معضلة الصداقة في زمن الإنترنت!

د. أحمد عيسى

14 يوليو 2025

1290

معضلة الصداقة في زمن الإنترنت!

صارت الصحبة الصادقة عملة نادرة في زمن الفتن والإنترنت، تشبه التنقيب عن المعادن النفيسة في غابة كثيفة؛ حيث نستخدم التواصل الافتراضي بكثرة، لكن ما تأثير ذلك على فرص بناء صداقات شخصية متينة وآمنة، مهمة لحياتنا وأولادنا وديننا؟

وفقاً لاستطلاع حديث أجري في 140 دولة، يشعر ما يقرب من ربع سكان العالم بوحدة وعزلة اجتماعية شديدة أو شبه شديدة(1)، ذلك رغم أننا نعيش في العصر الرقمي الذي أتاح باقة من أساليب التواصل التي لم تتح للبشرية من قبل، وهذه مفارقة غريبة!

لا يتفاعل الناس بينهم كثيراً وجهاً لوجه، وكأننا أصبحنا مجرد رموز رقمية على صفحاتنا الإلكترونية، وإن كان لنا أصدقاء على الإنترنت فهي صداقة بلا روح أو مخالطة.

وجيل الألفية، أول جيل يترعرع مع الثورة الرقمية والهواتف الذكية ووسائل التواصل، لم يتمكن ربعهم من تسمية صديق واحد، لعدم وجود صديق مقرب في عالمهم الحقيقي، ويشعر ثلثهم بالعزلة والوحدة؛ مما يؤثر على قدرتهم على تكوين وإبقاء الصداقات، وهو شعور يؤدي للاضطراب العاطفي ويرتبط وثيقاً بالاكتئاب(2).

من الأسباب أن منصات التواصل تستغل المستخدم نفسياً لإبقائه ملتصقاً بالشاشة، ويتعرض لانطباع وهمي بالتواصل والشعور بأن الآخرين يعيشون حياة غنية ومتنوعة بشكل لا يُصدق، وهذا يترجم بالشعور بالوحدة في العالم الحقيقي، والآن ينجذب مئات الملايين لصحبة شخصيات الذكاء الاصطناعي الوهمية بحثاً عن بديل للصديق البشري الحقيقي!

صداقات «الواي فاي»!

تتعزز صداقات الشباب بين 13 و17 عاماً في بيئات التواصل، التي تؤدي دوراً حاسماً في تعريف المراهقين بأصدقاء جدد لم يلتقوا بهم، وقد أفاد 64% منهم أنهم التقوا بأصدقاء جدد عبر الإنترنت، وقال 72%: إنهم يقضون وقتاً مع أصدقائهم على وسائل التواصل؛ 23% يفعلون ذلك يومياً، و57% من البنين يلتقون بأصدقاء جدد عبر الإنترنت أثناء اللعب معهم على بُعد(3).

بالإضافة إلى التسبب في انخفاض التواصل البشري، أصبح معلوماً للجميع سلبيات وسائل التواصل عبر الإنترنت، منها مشكلات العلاقات الاجتماعية والزوجية، ومخاوف اختراق الخصوصية والاحتيال، وانتشار المعلومات المضللة، وأكاذيب الذكاء الاصطناعي، والمساهمة في العزلة والقلق والاكتئاب.

كما يُعدّ التنمر الإلكتروني والتحرش والمضايقات، والتعرض لمحتوى غير لائق، من أكبر المخاوف، ويمكن أن تُسبب وسائل التواصل الإدمان؛ ما يؤدي إلى الإفراط في استخدامها وتأثيراته السلبية على النوم والصحة والأداء الأكاديمي.

ويختار الشباب القيام بأشياء لا يفعلونها، لأنهم يريدون الشعور بالانتماء والقبول من مجموعة أصدقائهم، فيجربون أموراً لا يهتمون بها عادة؛ كالتدخين الإلكتروني أو التصرف بسلوكيات غير اجتماعية.

وقد يؤدي ضغط الأقران إلى: تغيير طريقة تفكيرهم ورؤيتهم عن الدين والحياة، وحديثهم وكلماتهم، واختيار نفس الملابس وتسريحة الشعر التي يختارها أصدقاؤهم، والاستماع إلى نفس الموسيقى، ومشاهدة نفس البرامج، والقيام بأشياء محفوفة بالأخطار أو كسر القواعد، والمواعدة أو المشاركة في أنشطة جنسية، والتدخين وتعاطي الكحول والمخدرات!

كمثال؛ أفاد 44% في سن الخامسة عشرة بإنجلترا أنهم عُرض عليهم المخدرات من أقرانهم، واعترف 32% من الشباب بتعاطيهم، وقال معظمهم: إن الحصول عليها سهل جداً(4)!

فيبدأ تعاطي المخدرات مبكراً في المدرسة، والشراء من الإنترنت من الموزع «الرقمي»، فعلى الأسر أن تنتبه لذلك، فآثار المخدرات مدمرة على الأشخاص والأسر والمجتمعات، وصحبة السوء قد تؤدي أيضاً إلى الوقوع في الإلحاد والصداقات المحرمة والشاذة، فقرناء السوء إن هَمَّ صاحبهم بخير منعوه، وإن امتنع عن منكر زينوه، وإن داوم صحبتهم كانت عاقبته الحسرة والندامة، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً {27} يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً {28} لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً) (الفرقان).

حلول

كما يحاول الأمهات والآباء جاهدين من منطلق حبهم لأولادهم اختيار أحسن المدارس، وأنظف الملابس، وألذ الطعام، عليهم التدقيق في اختيار الأولاد لمن يصادقون ويصحبون، وبالإضافة إلى الاستشعار بمراقبة الله، وزرع الإيمان القلبي، والإسلام العملي.

ابنِ في ولدك الثقة لتساعده على مقاومة تأثير الأقران السلبي في أماكن الدراسة والإنترنت، وابنِ العلاقة القوية معه كي يشعر بالحب والقبول والأمان، وأبقِ قنوات التواصل مفتوحة معه كي لا يتردد في التحدث إليك إذا شعر بالضغط لفعل شيء لا يرتاح له، اقترح له طرقاً للرفض وقول: «لا» إذا توجس بأنه مُجبر على فعل شيء لا يريده.

إن الإنسان بطبعه يتأثر بجليسه، وأخلاق خليله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ» (رواه أحمد)، وقِيلَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الرَّجُلُ يُحِبُّ القَوْمَ ولَمَّا يَلْحَقْ بهِمْ؟ قالَ: «المَرْءُ مع مَن أحَبَّ» (رواه البخاري)، فإذا أحب أهل الطاعة كان معهم في الجنة، وإذا أحب أهل المعصية، كان معهم في مصيرهم.

ولقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الجليس المصاحب أثرُه ظاهرٌ، فقال: «إنَّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ، والْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحامِلِ المِسْكِ، ونافِخِ الكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ: إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وإمَّا أنْ تَبْتاعَ منه، وإمَّا أنْ تَجِدَ منه رِيحًا طَيِّبَةً، ونافِخُ الكِيرِ: إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً» (رواه مسلم).

ويقول الله تعالى: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: 67)؛ فالأخلاء المتحابون على الكفر والمعصية، تنقلب محبتهم يوم القيامة عداوة، لأن محبتهم في الدنيا كانت لغير اللّه، والصداقة الزائفة، المبنية على تحصيل المصالح الدنيوية، الحب فيها مصطنع مغشوش، لكن الذين اتقوا الشرك والمعاصي، فإن محبتهم تدوم، بدوام من كانت المحبة لأجله، قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ يقولُ يَومَ القِيامَةِ: أيْنَ المُتَحابُّونَ بجَلالِي؟ اليومَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي، يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي» (رواه مسلم)؛ أي سبب حبهم هو إجلالي وتعظيمي.

الصُّحبة الشاملة

الصداقة الحقة في صحبة من يتوسم فيهم الصلاح من العقيدة السليمة، والعقل الراجح، والتقوى وحسن الخلق، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «لا تصاحبْ إلا مؤمناً..» (رواه الترمذي).

وحقوق الصداقة: في المال بالمواساة، وبالنفس بالإعانة لقضاء حاجاته، وباللسان بمدح محامده، والعفو عن زلاته، والدعاء والوفاء له، والتخفيف عنه وترك التكلف، قال صلى الله عليه وسلم: «خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خيرُهم لصاحبِه..» (رواه ابن حبان)، وصحبة الصالحين جزء من الصحبة الشاملة:

- الصحبة مع الله سبحانه بحسن الأدب، ودوام الطاعة والهيبة، كحديث دعاء السفر: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ..» (رواه مسلم)؛ يَعني تَصحَبُني في سفري، فتسهله عليَّ، فهو سبحانه معنا في سفرنا، لأنه بكل شيء محيط.

- والصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سُنته، ومنهجه، فنحن إخوانه كما في الحديث: «ودِدْتُ أنَّا قدْ رَأَيْنا إخْوانَنا»، قالوا: أوَلَسْنا إخْوانَكَ يا رَسولَ اللهِ؟! قالَ: «أنتُمْ أصْحابِي وإخْوانُنا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ..» (رواه مسلم).

- والصحبة مع أولياء الله المتقين والعلماء العاملين بالاحترام والتوقير والحُرْمة.

- والصحبة مع الأهل بحُسْن الخلق، وجميل العشرة.

- والصحبة مع الإخوان بدوام البشر والانبساط ما لم يكن إثماً.

- والصحبة مع الوالدين بالإحسان إليهما؛ (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) (الإسراء: 23)، (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) (لقمان: 15).

- ومع الأولاد اقتراب وصداقة وتبسط، ونصح وإرشاد، وتربية ومراقبة ووقاية من النار.

لا شك في وجود المعضلات والتحديات أمامنا جميعاً وخاصة الأجيال الجديدة لاكتساب صداقات صادقة، ولكن التعرف على أخطار وسائل الاتصال الإلكترونية، وضغوط القرناء، والتحذير منها، والتحلي برؤية الإسلام عن الصحبة، سينير لنا طريق الحياة الطيبة.

_______________________

(1) Gallup, Almost a Quarter of the World Feels Lonely, 14/10/2023.

(2) YouGov, Millennials are the loneliest generation, 30/7/2019.

(3) Pew Research Center, Teens, Technology and Friendships, 6/8/2015.

(4) Office of National Statistics, Drug misuse in England and Wales: year ending March 2024.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة