كيف ورَّطت «تل أبيب» واشنطن في المستنقع الإيراني؟!
في 2 مارس
2026م، سألت صحفية وزير الخارجية الأمريكي: من اتخذ قرار الحرب ضد إيران؛ أمريكا
أم «إسرائيل»، وأضر بالمنطقة كلها؟ فقال: إن «إسرائيل» هي من اتخذت القرار وأصرت
عليه فاضطرت واشنطن لدخول الحرب معها لأن الرد الإيراني كان سيضر قواعدنا!
وفي اليوم
التالي، وقبل دخوله جلسة لتقديم إحاطة لنواب الكونجرس حول الحرب، تراجع الوزير
الأمريكي عما قاله بعدما كشف توريط الصحفية له.
ففي اليوم
التالي لتصريحه، سألته نفس الصحفية: أنت قلت: إن «إسرائيل» صاحبة القرار، ولكن
الرئيس ترمب قال: إنه هو صاحب القرار، فتحداها قائلاً: لو حضرتِ أمس تصريحاتي كنتِ
ستجدين أنني لم أقل ذلك! فأحرجته بقولها: كنت حاضرة، وأنا من سألتك أمس!
هذه الواقعة
تلخص حالة الحرج والتضارب والغضب في أمريكا خصوصاً بين الديمقراطيين وتيار «ماغا»
الداعم لترمب بسبب تفضيل ترمب مصالح «إسرائيل أولاً»، على شعاره الانتخابي «أمريكا
أولاً» وتوريط بلاده في حرب كان هو من يحذر من أمثالها سابقاً.
بل وأصبح الرئيس
ترمب أكثر رئيس للولايات المتحدة في العصر الحديث يصدر أوامر بشن غارات عسكرية،
شملت 7 دول، ومن ضمها إيران ونيجيريا وفنزويلا، بحسب موقع «أكسيوس».
فقد خاض ترمب
الانتخابات بصفته مرشحاً مناهضاً للحرب، ولكن وقع ضحية التأثير «الإسرائيلي» عليه،
الذي دفع محللين أمريكيين للسؤال عما فعله رئيس الوزراء «الإسرائيلي» نتنياهو كي
يورطه في حرب أضرت بالمنطقة العربية كلها والعالم، وقالوا: إنهم ربما هددوه بملفات
فضائح صديقه تاجر جنس القاصرات جيفري إبستين.
انقسامات داخل الحزب الجمهوري
وبسبب توريطه
أمريكا في الهجوم على إيران لخدمة أجندة «إسرائيل» كي تكون الدولة التي تسيطر على
الشرق الأوسط بعد إزالة التهديد الإيراني، هاجم العديد من أنصار ترمب من تيار «ماغا»
(لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) رئيسهم، وتزايدت الانقسامات داخل التيار والحزب
الجمهوري.
ويُقصد بشعار
«أمريكا أولاً»، الذي خاض به ترمب حملته الرئاسية عام 2024م تقديم مصالح الشعب
الأمريكي على القضايا الخارجية، ومعارضة الدخول في حروب جديدة، لكن ما فعله ترمب
جاء ليصب في صالح «إسرائيل أولاً».
وحْل الحرب والانتخابات
بسبب صمود
الإيرانيين نسبياً -رغم الخسائر الرهيبة في عدد قتلى قادتهم والمدنيين وتدمير
مدنهم، وبنية إيران التحتية، وتضرر مناطق تصدير النفط- واستمرار قصفهم «تل أبيب»
وما يقولون: إنه القواعد الأمريكية في الخليج، التي طالت مناطق مدنية، تتوقع
تقديرات غربية أن يضطر ترمب في نهاية المطاف لإيقاف الحرب.
وفق هذه
التقديرات، يبحث ترمب عن مخرج بالفعل ويطلق التصريحات التي تمهد لذلك، مثل قوله:
إنه لم يعد يوجد أهداف لقصفها، خاصة بعد الخسائر العسكرية المعلنة وهي مقتل 11
جندياً أمريكياً وسقوط 5 طائرات (4 طائرات بالخطأ من الدفاعات الجوية الكويتية)،
وتضرر سفن حربية، و17 قاعدة ورادار في الشرق الأوسط.
وأحد أسباب
تراجع ترمب، بخلاف الانقسام داخل تياره «ماغا»، اقتراب موعد الانتخابات النصفية
للكونجرس التي تتوقع كافة الاستطلاعات خسارة حزبه لها.
فلم تحقق الحرب
«الإسرائيلية» الأمريكية على إيران عدداً من خططها وأهدافها المعلنة حتى الآن، وفقاً
للمحلل السياسي في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ناحوم برنياع، كما أن تلهف ترمب لإعلان
النصر غير ممكن، لكن إيران المُنهكة لا تزال تملك أوراقاً رابحة، بحسب صحيفة
«واشنطن بوست»، وقال: بعد أسبوعين على بدء الحرب، «إسرائيل» والولايات المتحدة
أخطأتا في تقدير رد فعل النظام الإيراني و«حزب الله»، فهما صامدان ويردان بإطلاق
النار.
وتاريخياً، يخسر
حزب الرئيس الأمريكي الحاكم في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، وخصوصاً
في حالات الحروب الخارجية، وخاصة عندما تترافق مع ضغوط اقتصادية داخلية مثل تباطؤ
النمو، وارتفاع معدلات التضخم أو البطالة، وهو ما يتوقع أن يناله ترمب وحزبه في
انتخابات نوفمبر التي بدأت بوادرها بخسارتهم في تكساس.
هل نجحت الحرب أم فشلت؟
تشير نتائج
الحرب حتى الآن إلى تحقيق كل طرف مكاسب وخسائر تجعل وقفها معضلة؛ إذ ينتظر كل جانب
نصراً كاملاً يصعب تحققه، والنتيجة: لا غالب ولا مغلوب، وإنما صراع مستمر.
فقد حققت أمريكا
و«إسرائيل» انتصاراً عسكرياً جزئياً، لكنهما خسرا معنوياً، وخسرت إيران ميدانياً
بتدمير مناطق عدة فيها، وبنتيها العسكرية والمدنية، لكنها كسبت صموداً سياسياً،
وبالمقابل يعتبر الخاسر الأكبر اقتصادياً هو العالم ومنطقة الخليج التي تدفع ثمن
حرب ليست حربها.
لذا، يتوقع
المحللون والخبراء نهاية مفتوحة وليس اتفاق سلام واضحاً، ملخصها: لا نصر حاسماً
لأي طرف، ووقف تصعيد تدريجي أو تهدئة غير معلنة، واستمرار «حرب ظل» (ضربات محدودة،
وصراع استخباراتي)، مع بقاء إيران أكثر تشدداً.
فبحسب المجلس
الأطلسي (أتلانتيك كونسل): هي حرب عالية الأخطار دون هدف نهائي واضح، وبالنسبة للمعهد
الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS): هناك إنجازات
عسكرية لكن في ظل غياب إستراتيجية خروج لأمريكا و«إسرائيل» من وحل إيران، أما مركز
الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) فيرى أن الصراع
سيستمر بشكل منخفض الحدة بعد الحرب.
وتشير تقديرات
أمريكا و«إسرائيل» إلى أنهما نجحتا، وأن مؤشرات النجاح هي إبطاء البرنامج النووي
الإيراني وإضعاف بعض أذرع إيران الإقليمية وتعزيز الردع «الإسرائيلي» مؤقتاً.
لكن مؤشرات
الفشل كما يرصدها محللون عديدة، منها: عدم القدرة على إنهاء التهديد الإيراني جذرياً،
وارتفاع تكلفة الحرب اقتصادياً وعسكرياً، وتوسيع دائرة الصراع بدل احتوائه، وزيادة
شعبية إيران داخلياً وإقليمياً باعتبارها مستهدفة.
نجاح تكتيكي وأخطار إستراتيجية
ووفقاً للتقييم
العام في كثير من التحليلات الغربية، يرون أن حصاد الحرب حتى الآن نجاح تكتيكي
قصير المدى، مقابل أخطار إستراتيجية طويلة المدى؛ إذ يمثل استخدام الصواريخ
الإيرانية العنقودية في العمق تحولاً إستراتيجياً في قواعد الاشتباك، وتجاوزاً
لمنظومات الدفاع الجوي؛ ما يضع نظرية الردع أمام اختبار حقيقي.
وهذا التصعيد لا
يستهدف التدمير المادي فحسب، بل يهدف إلى إحداث شلل في الجبهة الداخلية وضرب الثقة
بالمنظومة الأمنية بالكامل وضرب الحالة النفسية للصهاينة، حيث تنتشر فيديوهات لهم
من الملاجئ يصرخون من توقف حياتهم وأعمالهم بسبب مغامرة نتنياهو، وترمب.
فقد حققت
الولايات المتحدة مكاسب تمثلت في تدمير جزء من القدرات الصاروخية والنووية
الإيرانية واستعادة الردع العسكري مؤقتاً، لكنها خسرت ثقة حلفائها في المنطقة
العربية، وخسرت ارتفاع التضخم ومعاناة الأمريكيين بعد ارتفاع سعر النفط، وتأثير
سلبي على النمو؛ أي ربحت عسكرياً وخسرت اقتصادياً جزئياً.
وحققت «إسرائيل»
مكاسب تدمير قرابة 60% من منصات الصواريخ الإيرانية، وتعزيز التفوق العسكري في
المدى القصير، واغتيال قيادات كبيرة، لكنها خسرت تعرضها لضربات صاروخية (قتلى
وآلاف الجرحى) وتهديد الجبهة الداخلية وإغلاق المجال الجوي وخطر استنزاف طويل
الأمد واستمرار التهديد.
وتحرص «إسرائيل»
منذ عقود على ترسيخ ما يُعرف بالتفوق النوعي العسكري؛ أي ضمان تفوقها على جميع دول
المنطقة مجتمعة، عبر التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، والتفوق الجوي، القدرات
الاستخباراتية، ومظلة نووية.
وحاول الصهاينة
تدمير كل قوة عربية أو إسلامية يعتبرونها خطراً عليهم، حتى إنهم يتحدثون عن تركيا
بعد الفراغ من إيران التي تقول «تل أبيب»: إن أي صعود إيراني هو تهديد مباشر
لمكانتها كقوة أولى.
أما إيران،
فحققت مكاسب بقاء النظام وتماسكه، بل وتعزيز قبضة الحرس الثوري، وإثبات القدرة على
تعطيل مضيق هرمز والتأثير على الاقتصاد العالمي، وتحويل الحرب إلى صراع إقليمي
ممتد، لكنها خسرت تدميراً واسعاً للبنية العسكرية والاقتصادية، وخسائر بمليارات
الدولارات في النفط والبنية التحتية، وتراجع القدرات الصاروخية بشكل نسبي.
لذا، يتوقع أن
تخرج إيران من الصراع وقد تضررت قدراتها البرية والجوية والبحرية بشكل كبير، ومع
ذلك لم تظهر قواتها الأمنية أي علامات على الانهيار، أو حدوث انشقاقات واسعة
النطاق، كما أن المعارضة الداخلية غير منظمة وتفتقر إلى الأسلحة، كما خسرت إيران
تعاطف الشعوب العربية، خاصة الشعوب الخليجية، باعتدائها على دول الخليج والأردن.
خسائر عالمية
أما العالم،
فخسائره هي الأهم حيث عمّ الاضطراب الاقتصادي والسياسي العالم بفقدان نحو 20% من
إمدادات الغاز العالمية مؤقتاً، وخسارة 3.2 تريليون دولار من أسواق المال خلال
أيام، واضطراب التجارة والطيران وسلاسل الإمداد، والأهم خسارة الأمن والسلم
الدوليين، وعجز الأمم المتحدة، ونمو ظاهرة البلطجة العالمية.
ورسم تقرير
مشترك بين موقعي «موركور» الألماني و«نيوزويك» الأمريكي 3 سيناريوهات محتملة يجري
تداولها في الولايات المتحدة لكيفية إنهاء الحرب مع إيران، هي: إما نصر سريع، وهذا
بات مستبعداً في ظل صمود إيران، أو حل دبلوماسي، أو صراع إقليمي طويل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً