قراءة في خواطر الشيخ الشعراوي..
الإسراء والمعراج بين العقل والإيمان
الإسراء
والمعراج معجزة ثبتت بالقرآن والسُّنة في قوله الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى
بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى
الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) (الإسراء: 1)،
وجاء الحديث عن المعراج في قوله سبحانه: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى {13} عِندَ سِدْرَةِ
الْمُنْتَهَى {14} عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى {15} إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا
يَغْشَى {16} مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى {17} لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ
رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم).
وقد فصّلت
الأحاديث النبوية الإسراء والمعراج بروايات صحيحة في البخاري، ومسلم، وفيها فرضت
الصلاة، ورجح العلماء وقوعه في السابع والعشرين من رجب قبل الهجرة بسنة.
ويأتي أهمية عرض
رؤية فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي للإسراء والمعراج بلغة بسيطة وأمثلة معاصرة،
وما يجمع في أسلوبه بين الدليل القرآني والمنطق العقلي وردًا على ما يثار من شبهات
من حين لآخر مما يترك أثرًا بالغًا في ترسيخ الإيمان بهذه المعجزة لدى عامة الناس
في الوطن العربي، وقد جمعت أحاديثه حول موضوعات محددة، ونشرت في كتب، ومنها ما
تناوله في «الإسراء والمعراج»(1).
تأملات الشعراوي في معجزة الإسراء والمعراج
يتطرق الشيخ
الشعراوي في حديثه عن الإسراء والمعراج إلى بعض المعاني اللطيفة التي لا تنتهي لكل
من يعيد النظر فيها، ومن ذلك على سبيل المثال نجده يفسر كلمة «سبحان» في بداية
سورة «الإسراء» بأنها ترد في القرآن الكريم عند ذكر الأشياء العجيبة المعجزة؛ لذلك
حين تسمعها في كلام الله تعالى فلا بد أن تعرف أن هذا تنزيه لله، بأن الفعل الذي
تم لا يقدر على فعله إلا الله، وأن نعرف أن الإسراء والمعراج من فعل الله، وليست
لقوة النبي صلى الله عليه وسلم البشرية، فلا تخضع لقوانين الحياة المادية.
لذلك بدأت
السورة بقوله: ((سُبْحَانَ
الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ)، واستخدم كلمة «عبده» ليلفتنا إلى أن الإسراء
تم بالروح والجسد ولم يكن منامًا، ولكنه رؤيا حقيقة، فكلمة «عبد» لا تطلق إلا عند
التقاء الروح والجسد.
والإسراء
والمعراج تأكيد أهمية العبودية والتذلل لله، وأن لقاء النبي صلى الله عليه وسلم
بالأنبياء كان تكريمًا له، وإظهارًا لعلو منزلته، وصلاته بالأنبياء إمامًا دليل
على وحدة الأنبياء في دعوتهم، وأن النبوة والرسالة قد انقطعت، فلا نبوة بعد النبي
محمد صلى الله عليه وسلم ولا رسالة.
ويوضح سبب
الإسراء إلى بيت المقدس لما له من قدسية مع موسى، وعيسى، عليهما السلام، وأنبياء
بني إسرائيل، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يبعث لقومه العرب فقط؛ بل رسالته
للناس جميعًا، فالإسراء من مكة إلى بيت المقدس أدخل بيت المقدس في مقدسات دينه،
وهي توضح أن دينه مهيمن على تلك المقدسات؛ لأنه صار منتهى مسرى النبي صلى الله
عليه وسلم وبداية معراجه.
إذا أرد الإنسان
أن يخضع كل شيء لعقله، فهو ينكر على نفسه الإيمان؛ لأن الإيمان تصديق بما لا
يُدركه العقل، والعقل السليم لا يُنكر إمكان المعجزة، بل يُسلّم بها إذا ثبتت عن
طريق الوحي؛ فالعقل مجاله الفهم والإدراك والتجريب، بينما الغيبيات مجالها التصديق
فيما لا يدركه العقل، فوجود الشيء مختلف عن إدراكنا، فعدم إدراكنا للأشياء لا ينفي
وجودها، فالوحي إلى رسول غيب لا نراه، لكننا نؤمن به، وما عداه أيسر، والإيمان
بالغيبيات واجب.
والعقل يعجز عن
الإحاطة بالغيب، والإسراء والمعراج معجزة إلهية لا تخضع لمقاييس العقل، فهي معجزة
فوق العقل لا ضده، ولا تُقاس بمقاييسه، فهي خرق للنواميس لإثبات صدق النبوة،
والإيمان والعقل ليسا في صراع، بل في تكامل، فالعقل أداة لفهم ما يمكن إدراكه
بالحواس، والإيمان تصديق بما وراء الحس، بناءً على الثقة في مصدر الوحي، والعقل لا
يُنكر الغيب، بل يقف عند حدوده، ويُسلّم بما جاء به الوحي؛ لأن العقل لا يستطيع أن
يُدرك كل شيء.
مناقشة الشعراوي للشبهات المثارة حول الإسراء والمعراج
1- الإسراء والمعراج رؤية عقلية:
أنكرت قريش حدوث
الإسراء والمعراج، فهم يذهبون إلى بيت المقدس في شهر ويعودون في شهر، فكيف يذهب
محمد صلى الله عليه وسلم ويعود إلى مكة في ليلة واحدة؟!
لقد قدم إنكارهم
للإسراء خدمة كبيرة لنا الآن، فقد فهموا أنه بالروح والجسد، وإلا لو كان منامًا
لما ناقشه فيها أحد، وهذا يرد على من قال: إنه منام؛ لذا طالبوا النبي صلى الله
عليه وسلم بإقامة الدليل على صدقه بأن يصف لهم بيت المقدس، فهم يعرفون معالمه
جيدًا، ويعلمون أنه لم يذهب إليه من قبل؛ فلما وجدوا أن الوصف مطابق لما قال سُقط
في أيديهم.
واليوم يذهب من
يناقش الإسراء والمعراج يتساءل: كيف لجسم أن يطير بسرعة تفوق سرعة الضوء؟! وما
تأثير الجاذبية بالأمواج، وقد تمكن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العروج أن
ينطلق إلى أبعد نقطة في الكون ثم يعود؟!
فيقدم الشيخ
الشعراوي الدليل العقلي من خلال ما ورد في القرآن من معجزات للأنبياء في اختصار
الوقت والمسافات بما حدث مع سيدنا سليمان في قصة بلقيس وعرشها، وكيف نقل عرش بلقيس
من مكانه في اليمن إلى القدس في جزء من الثانية بقدرة الله عز وجل التي أوعدها
لمخلوق من خلقه، فإذا كانت هذه قدرة عبد، فكيف بخالقه؟! وإذا كانت هذه إمكانية
موهوب، فكيف بالواهب سبحانه؟!
وفي عصرنا
الحديث، استطاع الإنسان أن يبتكر ويصنع الصواريخ والطائرات التي تفوق سرعتها سرعة
الصوت؛ فإذا كانت هذه قدرة البشر، فما بالك بقدرة رب البشر؟! فقد خرق الله لنبيه
في الإسراء والمعراج قوانين المسافات والانتقال والصعود إلى السماء والعودة إلى الأرض؛
فالأمر منسوب إلى قوة الله عز وجل التي لا تحيطها عقول البشر، وقانونها: (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا
يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران: 47).
2- لماذا الإسراء معجزة غيبية وليست جهرية؟
يثار تساؤل:
لماذا لم يكن الإسراء نهارًا أمام جميع الناس كما حدث مع معجزات الأنبياء السابقين؟
فالنار لم تحرق إبراهيم عليه السلام، والعصا تحولت إلى حية لموسى عليه السلام، وتم
إحياء الموتى معجزة لعيسى عليه السلام، وكل تلك المعجزات تمت عيانًا أمام الناس..
وهكذا.
وبالرغم من حوث
تلك المعجزات أمام أعينهم، فإنها لم تدفع أقوامهم إلى الإيمان بالله، فقوم موسى،
مثلًا، بعد أن رأوا البحر ينشق ويعبرون ثم يعود كما كان، يطلبون من موسى عليه
السلام أن يجعل لهم أصناماً يعبدونها! وللرسول صلى الله عليه وسلم معجزات حسية
طلبتها منه قريش ليتحققوا من نبوته؛ فحققها الله له مثل انشقاق القمر؛ فكذبوا ولم
يؤمنوا وادعوا أن ذلك سحر!
ويخلص الشعراوي
أن رحلة الإسراء والمعراج أرادها الله سبحانه أن تكون دليلاً إيمانياً؛ لأن رسالة النبي
صلى الله عليه وسلم باقية إلى يوم القيامة، فجعلها غيبًا حتى تكون مدخلًا للإيمان
بها، فالإيمان ليست وسيلته الرؤية، ولكن تصديق القلب والعقل.
3- تواجد الأنبياء ليلة الإسراء:
يثار تساؤل: كيف
لإنسان حي أن يلتقي بأموات ويقيم بهم الصلاة؟ فيوضح الشعراوي ردًا على ذلك أن
اتصال الروح بالجسد له أحوال مختلفة، ولكل حالة منها قوانينها الخاصة التي تنظمها،
فهناك اتصال للروح بالجسد أثناء النوم، وأثناء اليقظة واتصالها بالجسد في البرزخ، ولكل
حالة من هذه الحالات قوانين خاصة تنظمها، واتصال بعد البعث، وهذا هو السبب في أن
حياة البشر في الآخرة تختلف تمامًا عن حياتهم في الدنيا، فقوانين بقاء الإنسان في
الدنيا مختلفة عن الآخرة، ولا يدركها الإنسان بعقله.
4- وصاية موسى على النبي محمد:
عندما التقى النبي
صلى الله عليه وسلم بموسى عليه السلام بعد فرض الصلاة، قال له موسى: «ارجع إلى ربك
واسأله التخفيف»، وتكرر هذا مرارًا حتى صار خمسًا في الأداء وخمسين في الثواب،
فقيل: إنه فرض لوصاية موسى عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وادَّعوا أن
الحديث من «الإسرائيليات»، وهذا غير صحيح، فالوصاية أن تفرض الشيء الذي تريده ولو
قهرًا على صاحبه، وهذ لا ينطبق على تخفيف الصلاة.
ونخلص من ذلك
إلى أن الإسراء والمعراج معجزة، والمعجزات لا يدركها العقل، والآثار الظاهرة في
ثبوتها لا تحتاج إلى تأويل، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل.
_________________
(1) محمد متولي
الشعراوي: المعجزة الكبرى، مؤسسة أخبار اليوم، القاهرة، 1997م.