إعدام الأسرى الفلسطينيين.. الرهان على القضاء «الإسرائيلي» خاسر

د. أمجد بشكار

02 أبريل 2026

995

تثير ردود الفعل المتداولة حول تشريعات الإعدام حالة من الاطمئنان السطحي الذي يتكرر بصيغ مختلفة، أبرزها التعويل على أن المحكمة العليا ستتدخل في نهاية المطاف لإبطال هذه القوانين، هذا الطرح رغم ما يوفره من راحة نفسية لا يستند إلى قراءة قانونية دقيقة، لأنه يعكس ميلاً إلى الهروب من مواجهة واقع أكثر تعقيداً، فالمشكلة لا تكمن في احتمال عدم صحة هذا الافتراض، بل في كونه يدعو إلى الثقة بمؤسسة قضائية أثبتت عبر تاريخها أنها ليست خارج المنظومة، وإنما جزء منها.

الرهان على القضاء «الإسرائيلي» باعتباره صمام أمان يواجه خللاً بنيوياً عميقاً، من يتتبع مسار هذه المؤسسة يلاحظ أنها لم تُظهر نمطاً ثابتاً من التصدي للتشريعات التي تكرّس التمييز البنيوي، بل غالباً ما لجأت إلى تأطيرها قانونياً أو الحد من آثارها دون المساس بجوهرها، هذا النوع من «الضبط الناعم» لا يعني إلغاء الظلم، بل إعادة تنظيمه ضمن حدود مقبولة قانونياً، وهو ما يمنح الانطباع بوجود رقابة قضائية بينما يستمر الأساس نفسه دون تغيير.

شرعنة الاستثناء في ظل ازدواجية القانون

إضافة إلى ذلك، الحديث عن حياد القضاء يصبح إشكالية حقيقية حين نأخذ بعين الاعتبار البنية القانونية المزدوجة التي تحكم العلاقة مع الفلسطينيين، لا يمكن تجاهل وجود نظامين قانونيين منفصلين أحدهما مدني يطبق على «الإسرائيليين»، والآخر عسكري يُفرض على الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، هذا الانقسام لا يترك مجالاً كبيراً للحديث عن مساواة أمام القانون، بل يعكس واقعاً تتحدد فيه الحقوق والضمانات بناءً على الهوية لا على مبادئ العدالة المجردة، وفي ظل هذا الواقع يصبح من الصعب تصور أن مؤسسة تعمل ضمن هذا الإطار قادرة على تقويضه من الداخل.

ما يزيد من تعقيد المشهد التحول الذي برز بوضوح في الفترة الأخيرة، حيث لم يعد دور القضاء يُقدَّم كجهة توازن بين السلطات بقدر ما أصبح أداة لإضفاء الشرعية على سياسات استثنائية، ففي سياقات التوتر والتصعيد تم توسيع هامش الإجراءات التي تمس الحقوق الأساسية سواء فيما يتعلق بالاعتقال أو القيود على الحركة أو غيرها من التدابير، وغالباً ما جرى تمرير هذه الإجراءات تحت مبررات أمنية مع قبول قضائي يمنحها غطاءً قانونياً، بدلاً من مواجهتها بشكل جذري.

في هذا السياق، يبدو التعويل على تدخل المحكمة العليا وكأنه امتداد لفكرة أوسع مفادها أن «إسرائيل» لن تذهب بعيداً في سياساتها خشية تأثير ذلك على صورتها الدولية، غير أن هذا الافتراض لم يعد صلباً كما كان يُعتقد، فالتجربة تشير إلى أن الاعتبارات الدولية لم تعد تشكل عائقاً حقيقياً أمام اتخاذ قرارات مثيرة للجدل، بل أصبحت جزءاً من معادلة تُدار فيها التداعيات بدلاً من تجنبها.

بعبارة أخرى، لم يعد السلوك السياسي قائماً على منطق تفادي الضرر بل على احتواء الضرر، وهذا يعني أن اتخاذ قرارات قد تثير انتقادات دولية لا يُنظر إليه كخط أحمر، بل كخطوة يمكن التعامل مع نتائجها لاحقاً من خلال أدوات دبلوماسية وإعلامية، ضمن هذا الإطار لا يبدو أن السمعة الدولية تشكل عامل ردع فعلي بقدر ما هي عنصر يُؤخذ بالحسبان ضمن إدارة الأزمة لا منعها.

حدود التدخل القضائي.. معالجات شكلية لتمييز بنيوي

من هنا، فإن الافتراض القائل بأن القضاء سيتدخل لإنقاذ الوضع يتجاهل طبيعة العلاقة بين المؤسسات المختلفة داخل الدولة، فالقضاء لا يعمل في فراغ، بل ضمن سياق سياسي وقانوني يؤثر في خياراته وحدود تحركه، وحتى في الحالات التي يتخذ فيها مواقف تبدو معارضة، فإن هذه المواقف غالباً ما تكون جزئية، ولا تمس الأسس التي يقوم عليها النظام.

الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في القوانين الجديدة بحد ذاتها، بل في البيئة التي تنتجها وتتعامل معها، فحين يكون الإطار العام قائماً على تمييز بنيوي، فإن أي معالجة قانونية تظل محكومة بهذا الإطار حتى وإن بدت إصلاحية في ظاهرها، وهذا ما يجعل الرهان على تدخل قضائي حاسم أقرب إلى التمني منه إلى التوقع الواقعي.

علاوة على ذلك، فإن الخطاب الذي يروّج لفكرة «الإنقاذ القضائي» يحمل في طياته أثراً سياسياً غير مباشر يتمثل في تخفيف حدة المعارضة أو تقليل الإحساس بالإلحاح، فعندما يعتقد الناس أن هناك جهة ما ستتدخل في اللحظة الأخيرة، فإن ذلك قد يؤدي إلى تراجع الضغط الشعبي أو السياسي المطلوب لمواجهة هذه القوانين، وهنا يصبح هذا الخطاب حتى لو لم يكن مقصوداً جزءاً من آلية التهدئة لا المواجهة.

كما أن هذا النوع من الخطاب يعيد إنتاج صورة القضاء كجهة مستقلة تماماً عن السياق السياسي، وهي صورة لا تنسجم مع الواقع المعقد الذي تعمل فيه هذه المؤسسة، فالقضاء كغيره من المؤسسات يتأثر بالتحولات السياسية والاجتماعية، ويتفاعل معها بطرق قد تعزز القائم بدل أن تغيّره.

من المهم أيضاً الإشارة إلى أن الاعتماد المفرط على المسار القضائي قد يحجب الحاجة إلى التفكير في أدوات أخرى للمواجهة، سواء كانت سياسية أو قانونية على المستوى الدولي أو حتى مجتمعية، فحصر الأمل في مؤسسة واحدة يضيّق أفق الفعل ويجعل أي إخفاق محتمل أكثر تأثيراً.

في النهاية، لا يمكن اختزال المسألة في سؤال: هل ستلغي المحكمة العليا القانون أم لا؟ السؤال الأعمق يتعلق بطبيعة النظام القانوني والسياسي ككل، وبمدى قدرته أو استعداده لإحداث تغيير جوهري في البنية التي يقوم عليها، وحتى الآن تشير المعطيات إلى أن هذا التغيير إن حدث يكون محدوداً ومقيداً لا جذرياً.

لذلك، فإن التعويل على القضاء كحل نهائي يبدو مضللاً في بعض الأحيان، فالمطلوب قراءة أكثر واقعية للمشهد تأخذ بعين الاعتبار التاريخ والسياق، بدل الاكتفاء بآمال قد لا تجد ما يدعمها على الأرض، وفي ظل هذا الواقع يصبح من الضروري البحث عن مقاربات متعددة تتجاوز فكرة «المنقذ القضائي»، نحو فهم أعمق لكيفية عمل المنظومة برمتها والتعامل معها على هذا الأساس.


اقرأ أيضاً:

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين جريمة ضد الإنسانية


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة