موت الدلالة اللغوية.. حين يختفي المعنى ويبقى اللفظ

موت الدلالة اللغوية.. حين يختفي المعنى ويبقى اللفظ

ما دفعني لكتابة هذه المقالة البحثية هو أنني سمعت أحد الدعاة يحذر الناس من استخدام كلمة "شاطر"؛ لأن الكلمة في معناها اللغوي تعني الشخص المُتعِب لأهله الخبيث الصعب، ثم راح الداعية يحث الناس على الابتعاد عن مثل هذه اللفظة، واستخدام كلمات أخرى مثل مجتهد ومتفوق وغيرها.

والحقيقة أن كلام الداعية صحيح؛ فعند العودة للمعاجم نجد المعنى نفسه عند ابن منظور، حيث يقول: «وشَطَرَ عن أَهله شُطُوراً وشُطُورَةً وشَطارَةً إِذا نَزَحَ عنهم وتركهم مراغماً أَو مخالفاً وأَعياهم خُبْثاً، والشَّاطِرُ هو الذي أَعيا أَهله ومُؤَدِّبَه خُبْثاً»(1).

إلا أن هذا الكلام يثير قضية شائكة، وهي هل الجماعة اللغوية حينما تستخدم هذه اللفظة تريد المعنى السيئ القديم أم المعنى الجيد الجديد؟

وهل المعنى القديم لا يزال موجودا بالفعل أم أنه مات؟

وهل المعاني تتغير وتتطور فعلا أم لا؟

وهل إذا تغيرت إلى معنى مخالف ومناف تماما للمعنى الأصلي لا نقبل التغيير؟

وللإجابة عن هذا التساؤلات يجب أن ننظر لواقع اللغة، حينها سنجد أن ألفاظا لا حصر لها قد تبدلت وتغيرت، وأن دلالات معينة كانت موجودة قد اختفت، وبالتالي فإن تطور دلالة لفظة "الشاطر"، حتى أصبحت تدل على الشخص الذكي النابه، وهذه الدلالة الجديدة معروفة ومشهورة بين كل الناس، حتى أدرجها المعجم الوسيط ضمن الدلالات والمعاني التي تختص بها لفظة "الشاطر" على النحو التالي: "الشاطرُ : الخبيث الفاجر. والشاطرُ (عند الصُّوفية): السابق المسرع إِلى الله. والشاطرُ: الفَهِمُ المتصرف. والجمع: شُطَّار"ٌ(2).

منبر الداعية ومعاجم اللُّغة.. بداية الإشكال

لعل الدافع الذي جعل هذا الداعية يدعو الناس إلى عدم استخدام لفظة الشطار هو الدافع الديني الذي كان سببا مؤثرا في موت ألفاظ الجاهلية، والابتعاد كذلك عن الكلمات والعبارات التي استخدمتها اليهود نكاية في النبي، مثل قوله سبحانه: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} (النساء: 46)؛ ولذلك جاءت الآية تدعو المؤمنين إلى استخدام لفظة أخرى غير راعنا، فماتت هذه اللفظة من توها؛ لأن دلالتها هي السبب في موتها، ثم أمر الله عباده المؤمنين بما جاء في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة : 104).

وقال أبو العالية: "إن مشركي العرب كانوا إذا حَدَّث بعضهم بعضاً يقول أحدهم لصاحبه: راعني سمعك فنهوا عن ذلك وكذلك قال الضحاك. فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نُهِي المسلمون عن قولها لأن اليهود كانوا يقولونها، وإن كانت من اليهود قبيحة، ومن المسلمين لم تكن قبيحة لما كانت مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وطريقهم إلى بلوغ غرضهم"(3).

هذا وقد أشار العديد من الباحثين إلى موت الألفاظ وبقائها حبيسة الكتب والمصادر، إلا أننا نشير إلى موت الدلالة، ونقصد بها أن دلالة ما من ضمن الدلالات المتعددة للكلمة قد تموت وتختفي أو أن تتبدل دلالة اللفظ تماما، وتموت واحدة وتظهر أخرى، وهذا ما حدث مع لفظة "الشاطر" فإن الكلمة لم تمت؛ ولكن الدلالة القديمة هي التي ماتت وولدت لها دلالة جديدة، وحين ننظر إلى الواقع اللغوي فلن نجد أحد يستخدم لفظ الشاطر في كلامه ويصد به اللص أو الخبيث.

وعليه فإن كلام الداعية من حث الناس على استخدام غيرها لمجرد أن الأصل يراد به الشخص الخبيث، فليس كلامه ذا وجاهة؛ وذلك لأن الدلالة القديمة اختفت وانتهت. وهناك ألفاظ عديدة تغيرت معانيها من السيئ إلى الأفضل مثلما حدث مع الشاطر، ومع ذلك يستخدمها الناس مثل كلمة المرح التي كانت تدل على التكبر والطغيان، مثلما يقول الفيروز آبادي "مَرِحَ: أشِرَ، وبَطِرَ، واخْتَالَ، ونَشِطَ، وتَبَخْترَ"(4)، ثم تحولت الدلالة إلى مجرد مشاعر الفرح والسرور والترويح عن النفس، وهذا هو المعنى المستخدم حاليا بين الناس، وكذلك كلمة اللحن التي كانت تدل على الخطأ ومجانبة الصواب، أصبحت الآن تدل على الموسيقى، والطرب.

ولذا فإن دعوة مقاطعة الكلمة لأن أصل معناها غير مقبول أخلاقيا أمر غير منطقي؛ لأن اللغة تتطور وتتغير بحسب حاجة التعبير ونشاط الاتصال بين الناس، وكل جماعة لغوية قادرة على أن تغير معاني الألفاظ بصورة لا نهائية، وهذا ما يحدث عند نقل المعنى من غرض لآخر أو استعارته؟

بين موت اللفظ وموت الدلالة

قد يكون موت الدلالة هو السبب الرئيس في موت اللفظة، وعدم استخدامها. وقد أشار إلى ذلك ابن فارس في قوله: "ومن الأسماء الّتي كانت فزالت بزوال معانيها قولهم: المرباع، والنّشيطة والفضول"(5)؛ أي لما ماتت الدلالة انتهى وجود اللفظ تماما، وهذا يحدث في ألفاظ لا حصر لها، إلا أن بعض الألفاظ يولد لها معنى جديد.

وهذه العملية من موت الدلالات وتوليد أخرى جديدة هي عملية مستمرة ما دامت الجماعة اللغوية تمارس اللغة، ولعل هذه العملية المتكررة هي التي دفعت ابن جني للاعتقاد بمجازية اللغة، وأنها ليس فيها شيء من الحقيقة، وابن جني يرى أن المجاز عدول عن الحقيقة، بل إنه يرى أن أكثر اللغة مجازا، وأن المجاز لكثرة استعماله أصبح حقيقة، لأنه ذاع وانتشر بين الناس فصار عندهم حقيقة ونسوا موضع المجاز فيه(6).

ومع تكرار هذه العملية هناك دلالات تموت وأخرى جديدة تظهر أو تولد، ويمكن أن نقول إن اللغة في بنيتها العميقة تقوم على فلسفة العدول، إذ إن الانحراف عن المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي يعد عدولا، ثم بعد فترة من الزمن يصبح هذا المعنى المجازي معنىً حقيقيا ثم نفكر بعدها في العدول عن المعنى الحقيقي الذي كان أصلا مجازا، وهذه العملية مستمرة ما دامت البشرية، وما دام الناس يتحدثون ويكتبون.

وفي هذا المعنى يؤكد الدكتور محمد عبدالمطلب أن "تكرار هذا الاستخدام المجازي يتحول بدوره إلى ظاهرة لغوية مألوفة، قد تفقد مع مرور الزمن قدرتها الإيحائية، وقدرتها التأثيرية في نفس متلقيها، كما تفقد قدرتها على إشباع عملية الإبداع، ذلك أن الخاصية الجمالية تفقد الكثير من مقوماتها بتكرار استخدامها."(7). وهنا ندخل في حيز المجازات الميتة، أي أن هذه المجازات لكثرة استخدامها نُسي كونها مجازا وصارت حقيقة، ومثَّل الدكتور عبدالمطلب لهذا، بلفظة (الوغى) التي هي بمعنى الحرب، والأصل فيها أنها اختلاط الصوت في الحرب(8)، فكيف تحولت من مجرد اختلاط الأصوات لتستقر بمعنى الحرب وعملية القتال، وبذلك تقوم اللغة ومن ثم المجاز على قاعدة العدول؟

وهكذا تظل حركة العدول والانزياح مستمرة في تحريك الدلالات وزحزحتها من موضعها الأصلي إلى مواضع أخرى؛ الأمر الذي يؤدي في مرحلة ما إلى موت الدلالة، ومع اختلاف المجتمعات والثقافات تنتج المجازات الجديدة والتشبيهات العقم، وتبقى الفوضى الجمالية قائمة بين ألفاظ اللغة ودلالاتها المختلفة والمتنوعة.

شواهد أخرى من التراث والواقع

من الكلمات الأخرى التي تغيرت دلالتها وانتقلت من حيز إلى حيز آخر تماما كلمة "بلطجي"؛ فهي مشتقة من حاملي البلطة، وكانوا يسيرون في مقدمة الجيوش يمهدون الطريق للجنود من الحشائش والأحراش، وتحولت للدلالة إلى المجرمين أو المعتدين على الناس بغير حق.

وكذلك كلمة الغائط، والتي كانت تدل على المكان المنخفض أو الوادي، وكان الرجل إذا أراد أن يتبرز ارتاد غائطاً من الأرض، فتحولت الدلالة وأصبحت هذه اللفظة تدل على فضلات الإنسان، والعلاقة بين الدلالتين علاقة الحالية.

والشاهد في مثل هذه الألفاظ أن الدلالة القديمة للكلمة قد ماتت في الاستخدام الجمعي للغة؛ فعند دراسة الدلالات دراسة سيسولوجية سنجد أن هذه الدلالات ليس لها حضور في الاستخدام اللغوي للجماعة، وهذا الأمر متكرر في كل زمان ومكان، خاصة في موضوعات ومجالات دلالية بعينها، مثل مجال الجنس، فهذا المجال قد لا نجد فيه شيئا على حقيقته، بل "ويصل الحال إلى التّضييق من دائرة المفردات حتّى لا يتكلّم النّاس إلا تلميحاً أو بالكناية كما يحدث عادة في ألفاظ النّكاح، وهو ما يفسّر كثرتها؛ لأنّ النّاس يلجؤون إلى ترك الكلمة لمجرد ما يتعلق بها ذلك المعنى، وعلى هذا ماتت كثير من الألفاظ في العربيّة، ورصدت المعاجم بعضه  مع أنّه متروك في الاستعمال اللّغويّ الرّاقيّ، والأمثلة على ذلك معروفة"(9).

الهوامش
  • 1 لسان العرب، مادة شطر.
  • 2 المعجم الوسيط، مادة شاطر.
  • 3 اقتضاء الصراط المستقيم، 45، 46.
  • 4 القاموس المحيط، مادة مرح.
  • 5 الصاحبي ص 102.
  • 6 انظر: الخصائص، 2/449.
  • 7 البلاغة والأسلوبية، ص 69.
  • 8 البلاغة والأسلوبية، ص 69.
  • 9 موت الألفاظ في العربية، عبدالرازق الصاعدي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ص 449.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة