طه حسين والمتنبي.. حين يلتقي عميد الأدب العربي بشاعر العربية الأكبر!
في قرية هادئة
بجبال الألب الفرنسية، جلس طه حسين يقرأ ديوان المتنبي، ولم تكن القراءة عادية،
ولا كان المتنبي شاعره المفضل، بل صارح القارئ بذلك صراحة تامة حين قال: إن
المتنبي بعيد كل البعد عن أن يبلغ من نفسه منزلة الحب، ومع ذلك كتب فيه كتاباً
كاملاً، وأمضى معه وقتاً طويلاً.
هنا يبدأ
السؤال: لماذا يتعب الإنسان نفسه في دراسة من لا يحب؟ والجواب ربما كامن في تشابه
طبيعة الرجلين، كلاهما يعرف قيمته جيداً ولا يخفيها، وكلاهما أشغل الناس وحيّرهم،
فلعل حسين أراد أن يفهم سر هذا الشاعر الذي سبقه في احتلال قلوب الناس وعقولهم،
ولعله يريد أن يقال عنه كما قيل عن المتنبي من قبل «ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا
وشغل الناس»، وها نحن نقول: «ثم جاء طه حسين فملأ الدنيا وشغل الناس».
النقد الانطباعي
ثمة نوع من
النقد الأدبي يعتمد على الانطباع الشخصي لا على المنهج العلمي، يقرأ الناقد فيه
النص ثم يخبرك بما أحس به وما تركه في نفسه، دون أن يلتزم بقواعد ثابتة أو معايير
موضوعية، وهذا بالضبط ما فعله طه حسين في كتابه عن المتنبي، حتى إنه نفسه اعترف
بذلك صراحة قائلاً: لا أريد أن أدرس المتنبي إذن، فالذين يقرؤون هذه الفصول لا
ينبغي أن يقرؤوها على أنها علم ولا على أنها نقد.
اعتراف صادق،
لكنه يثير تساؤلاً مشروعاً: إذا لم يكن الكتاب علماً ولا نقداً، فما هو إذن؟
الإجابة ربما أنه وثيقة نفسية تكشف طه حسين أكثر مما تكشف المتنبي.
معركة النسب
من أبرز ما توقف
عنده حسين قصيدة المتنبي التي يفخر فيها بنفسه لا بأجداده، ويقول فيها عن نفسه:
جَوْهَرَةٌ
تَفْرَحُ الشِّرَافُ بِهَا
وَغُصَّةٌ لَا تُسِيغُهَا السَّفِلَهْ
ثم يقول بعدها
وَرُبَّمَا
أُشْهِدُ الطَّعَامَ مَعِي مَنْ لَا يُسَاوِي الْخُبْزَ الَّذِي أَكَلَهْ
رأى حسين في هذه
القصيدة دليلاً على أن المتنبي يزدري الناس ويحتقرهم، وهنا تحديداً يمكن الاعتراض
عليه، إذ إن المتنبي لم يصرح بازدراء لأحد، بل على العكس، البيت الذي يقول فيه «وربما
أشهد الطعام معي من لا يساوي الخبز الذي أكله» يدل على أنه هو من يدعو ذلك الشخص
ويجلسه على مائدته، فأي ازدراء هذا؟!
والأجمل أن
العميد نفسه يتراجع في نهاية تحليله ويقر بأن القصيدة ذاتها «تصور فتوة المتنبي
وحسن رأيه في نفسه وقوة إيمانه بها»، فكأنه يصوب سهمه ثم يسحبه قبل أن يصل إلى
هدفه.
المتنبي.. ثائر على التقاليد
ما لم يلتفت
إليه حسين بما يكفي هو أن المتنبي كان يمارس ثورة ثقافية حقيقية حين اختار الفخر
بنفسه لا بأجداده، في عصره كان الشاعر يفخر بقبيلته وأسلافه، فجاء المتنبي وقلب
المعادلة وقال: «لا بقومي شرفت بل شرفوا بي»، وهذا الموقف لم يكن بدعة منه، فقبله
قيل في الحكمة العربية:
إن الفتى من
يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي
في النهاية.. من ربح المعركة؟
يقتضي الإنصاف
أن نقول: إن طه حسين ناقد كبير، وكتابه عن المتنبي فيه لحظات بصيرة نقدية حقيقية،
لكنه في هذا الكتاب بالذات أطلق لأهوائه العنان أكثر مما أمسك بزمام منهجه.
ربما كان
المتنبي هو الرابح في هذه المعركة غير المتكافئة، فكل من حاول النيل منه، سواء
أعداؤه في القرن الرابع الهجري أو عميد الأدب العربي في القرن العشرين، لم يزدد
إلا حضوراً وخلوداً، فما أصدق قوله:
أنام ملء جفوني
عن شواردها ويسهر القوم جراها ويختصموا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً