بدلاً من إقصائهم بدعوى شغبهم..
رؤية تربوية لاحتواء أطفالنا في المساجد
بالرغم من الدور التربوي للمسجد، والذي لا يقل أهمية عن دور الأسرة
والمدرسة في تهيئة النشء إيمانيًّا وروحيًّا وخُلقيًّا وعلميًّا؛ فإن هناك من
المصلين من يطرد الأطفال من بيوت الله، بل يبادر البعض بتعنيفهم؛ بحجة أنهم
يُخلّون بالنظام، ويشوشون عليهم أثناء الصلاة، ويحتجّ هذا الفريق بالخبر الذي جاء
فيه: «جنّبوا مساجدكم صبيانكم»، وهو حديث لا أصل له، ولا يصح الاستدلال به.
وإذا كان الحفاظ على هدوء بيوت الله وخشوع المصلين مطلباً مشروعاً؛ فإن
التعامل مع الأطفال بهذه الطريقة يعكس خللًا في فهم وظيفة المسجد ودوره في المجتمع
المسلم، كمنارة هدى ومركز تربوي وروحي؛ ما يستلزم تحليل الظاهرة، ومراجعة أبعادها،
ووضع النقاط فوق الحروف؛ لتحقيق التوازن بين هيبة المسجد من ناحية، واحتواء
أطفالنا فيه من ناحية ثانية.
الأطفالُ في مسجد النبي
في الواقع أن الإسلام اعتنى بالأطفال عناية فائقة، وأمر الآباء بتعليمهم
الصلاة منذ الطفولة المبكرة، والمسجد بالطبع هو المكان المناسب لتعليمهم الصلاة
وسائر أصول الدين، ودلّ هدي النبي صلى الله عليه وسلم على جواز اصطحاب الأطفال إلى
المساجد؛ منها: واقعة تخفيفه الصلاة لسماع بكاء الصبي لئلا يشق على أمه، وصلاته صلى
الله عليه وسلم وهو يحمل أمامة بنت العاص، ابنة ابنته زينب، ونزوله صلى الله عليه
وسلم من على المنبر من أجل سبطيه الحسن، والحسين.
بل أطال صلى الله عليه وسلم السجود في إحدى الصلوات حتى ظن المسلمون أنه قد
حدث أمر، أو أنه يُوحَى إليه، لكنه قال صلى الله عليه وسلم: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني
(الحسن أو الحسين) ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته» (رواه النسائي).
ومن هنا أجاز العلماء إحضار الأطفال إلى المساجد؛ حتى يعتادوا الصلاة إذا
بلغوا سبع سنين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع،
واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» (رواه أبو داود)، على أن يتم ذلك
بأسلوب حكيم ومتدرج، يراعي قدسية المسجد واحتواء النشء، بما لا يضر أيهما، ويعود
بالنفع على الجميع.
أسباب الظاهرة
يؤكد خبراء التربية أن شغب الأطفال في المساجد ليس تحديًا أخلاقيًّا من
جانبهم، بل تعبيرًا عن حاجات غير ملبّاة، ولغياب توجيههم تربويًّا، أي أنها –من
المنظور التربوي- ليست مشكلة مزعجة، بل هو سلوك طبيعي لأطفال تلك المرحلة، لكنه
يحتاج إلى معرفة أسبابه، وتسليط الضوء على جذوره النفسية والسلوكية، ومن ثم علاجه،
فيمكن أن يكون الفراغ والطاقة الزائدة أحد أسباب الشغب، والمسجد هنا مكان جاذب
وواسع للركض واللعب من وجهة نظر الطفل، وهو ما يُصنّف في علم نفس الطفولة بـ«صغر
السن وعدم الإدراك»، وقد يكون محاولة من الطفل لجذب الانتباه، فيحاول التفاعل بهذا
السلوك المشاغب، وقد يكون تقليدًا لأطفال آخرين، أو ضغطًا نفسيًّا ناتجًا عن مطالب
فوق طاقته، كأن نطالبه بالجلوس التام من دون حركة.
والواجب هنا أن نتعامل مع المشكلة من منطلق أن الطفولة هي الطفولة،
بمشكلاتها الكثيرة والمتصفة بعفويتها وتلقائيتها، وعلى الكبار أن يتفهموا ذلك، وأن
يتعاملوا مع الأطفال بالرفق واللين وحسن الاحتواء، وعدم المبالغة في تقديس المسجد.
ويشير التربويون وعلماء الطفولة إلى أن وجود نموذج في البيت وتوجيه سليم
إلى السلوكيات المناسبة ضمانة لعدم وجود شغب في المسجد، أو سلوكيات غير منضبطة على
العموم، حتى لو كان الطفل دون مستوى التهيئة المعرفية التي يدرك بها رمزية المسجد
أو قدسيته.
آثار إقصاء الطفل عن المسجد
لا شك أن إقصاء الطفل عن المسجد يمكن أن يؤدي إلى عدد من الآثار السلبية،
على الطفل، وعلى المجتمع أيضًا، فالطفل الذي يُطرد من المسجد، ولو مرة واحدة، ينفر
من بيئة المسجد، ويبتعد عنه لاحقًا، ويفقد الانتماء الديني، والشعور بعدم الارتباط
بالإسلام وشعائره، فضلًا عن تكريس مشاعر الرفض والدونية داخله، إضافة إلى حرمانه
من فرص التعرف على القدوات الصالحة والنماذج الجيدة، وكلُّ هذا يعزز سلوكيات الطفل
السلبية، والأخطر: إهدار فرصة التنشئة الإيمانية المبكرة، دون ترسيخ لقيم خُلقية
أو مبادئ إسلامية.
وعندما يُقصى الطفل عن المسجد يفقد المجتمع أهم الروابط التي تجمع أفراده،
وهي عملية التواصل بين الأجيال، من خلال هذا المحضن الإيماني والتربوي المشترك؛
فتنشأ أجيال غير متماسكة، تفتقر إلى المرجعية الأخلاقية، تعاني تراجعًا كبيرًا في
القيم، ومع الوقت تزداد معدلات الانحراف والتفسُّخات الاجتماعية، ونفقد المسجد
كرافد مهم لتخريج قيادات مستقبلية قوية، قادرة على حمل الرسالة والقيام بدور توعوي.
رؤية تربوية
تهدف هذه الرؤية إلى بناء جيل واعٍ، يربط بين العلم والدين، ويحافظ على
هويته؛ فهذه الرؤية تحمي العلاقة بين الطفل والمسجد، وتعبِّر بشكل عملي عن سعة
الإسلام ورحمة تعاليمه، تنطلق محاور تلك الرؤية من:
- تهيئة بيئة ملائمة للأطفال داخل المسجد: مجهزة بأدوات تعليمية وترفيهية
تناسبهم، مع وجود رقابة لمتابعة سلوكياتهم والحفاظ على سلامتهم.
- تنظيم أنشطة تعليمية: دروس دينية، مسابقات، ورش إبداعية، المشاركة في
صلوات الجماعة وتقييم الأداء.
- تنمية المهارات وتعزيز القيم: مثل العمل الجماعي، حل المعضلات، التعبير
عن الأفكار والمشاعر، بناء الثقة بالذات.
- التدقيق في اختيار الكادر المشرف على هذه الأنشطة: ممن يمتلكون القدرة
على التعامل مع الصغار بحب وصبر، ولديهم الخبرة في التعامل مع أساليب التعليم
الحديثة.
- إيجاد شراكة مع الأسرة والمجتمع: من خلال المتابعة، والورش التوعوية
لأولياء الأمور، والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني لتطوير برامج مشتركة.
توصيات عامة
- لا تطردوا الأطفال من المساجد، بل رغّبوهم فيها، واربطوهم بها؛ فإن الطفل
الذي تطرده من المسجد وهو صغير، هو الذي سوف تترجاه أن يصلي فيه وهو كبير.
- يُستحب تفويض أمر التعامل مع الأطفال لإمام المسجد، على أن يكون حكيمًا
صبورًا، لينًا رفيقًا، يجيد ملاطفتهم وكسب محبتهم.
- على الآباء تهيئة أطفالهم لاحترام المسجد، وإفهامهم مكانته وقدسيته.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً