دعاء الطواف بالكعبة المشرفة.. كيفيته وآدابه
تشتاق القلوب
إلى بيت الله الحرام، وتهفو للطواف حول الكعبة المشرفة، حيث لا تتحرك الأقدام
وحدها، بل يدور القلب مع الجسد، ويلهج اللسان بالدعاء، وتتقلب العين بين الكعبة
والسماء، راجية إجابة الدعاء.
مشروعية الدعاء في الطواف
الطواف عبادة
جامعة للذكر والدعاء، ففي سنن أبي داود، والترمذي، بسند صحيح عَنْ أم المؤمنين
عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ،
وَرَمْيُ الْجِمَارِ، لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»، فالدعاء والذكر
مشروعان في هذه المواقف، بل ما شرعت هذه المواقف إلا من أجل الذكر والدعاء والتقرب
إلى الله تعالى.
من آداب الدعاء في الطواف
1- إخلاص النية
لله تعالى وحسن الظن به.
2- استحضار شرف
المكان.
3- حضور القلب
وخشوعه.
4- خفض الصوت،
حتى لا يؤذي غيره من الطائفين الذاكرين.
5- عدم الانشغال
بالآخرين.
6- الدعاء
بجوامع الكلم، وخير الدنيا والآخرة.
7- عدم الاعتداء
في الدعاء، فلا يدعو على نفسه أو أهله، كما لا يدعو بإثم أو قطيعة رحم.
الدعاء في الطواف من البداية إلى النهاية
1- الدعاء عند دخول المسجد الحرام:
يبدأ المسلم في
الدعاء حين يدخل إلى الكعبة المشرفة، حيث يدخل المسجد بيمينه، ثم يدعو، ففي سنن
أبي داود بسند صححه الألباني عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ،
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ
الْمَسْجِدَ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ
الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».
وفي سنن ابن
ماجه بسند صححه الألباني عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ،
فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لِيَقُلْ:
اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ».
2- الدعاء عند رؤية الكعبة:
استحب العلماء
الدعاء عند رؤية الكعبة المشرفة، لما فيه من مظنة الإجابة، فقد روى الطبراني،
والبيهقي، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ،
قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيُسْتَجَابُ دُعَاءُ الْمُسْلِمِ عِنْدَ
إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ، وَعِنْدَ زَحْفِ الصُّفُوفِ، وَعِنْدَ
رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ».
قال المناوي:
يحتمل أن المراد أول ما يقع بصر القادم إليها عليها، ويحتمل أن المراد ما
يشمل دوام مشاهدتها فما دام إنسان ينظر إليها فباب السماء مفتوح والدعاء مستجاب(1).
ومن الأدعية
التي تستحب في هذا المقام ما رواه البيهقي وغيره عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ
يَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا، وَتَعْظِيمًا،
وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ، وَكَرَّمَهُ، وَعَظَّمَهُ
مِمَّنْ حَجَّهُ، أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا، وَتَكْرِيمًا، وَتَعْظِيمًا،
وَبِرًّا»(2).
وفي مسند
الشافعي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ،
أَنَّهُ كَانَ حِينَ يَنْظُرُ إِلَى الْبَيْتِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ،
وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ».
وينبغي أن يعلم
المسلم أن هذا موقف من مواقف الإقبال على الله والاجتهاد في الدعاء، فليدعُ بما
يفتح الله به عليه.
3- الدعاء عند استلام الحجر الأسود:
روى الطبراني،
وعبدالرزاق، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ
قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ»، وفي مصنف عبدالرزاق عَنِ
الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ
الحجر الأسود، قَالَ: «اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ،
وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم».
4- الدعاء بين الركن اليماني والحجر الأسود:
في سنن أبي داود
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: رَبَّنَا آتِنَا فِي
الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».
وفي سنن ابن
ماجه أن ابن هشام سأل عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي،
وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وُكِلَ بِهِ سَبْعُونَ مَلَكًا،
فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي
الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، قَالُوا: آمِينَ».
5- الدعاء في أشواط الطواف:
قال ابن تيمية:
يستحب له في الطواف أن يذكر الله تعالى ويدعوه بما يشرع، وإن قرأ القرآن سراً
فلا بأس، وليس فيه ذكر محدود عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بأمره ولا بقوله ولا
بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية(3)، وهذا من يسر الشريعة
وسعتها، إذ جعلت الطواف ميدانًا مفتوحًا لمناجاة العبد ربه بما يناسب حاله وحاجته.
وقد نقلت كتب
الفقه اجتهادات العلماء والصالحين في الدعاء، وهذه بعضها، فمن شاء أخذ بها، ومن
شاء دعا بما يفتح الله به عليه، ومن الأدعية الواردة عن السلف:
- اللهم اجعله
حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، اللهم لا إله إلا أنت وأنت تحيي
بعدما أمت، وإذا كان يؤدي عمرة دعا فقال: اجعلها عمرة مبرورة، وإن كان طوافاً نفلاً
دعا: اجعله طوافاً مبروراً؛ أي مقبولاً، وسعياً مشكوراً.
- اللهم اغفر
وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم.
- اللهم إني
أعوذ بك من الكفر والفقر والذل، ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في
الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
- رب قنعني بما
رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كل غائبة لي بخير.
- رب قني شح
نفسي.
- اللهم اغفر لي
ذنوبي وخطاياي، وعمدي، وإسرافي في أمري، إنك إلا تغفر لي تهلكني.
- اللهم البيت بيتك، ونحن عبيدك ونواصينا بيدك، وتقلبنا في قبضتك، فإن تعذبنا فبذنوبنا، وإن تغفر لنا فبرحمتك، فرضت حجك لمن استطاع إليه سبيلاً، فلك الحمد على ما جعلت لنا من السبيل، اللهم ارزقنا ثواب الشاكرين(4).