهجرة عند لحظة الخروج، بل ختمها القرآن بوعد العودة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ
الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (القصص: 85).
والتعبير باسم
الفاعل "رادّك" يفيد الثبوت والتحقق، وكأن العودة أصبحت حقيقة مقررة قبل
وقوعها، كما أن لفظ "معاد" أوسع من مجرد الرجوع إلى المكان؛ فهو يوحي
بعودة المنتصر بعد الغربة، والعائد بعد إتمام الرسالة، ولذلك تحقق الوعد الإلهي
بدخول مكة فاتحًا بعد سنوات من الخروج منها مضطرًا.
الهجرة منهج يتجدد في حياة المؤمن
إن الهجرة في
البيان القرآني ليست ذكرى تاريخية فحسب، بل هي منهج متجدد في حياة كل مسلم، فكل
هجرٍ للمعصية إلى الطاعة، ومن الكسل إلى العمل، ومن الضعف إلى القوة، هو صورة من
صور الهجرة التي أرادها القرآن.
لقد علمتنا آيات
الهجرة أن النصر قد يبدأ من غار ضيق، وأن قلة العدد لا تمنع عظمة الأثر، وأن معية
الله إذا حضرت سقطت أمامها كل أسباب الخوف، كما علمتنا أن التضحية في سبيل المبدأ
ليست خسارة، بل بداية طريق التمكين.
وهكذا تبقى
الهجرة النبوية شاهدًا خالدًا على أن الله سبحانه قد يجعل من "الخروج"
بداية أعظم "دخول"، ومن لحظة الاستضعاف نقطة انطلاق نحو التمكين، وذلك
هو بعض سحر البيان القرآني الذي حوّل حادثة تاريخية محدودة الزمان والمكان إلى
رسالة خالدة تتردد معانيها في وجدان الأمة إلى قيام الساعة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً