المنصات الرقمية وتآكل العلاقات الإنسانية
يتفق جميع
المعنيين من علماء التربية والاجتماع على أن النمط الحديث في بناء المدن، القائم
على المجمعات السكنية والشقق الكبيرة والصغيرة المكتظة، قد غيّر طبيعة الحياة
الاجتماعية، وتسبّب في انعزالية كبيرة بين الأسر الساكنة في تلك المجمعات.
وبعد الثورة
الصناعية والغلبة الحضارية الغربية على باقي مناطق العالم، خاصة في دول الجنوب،
جاءت معها النظريات الغربية القائمة على الفردانية والمادية، وبناء العلاقات على
أسس المنفعة وسوء الظن، والتربص بالفوز وسحق الآخر وصرعه، أو الليبرالية في السلوك
والتعامل الاجتماعي؛ فانضافت إلى عزلة الأسر العزلة الفردية على المستوى الشخصي.
طفرة تكنولوجية
وأثناء البحث عن
معالجة هذا العطب الكبير، حدثت الطفرة التكنولوجية؛ فالإنترنت انحسر بسببه التواصل
الفيزيقي المباشر مع ظهور الأجهزة واللوحات الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي التي
تسببت في تقوية الأسلاك الإلكترونية الحاجزة، وهو العصر الذي نعيشه الآن؛ الجمع
بين عزلة السكن، والفردانية، والمنصات التواصلية الحديثة.
ونتيجة لذلك، حصل
ما كتب عنه تريستان هاريس، المؤسس المشارك لمركز التكنولوجيا الإنسانية، في مقال
في «لوس أنجلوس تايمز» في مايو 2019م، وهو «تآكل العلاقات الإنسانية»، الذي يتبع
جزئيًا من الصلات بين التقنيات المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي.
فهو تآكل من
جهتين؛ جهة التواصل المباشر الجسدي، وجهة روحانية التواصل؛ فكان الخراب لافتقارها
إلى الإحساس والروح الإنسانية السامية.
تساءل أستاذ
الاقتصاد في جامعة هارفارد، رولاند فراير، في صحيفة «وول ستريت جورنال»، في 26
يوليو 2026م: لماذا يبدو أن الوحدة في ازدياد؟ ثم يجيب عن السؤال ويقول: جزئيًا
لأننا جعلنا الحياة خالية من الاحتكاك والفعالية.
فجميع، أو
الغالبية الساحقة، من احتياجاتنا اليومية نقضيها عبر الطلبيات الإلكترونية، من دون
الاحتكاك المباشر، وبما أن طبيعة البشر التي خلقها الله سبحانه لا تأخذ صورتها
الكاملة، ولا تتجسد مميزاتها الإنسانية، إلا عبر الاختلاط والتجمعات، تكون الوحدة
والانعزالية من الحالات الشاذة التي لا تنسجم مع النمط الذي ينبغي لها السير عليه.
وحسب رولاند، أصبحت
الوحدة واحدة من المشكلات الغريبة في الحياة الحديثة، في عام 2023م، وصف جراح عام
أمريكي الوحدة والعزلة الاجتماعية بأنها مشكلة صحية عامة، أفاد حوالي نصف البالغين
الأمريكيين بأنهم يعانون من الشعور بالوحدة، تصف منظمة الصحة العالمية الانفصال
الاجتماعي بأنه تحدٍّ صحي عالمي، يؤثر على ما يقرب من شخص واحد من كل 6 أشخاص في
جميع أنحاء العالم، في العديد من البلدان الغربية، يبدو أن الشعور بالوحدة المبلغ
عنه ذاتيًا بين الشباب قد ارتفع على مدى العقود الأربعة أو الخمسة الماضية؛ ويبلغ
الشباب عن الشعور بالوحدة أكثر من البالغين في منتصف العمر أو كبار السن.
وهذه من غرائب
الحياة الحديثة التي لا تتوافق مع مراحل العمر التي يمر بها الإنسان؛ فمن خصائص
مرحلة الشباب والمراهقة أنها لا تحبذ البقاء جالسًا، ولا المكوث في البيت كثيرًا، فمن
ساعات الصباح الأولى، يبحث الشاب عن مكان يقضي أوقات نهاره فيه خارج المنزل، مع
الأصدقاء على الأكثر، أو إمضاء أوقات الضحى في المقهى، والمساء تجوالًا في الأسواق
أو المنتزهات مع المجموعة، هذا إن لم يكن صاحب عمل.
لكن الحياة
الإلكترونية وخصائصها أثقلت الشباب، جاعلة منهم كتلًا من اللحم والعظم، يجد الواحد
منهم راحته في وحشته عن الناس، وتراه مرتبكًا عند مجيء ضيف أو سؤال صديق عنه، وهذه
صفات نفسية متوقَّع أن تكون هي الغالبة عند العجائز؛ والعجائز بمعنى العاجز عن
الحركة، والفاقد لشهية الحديث مع الناس، لكن الحياة التي كوّنتها التكنولوجيا
ولوّنتها قلّبت الأمور رأسًا على عقب، فأصبح الأسنُّ أكثر حيوية ونشاطًا وصحةً،
وأكثر بحثًا عن الأصدقاء والأقرباء والمعارف.
الرؤية الإسلامية
في الرؤية
الإسلامية، الحياة مختلفة؛ فهذا النمط الحديث من الحياة لا ينسجم مع الطبيعة
الإسلامية، فالمجتمع له لون آخر، سواء كانت الحياة حديثة أو كانت أساليب ممارساتها
قديمة؛ لأن الأساسيات الاجتماعية التي وضعها الإسلام محمية من التأثر بتغيّر
الأسلوب، وترتبط الأساسيات في كثير منها بالعبادات المفروضة، والمتبقي جعل منه
دينًا يتقرب به المسلم إلى الله سبحانه.
والإطار الديني
الإسلامي يحمي المسلم من الانجراف مع تلك التغيرات التي تأتي بها رؤى وتصورات
بشرية مبتورة عن البعد الديني، ويعالج به هذه البلوى من الوحدة والبرودة في
العلاقات الإنسانية، ومنها:
1- صلاة الجماعة
في المسجد: وهي 5 مرات في اليوم والليلة، يلتقي فيها الإنسان بأهل منطقته، ويسأل
بعضهم عن أحوال بعض، والسؤال عن الغائب وتفقد أحواله.
2- صلاة الجمعة:
ومن لم يسعفه الوقت، أو لم يمتلك من حرارة الإيمان ما يدفعه إلى الذهاب إلى المسجد
لإقامة الصلاة جماعة، أو كان كسولًا في ذلك، فهناك ظهيرة يوم الجمعة لا مفرّ له
فيها من الحضور الجماعي الكبير ولقاء الناس من المنطقة وغيرها.
3- صلة الرحم:
وتشمل الأبوين، والإخوة والأخوات، وأبناء العم والعمات، والخال والخالات،
والأصهار، والدرجات النازلة من القرابة.
4- زيارة
المريض: والدعاء له بالشفاء؛ ما يحث عليه الدين.
5- حقوق الجار
وزيارة الأصدقاء: وقد ورد في الحديث النبوي: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت
أنه سيورثه».
6- المصافحة:
وهذا السلوك الذي يؤكده التوجيه الإسلامي، فاللقاء باللمس المباشر وليس بالمواجهة
فقط.
7- الابتسامة:
والنظر المباشر إلى الوجه، والابتسامة الصادقة بالعين، صدقة تكتبها الملائكة،
ويحفظها رب العالمين لجزاء صاحبها يوم حاجته عند الحشر والحساب.
8- تلبية
الدعوات: لزيارة البيوت، والأكل على المائدة، وهي من التقاليد الاجتماعية المؤثرة
جدًا في بناء جسور المحبة بين الناس، وليس شرطًا أن يكون الخروج من المنزل ولقاء
الآخرين من أجل قضاء الشغل وكسب المال، والتردد عليهم في سبيل المنافع المادية،
وإنما المنفعة المعنوية، وتكوين الصداقات وتقويتها بالزيارات المتتالية وتمتينها؛
فالتكرار في الزيارات شرط.
ونريد هنا إبراز
حالتين من الزيارات وتلبية الدعوات:
الأولى: في
الرؤية الإسلامية، لا تقتصر العلاقات الإنسانية بين المسلمين وحدهم، وإنما بين
البشر أو الإنسان من حيث هو، من دون النظر إلى الدين أو العرق، إذا ما توفرت
الشروط الأخلاقية العامة، ولهذا أحل الله طعام أهل الكتاب، وأحل للمسلمين دعوتهم
إلى البيوت والأكل على مائدتهم.
الحالة الثانية:
العقيقة، أو الذبيحة تهلّلًا بالمولود الجديد؛ حيث يذبح أهل الوافد الجديد إلى
الدنيا، ويدعون الأهل والعشيرة، فيجتمعون لمشاركتهم فرحهم وتكريمهم بالأكل عندهم، وهذه
من المناسبات القليلة من حيث الوقت، أو البعيدة من حيث الزمن، لكنها مؤثرة للغاية.
بهذه الإجراءات
يعالج الإسلام الوحدة والانعزالية، وهي إجراءات تستعصي على تغيرات الحياة مهما
كانت شرسة، لكن وجودها يرتبط مباشرة بالإحياء الديني التصوري والروحي، والتقليل من
الوقت أمام الأجهزة الذكية ومنصاتها الرقمية، التي تسرق العقل، وتحاصر الروح،
وترمي بها في زاوية البيت والمكتب؛ وذلك من أجل علاقات إنسانية أدفأ، ومجتمع أكثر
صحة ورحمة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً