من أبرز الأحداث النبوية في «رجب»

تبوأت الأشهر الحرم مكانة مميزة عن بقية الأشهر القمرية الأخرى، فرفع الله عز وجل شأنها وعظّمها، وذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) (التوبة: 36)

وهذه الأشهر، هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، وشهر الله المحرم، وفي حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجَّة الوداع، فقال في خطبته: «إنَّ الزمانَ قد استدارَ كهَيئتِه يوم خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ؛ السنَة اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم، ورجب مُضر الذي بين جمادى وشعبان» (أخرجه البخاري، ومسلم). 

وقد جعل الله الأشهر الحرم من أحبّ الأيام إليه سبحانه، لذلك اختارها وشرّفها على غيرها، يقول سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن كعب قال: اختار الله الزمان، وأحبّ الزمان إلى الله الأشهر الحرم، وأحبّ الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة، وأحبّ ذي الحجة إلى الله العشر الأُوَل(1).

وقد تمت في الأشهر الحرم في التاريخ الإسلامي عموماً والتاريخ النبوي على وجه الخصوص أحداث عظيمة ساهمت في تغيير وجه التاريخ بالتأسيس للدولة المسلمة، نستعرض في هذا المقال أهم الأحداث التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في «رجب»:

أولاً: الهجرة الأولى إلى الحبشة:

في رجب بالسنة الخامسة للبعثة النبوية، ونتيجة لمضايقات قريش للمؤمنين في مكة، أشار النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وقال لهم: «إن بها ملكاً لا يظلم الناس ببلاده في أرض صدق فتحرزوا عنده يأتكم الله عز وجل بفرج منه، ويجعل لي ولكم مخرجاً»(2)، وذلك حين اشتد البلاء والتعذيب على المسلمين، فصار التعذيب يمثل خطراً وجودياً على الجماعة المسلمة الأولى. 

فخرج من مكة متوجهين إلى الحبشة مجموعة مكونة من 16 مسلماً من السابقين بالإسلام، وكان من بينهم السيدة رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم زوجة الصحابي عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين.

كانت فكرة الهجرة لإنقاذ فكرة الدين الجديد قبل أن تقضي قريش عليه بالقضاء على من يحملونه، وأقاموا بالحبشة عند ملكها العادل إلى أن أتاهم خبر كاذب مفاده إسلام أهل مكة جميعاً، فعادوا ليقعوا في يد قريش ومن ثم توقع عليهم عنفاً غير مسبوق، فيأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم لمعاودة الهجرة، فيخرج في المرة الثانية مائة من الصحابة ويبقوا بها حتى كانت هجرتهم الثانية إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك عقب غزوة «خيبر».

الدروس المستفادة من الهجرة إلى الحبشة

1- تعلم المسلمون أن التضحية للدين بترك البيوت والأموال والأهل والأرض، لا شيء بجانب أهمية الحفاظ على الدين والفكرة الإسلامية.

2- الحفاظ على الأشخاص في بداية التكوين المجتمعي لأي جماعة وليدة هو من الأهمية بمكان حتى ولو بمغادرة المكان للحفاظ على الفكرة ذاتها، وأنه حين يشتد عود ذلك التكوين فيبدأ العمل على نشر الفكرة واستخدام أفرادها لإنجاحها ولو كان بالموت في سبيلها.

3- معرفة القائد لكافة الأحداث التي تدور من حوله، وإلمامه بالعلاقات الخارجية مع الدول المجاورة أو الدول البعيدة، وذلك لإنشاء علاقات جديدة إذا حورب في دياره، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم على دراية كافية لأن يشير على صحابته بالهجرة إلى الحبشة حيث ملكها العادل صاحب الدين السماوي.

4- الدين أغلى من الوطن، والمسلم مطلوب منه أن يهاجر إن شعر أن دينه في خطر، فوطنك، حيث تستطيع أن تقيم دينك بحرية.

5- عالمية هذا الدين، ووجوب خروجه للآفاق لهداية الناس، فهو لا يحده وطن، ولا تستوعبه أرض مغلقة.

 

ثانياً: الإسراء والمعراج:

ومن الأحداث المحورية في الإسلام التي حدثت في فجر الرسالة في رجب من السنة الثانية عشرة للبعثة، وقيل في السنة العاشرة، هي حادثة الإسراء والمعراج، التي أسري فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به من قبة الصخرة إلى السماء السابعة، وذلك في «عام الحزن» بعد وفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وعمه أبو طالب. 

وقد تركت رحلة الإسراء والمعراج دروساً وعبراً للأمة الإسلامية حين عانى النبي صلى الله عليه وسلم من قريش ليسري عنه الله تعالى بتلك الرحلة الفريدة من الأرض إلى السماء، ومن هذه الدروس الجلية:

1- الإسراء كان مقدمة المعراج، بحيث يتم المعراج للسماء من المسجد الأقصى للسماء وليس من المسجد الحرام؛ وذلك ليربط المسلمون بين المسجدين، وليكون «الأقصى» كـ«الحرام» في الأهمية والقدسية.

2- انتقال الريادة الدينية للإسلام، حيث أَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء لنقل المسؤولية للإسلام عن البشرية.

3- أهمية فريضة الصلاة التي فرضت في السماء، بينما فرضت بقية الفروض على الأرض.

4- تبيين أهمية مدينة القدس، يقول النبي صلى الله عليه وسم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (أخرجه أحمد، وأبو داود).

ثالثاً: غزوة «تبوك»:

وفي رجب 9هـ، وقعت أحداث غزوة «تبوك» التي هي من أهم الغزوات التي قادها النبي صلى الله عليه وسلم، وترجع أهميتها كونها قرار النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة ليواجه غير العرب خارج الجزيرة العربية بغزو قيصر، وقد كانت تلك الغزوة اختباراً شديداً لإيمان المسلمين وطاعتهم لنبيهم.

وتعود تسميتها لعين تبوك، ففي صحيح مسلم وقد روى بسنده إلى معاذ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستأتون غداً -إن شاء الله- عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتَّى يضحى النَّهار، فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئاً حتَّى آتي». 

وسميت أيضاً «الفاضحة»؛ لأنها كشفت حقيقة المنافقين وهتكت أستارهم وفضحت أساليبهم الماكرة(3)، وحدثت بالغزوة قصة الثلاثة الذين خلفوا ونزلت فيهم آيات توبة الله عليهم، قال تعالى: (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: 118).

ومن المعجزات التي حدثت بالغزوة(4):

1- الله تعالى يرسل السحاب لدعاء نبيه بالسقيا. 

2- الإخبار بهبوب ريح شديدة والتحذير منها.

3- تكثير ماء عين تبوك والإخبار بما ستكون عليه من خصب.

4- تكثير الطعام.

 

 

 

 

__________________

(1) لطائف المعارف لابن رجب، ص 267.

(2) من كتاب الهجرة إلى الحبشة للدكتور محمد بن فارس الجميل، ص 10.

(3) شرح المواهب اللدنية للزرقاني.

(4) السيرة النبوية للصلابي، ج2، الفصل 17.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة