الباطل يخشى معاذاً ومعوذاً!

كلثوم باسعيد

08 أبريل 2025

341

إن للباطل جولات يكون فيها عاليًا منتصرًا، يستضعف الحقَّ وأهله، ويذيقهم الويلات، يستبيح دماءهم وأعراضهم، ويأكل أموالهم، ويشوِّه سمعتهم، ويهجِّرهم من أوطانهم.

وعندما يطول ذلك يظن أنه لا غالب له، وأنه قادر على فعل أي شيء، وأن الأمر كله بيده، لكن مكر الله بهم، واستدراجه لهم يجعلهم بأنفسهم يلفُّون الحبال التي يشنقون بها أنفسهم حول رقابهم.

وإنه في رَحِم الغيب لتتخلَّق الأجنَّة التي تخرج للنور وتكون هي اليد الحاصدة لرؤوس الجاهلية والباطل والظلم.

وقد كان أبو جهل فرعون هذه الأمة لا يألو جهدًا في الصد عن سبيل الله، وإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والفتك بالمؤمنين، ولو رحنا نعدِّد مواقفه المناوئة للإسلام لخرجت عن الحصر؛ فقد قضى عمره وهو يحاد الله ورسوله، لكن نذكر بعضًا منها لنقف على مدى عداوته وحقده وبغضه.

فقد «مَرّ بِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الصّفَا فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ وَنَالَ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مِنْ الْعَيْبِ لِدِينِهِ وَالتّضْعِيفِ لِأَمْرِهِ»(1)، وَكَانَ إذَا سَمِعَ بِالرّجُلِ قَدْ أَسْلَمَ لَهُ شَرَفٌ وَمَنَعَةٌ أَنّبَهُ وَأَخْزَاهُ وَقَالَ: تَرَكْتَ دِينَ أَبِيك وَهُوَ خَيْرٌ مِنْك؟ لَنُسَفّهَنّ حِلْمَك، وَلَنُفَيّلَنّ رَأْيَك، وَلَنَضَعَنّ شَرَفَك، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا قَالَ: وَاَللّهِ لَنُكَسّدَنّ تِجَارَتَكَ، وَلَنُهْلِكَنّ مَالَك، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ضَرَبَهُ وَأَغْرَى بِهِ(2).

وقد ساقه الله إلى هلاكه بقراراته وغطرسته وازدرائه للمؤمنين؛ فبعد نجاة عير قريش وإفلاتها من قبضة المسلمين بقيادة أبي سفيان نادى في قريش قائلاً: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا، فننحر الجُزُر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها، فامضوا(3).

كل هذه الأفعال لم تمر مرور الكرام عند الله ورسوله والمؤمنين، وكان من حال المؤمنين أن تنافس الجميع على قتله تقرَّبًا إلى الله، وذبًّا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتقامًا لإخوانهم.


قاتلُ أبي جهل الثاني.. معاذ بن عفراء |  مجلة المجتمع الكويتية
قاتلُ أبي جهل الثاني.. معاذ بن عفراء | مجلة المجتمع الكويتية
في زماننا خرج أبو جهلٍ من خلف الستار، وطفق يبذل قص...
www.mugtama.com
×


وقد كان أبو جهل يعلم ذلك، فأخذ حذره، والتف حوله قومه الذين حرسوه، وجعلوه في مَنَعة؛ حتى لا يخلُص إليه أحد من المسلمين، وعندما تراءت الفئتان، وتراصت الصفوف، وقف عبدالرحمن بن عوف فَنَظَر عَنْ يَمِينِه وَشِمَالِه فَإِذَا هو بِغُلاَمَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ حَدِيثَة أَسْنَانُهُمَا، وتَمَنَّى بينه وبين نفسه أَنْ يقف بين رجلين من ذوي البأس والشدة.

وماذا يصنع هذان الغلامان في تلك المعركة حامية الوطيس، ويوشكان أن يكونا وقودًا لتلك المعركة؟ لكن قَطَعه عن تلك الخطرات النفسية سؤال أَحَدهمَا: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ وهل يخفى أبو جهل عن عبدالرحمن بن عوف، لكن ماذا سيفعل هذا الشاب حديث السن مع هذا الجبَّار الذي تقنَّع بالحديد ليحمي نفسه، وأحاط نفسه بالجنود، مع قوته وشدة بأسه؟

فجاءه الجواب القاطع: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لاَ يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا.

فوقع العجب في نفسه من عزيمة هذا الشاب الأنصاري، والعهد الذي قطعه على نفسه تجاه أبي جهل، وزاد عجبه عندما حدَّثه الغلام الآخر حديث الغلام الأول، وإفصاح كل واحد منهما عن هدفه خُفية عن الآخر.

وعندها تملَّك السرور من قبله أن يرى من فتيان المسلمين تلك العزيمة، وبعد أن كان في قلبه شيء من وقوفه بين صغيرين، تبدَّل الأمر وأصبح فخورًا بكونه بينهما، وزال عن خاطره محبة أن يقف بين رجال ذوي أسنان وبأس، ثم جال ببصره في أرض المعركة فرأى أبا جهل وهو يَجُولُ فِي النَّاسِ، فأرشدهما إليه، فانقضا عليه انقضاض الصقر الجارح على فريسته، فلم يُفلت منهما(4).

ويشرح مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ طريقة قتله لأبي جهل فقال: سَمِعْتُ الْقَوْمَ وَهُمْ يَقُولُونَ: أَبُو الْحَكَمِ لَا يُخْلَصُ إلَيْهِ، فَلَمّا سَمِعْتُهَا جَعَلْتُهُ مِنْ شَأْنِي، فَصَمَدْت نَحْوَهُ، فَلَمّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَضَرَبْته ضَرْبَةً أَطَنّتْ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَوَاَللّهِ مَا شَبّهْتهَا حِينَ طَاحَتْ إلّا بِالنّوَاةِ تُطِيحُ مِنْ تَحْتِ مِرْضَخَةِ النّوَى حِينَ يُضْرَبُ بِهَا.

قَالَ: وَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَى عَاتِقِي، فَطَرَح يَدِي، فَتَعَلّقَتْ بِجَلْدَةٍ مِنْ جَنْبِي، وَأَجْهَضَنِي الْقِتَالُ عَنْهُ فَلَقَدْ قَاتَلْتُ عَامّةَ يَوْمِي، وَإِنّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمّا آذَتْنِي وَضَعْتُ عَلَيْهَا قَدَمِي، ثُمّ تَمَطّيْتُ بِهَا عَلَيْهَا حَتّى طَرَحْتُهَا(5).

وقد علَّق الذهبي على هذا بقوله: هذه -والله- الشجاعة، لا كآخر مِن خدشٍ بسهم ينقطع قلبه، وتخور قواه(6).


قاتِلُ أبي جهل.. معاذ بن عمرو بن الجَموح |  مجلة المجتمع الكويتية
قاتِلُ أبي جهل.. معاذ بن عمرو بن الجَموح | مجلة المجتمع الكويتية
في دارٍ من أعظم دور يثرب جمعًا لخلاصة الآدابِ، وته...
www.mugtama.com
×


وإمعانًا في تعذيب أبي جهل، لم يأذن الله بموته مباشرة من ضربة معاذ، بل زاد في إذلاله وتعذيبه بأن مَرّ بِأَبِي جَهْلٍ وَهُوَ عَقِيرٌ مُعَوّذُ بْنُ عَفْرَاءَ، فَضَرَبَهُ حَتّى أَثْبَتَهُ فَتَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ، وَقَاتَلَ مُعَوّذٌ حَتّى قُتِلَ(7).

لم يمت بعْدُ أبو جهل؛ فالإذلال والتعذيب لم ينته بعد، هو في حكم الميت، لكن إرادة الله نافذة ليذوق العذاب في الدنيا قبل الآخرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مهتمًا بمصيره فقَالَ: «مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟».

فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ، فَقَالَ: آنْتَ.. أَبَا جَهْلٍ؛ وَالتَّقْدِير: أَنْتَ الْمَقْتُول يَا أَبَا جَهْل، وَخَاطَبَهُ بِذَلِكَ مُقَرِّعًا لَهُ وَمُتَشَفِّيًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيه بِمَكَّة أَشَدّ الْأَذَى(8).

لكن أبا جهل لم يتركه غروره ولا تكبُّره في حالته المزرية تلك فقال: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ.. فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي(9)؛ أَيْ: لَا عَار عَلَيَّ فِي قَتْلكُمْ إِيَّايَ.

فاشترك في قتله ثلاثة: الشابان المزارعان من الأنصار، وابن مسعود ذلك القرشي الضعيف، وأبى الله أن يقتله الفوارس أمثال حمزة، أو عليّ، أو الزبير.. إلخ.

فمصارع الطغاة تكون على يد الضعفاء إذلالاً لهم، وتعذيبًا ونكالاً، ورؤوس الباطل تتهاوى دائمًا تحت أقدام الشباب الذين لا يؤبه لهم.






____________________

(1) سيرة ابن هشام (1/ 291).

(2) المرجع السابق (1/ 320).

(3) المرجع السابق، (1/ 618-619).

(4) انظر: الحديث الذي أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب: مَنْ لَمْ يُخَمِّسِ الأَسْلاَبَ..، ح(3141)، وفي المغازي، ح(3988).

(5) سيرة ابن هشام (1/ 634-635) باختصار.

(6) سير أعلام النبلاء (1/ 251).

(7) سيرة ابن هشام (1/ 635).

(8) فتح الباري (7/ 295).

(9) أخرجه البخاري في المغازي، ح(4020).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة