تجارة يوم القيامة.. كيف تتحول النبوءات إلى فخ سياسي؟!

في كل مرة تشتعل فيها حرب، لا تتحرك الجيوش وحدها، بل تتحرك معها النصوص.

تخرج فجأة من الأدراج، تُنفض عنها غبار القرون، وتُلقى في وجوه الناس بوصفها تفسيرًا جاهزًا لما يحدث، بل أحيانًا بوصفها الدليل على أن ما يحدث كان يجب أن يحدث.

تخرج نصوص قديمة منسوبة إلى نوستراداموس، يُعاد تدويرها بحماسة، وقد كُتب فوقها: توقع حربًا ستبدأ من فارس وتُشعل العالم، وتخرج مقاطع من التوراة، وأحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم، تقتطع جميعها من سياقها وتلقى في وجوهنا كشرح وتفسير لما يحدث!

ليست المشكلة هنا في الإيمان، ولا في النصوص ذاتها، بل في الطريقة التي يُعاد بها توظيفها اقتطاعًا، وإسقاطًا، وتحويلًا من سياقها المعرفي إلى وظيفة جديدة تمامًا، وهي بالطبع وظيفة سياسية.

ما يبدو في ظاهره تفسيرًا للواقع، هو في حقيقته -في كثير من الأحيان– إعادة تشكيل للوعي العام.

لكن السؤال الأخطر ليس: هل هذه النبوءات صحيحة؟ بل من الذي يستفيد حين نصدق أنها تفسّر ما يحدث؟ لأن ما يبدو خطابًا إيمانيًا بريئًا، يتحول –في لحظات التوتر الكبرى– إلى أداة سياسية بالغة الفاعلية، تُعيد تشكيل الوعي، وتوجّه الانفعال، وتمنح الشرعية.

تنبيه لازم

قبل أن نمضي أبعد في هذا التفكيك، لا بد من ضبط نقطة قد يلتبس فهمها، فقد يسبق إلى ذهن بعض القراء أن هذا الطرح يحمل تشكيكًا في الأحاديث التي تتحدث عن الفتن وأحداث آخر الزمان وعلامات يوم القيامة، أو إنكارًا لما ثبت فيها من بشارات وأشراط، وهذا غير صحيح على الإطلاق.

نحن نؤمن بما صحّ من هذه النصوص، إيمانًا منضبطًا بما قرره أهل العلم في قواعد التثبت من الرواية، وفهم الدلالة، وجمع النصوص في سياقها الصحيح، وما ضبطه فقهاؤنا من قواعد تنظر إلى مقاصد تلك النصوص، فهذه الأحاديث جزء من عقيدتنا الغيبية التي لا تُناقش بمنطق الهوى، ولا تُردّ بدعوى الواقع، لكن الإشكال ليس في النص، بل في طريقة التعامل معه.

الإشكال يقع حين تُنتزع هذه النصوص من سياقها العلمي، وتُحمَّل ما لا تحتمل، وتتحول من مادة هداية وبصيرة إلى أداة تعبئة، ومن خطاب إيماني يضبط السلوك إلى وقود يحرّك الانفعال.

هذه الأحاديث لم تأتِ لتكون خرائط عمليات نُسقطها على كل حدث سياسي، ولا لتُستخدم كأداة لإضفاء الشرعية على صراعات معاصرة، ولا كوسيلة لتخدير الوعي أو تعطيل الفهم، بل جاءت –في جوهرها– لتؤسس وعيًا بالابتلاء، وبصيرة في الفتن، وتوازنًا بين العمل والأمل، ويقيناً في صدق نبوته صلى الله عليه وسلم.

ومن هنا، فإن الدفاع الحقيقي عن هذه النصوص ليس في توسيع استخدامها، بل في حمايتها من سوء الاستخدام.

كيف تتحول النبوءة إلى أداة سياسية؟

1- تصنيع الإطار التفسيري:

الحرب، في أصلها، حدث معقد، حيث هناك مصالح، وتحالفات، واقتصاد، وجغرافيا، وصراع نفوذ، لكن هذا التعقيد لا يناسب الجمهور، ولا يخدم من يريد توجيهه، وهنا تأتي النبوءة لتقوم بوظيفة حاسمة هي تبسيط العالم في قصة واحدة كبرى، فلا تعود الحرب مجرد صراع سياسي، بل تتحول إلى المعركة الأخيرة، إلى الصدام النهائي بين الحق والباطل، إلى المشهد الممهِّد لنهاية التاريخ!

بهذا الإطار، لا يعود مطلوبًا من الجمهور أن يفهم، بل أن يصدق.

2- تعطيل التفكير النقدي:

فحين يُقدَّم الحدث بوصفه قدرًا مكتوبًا، تتغير طبيعة الأسئلة، فلا يعود السؤال: لماذا حدثت الحرب؟ بل من المستفيد منها؟ ولا يتم طرح سؤال عن ماهية السيناريوهات الممكنة؟ بل يصبح السؤال عن العلامة الفلانية، عن بداية العد التنازلي؟!

وهنا تحدث النقلة الأخطر؛ حيث أي محاولة للتحليل تتحول –في وعي الجمهور– إلى تشكيك، لا في التفسير، بل في المقدس ذاته، وهكذا، يُستبدل يقين عاطفي مريح بالعقل النقدي.

3- شرعنة القرارات الصعبة:

في السياسة، هناك دائمًا قرارات مكلفة، وحروب طويلة، وخسائر اقتصادية، وتحالفات متناقضة، وتنازلات مؤلمة، لكن حين توضع هذه القرارات داخل قصة نبوئية، وحبذا لو كانت مكسوة بكساء ديني مقدس، تتغير دلالتها، فلا تعود خيارًا سياسيًا، وإنما جزء من قدر، ولا تعود قابلة للنقاش، بل مرحلة ضرورية.

وبهذا، تنخفض تكلفة الاعتراض، لأن الاعتراض لم يعد على قرار، بل على مسار يُقدَّم بوصفه حتميًا.

4- الاستخدام المتبادل.. الجميع يفعلها:

المفارقة اللافتة أن هذه الآلية لا تخص ثقافة واحدة، فكل طرف يملك نصوصه، ويعيد تشغيلها عند الحاجة، هنا تُستدعى مقاطع دينية وتُسقَط على الواقع دون سياق علمي، وهناك تُستحضر سرديات قديمة لتبرير الحاضر؛ والنتيجة ليست صراعًا بين روايتين، وإنما تواطؤ غير معلن بين سرديات مختلفة تؤدي الوظيفة نفسها؛ التعبئة والتخدير.

من المستفيد؟

هنا بيت القصيد، فالنبوءة في هذا السياق ليست مجرد خطاب، بل مورد قوة، والذي يوظفها جيدًا يجني مكاسب متعددة:

1- السياسي الباحث عن الشرعية المطلقة:

حين يخرج بنيامين نتنياهو ليتحدث عن نصوص توراتية تتحقق، أو يلمّح إلى أدوار تاريخية كبرى، فهو لا يخاطب العقل السياسي، بل الوجدان الديني.

وحين يستخدم دونالد ترمب لغة المخلّص أو المنقذ، فهو لا يقدّم برنامجًا، بل يبني دورًا قدريًا لنفسه، محاولاً إضفاء شرعية لحكمه، مع هالة تمنع مساءلته!

وفي هذه الحالة، لا يحاسب القائد كسياسي بل يصدَّق كأداة تنفيذ لمصير أكبر.

2- الحركات الأيديولوجية والتعبئة:

الجماعات العقائدية تدرك قيمة النبوءة في الحشد، ولدينا تجارب قريبة، تم من خلالها استدعاء نصوص عن الشام والملاحم واقتطاعها من سياقها العلمي، لتتحول إلى دعوة مفتوحة للشباب، حيث هذا هو الجهاد الموعود، وهذه هي الأرض التي اختارها التاريخ.

وهكذا، تتحول النبوءة من مادة علمية دقيقة لها سياقاتها وأغراضها، إلى وقود تعبئة يدفع أفرادًا عاديين إلى قرارات استثنائية.

3- الإعلام الباحث عن الإثارة:

وسائل الإعلام، خاصة في زمن السباق على جذب الانتباه، تجد في هذه السرديات مادة مثالية، حيث العناوين الضخمة، والقصص المثيرة، والجمهور المتفاعل، فحرب نهاية العالم أكثر جذبًا للجمهور بكثير من تصعيد إقليمي معقّد.

وهكذا، تُعاد تدوير النبوءة، ليس فقط لأغراض سياسية، بل أيضًا لأغراض تجارية.

4- الجمهور نفسه بشكل غير مباشر:

قد يبدو هذا غريبًا، لكن الجمهور أيضًا يستفيد نفسيًا حيث تمنحه النبوءة معنى للفوضى، وتعطيه شعورًا بأن ما يحدث مفهوم.

كذلك فإنه يخفف قلق العشوائية، فهي ليست فقط أداة سيطرة بل أيضًا ملاذ نفسي في عالم مضطرب.

ماذا لو لم تتحقق النهاية الكبرى؟

هنا نصل إلى الاختبار الحقيقي، ماذا يحدث إذا هدأت الحرب؟ إذا لم تقع الضربة الفاصلة؟ إذا انتهى المشهد بتفاهم سياسي، أو توازن بارد، أو لا غالب ولا مغلوب؟ فهل تنهار السردية النبوئية؟ الإجابة المختصرة: لا.

لكن الأهم: كيف ينجو هؤلاء المروجون لها؟ ما تلك التبريرات التي سيسوقونها ليظلوا في الصورة؟ نعتقد أنها لن تخلو من أن تكون إحدى الطرائق التالية:

1- إعادة التأويل: وهي بالمناسبة أبسط آلية وأكثرها شيوعًا، حيث يقومون بإعادة تفسير النبوءة بدل الاعتراف بخطأ القراءة، فتتحول هذه هي الحرب الكبرى إلى: هذه مجرد تمهيد لها، وكأن النص لا يُكذَّب بل يُؤجَّل.

2- نقل الهدف: بمعنى أنه حين تفشل التوقعات الكبرى، يتم تقليصها دون إعلان صريح، فتتحول الحرب العالمية الثالثة إلى مرحلة من مراحل الصراع، أو إشارة من إشارات الطريق، وبهذا، يحتفظ الخطاب بجمهوره، مع تعديل طفيف في التوقعات.

3- الاختفاء المؤقت: وهذه إحدى الإستراتيجيات التي يعتمدها بعض أذكياء مروجي تلك النبوءات، اعتماداً على ذاكرة السمك التي باتت تحكم العقل الجمعي للجماهير، فلا يبررون، بل يختفون.

يصمتون فجأة، ويتركون الساحة، دون مراجعة أو اعتذار، ثم يعودون لاحقًا، مع حدث جديد، وكأن شيئًا لم يكن، متيقنين من أن ذاكرة الجماهير –في زمن التدفق– سريعة النسيان.

4- التضخيم الجزئي: حتى في أكثر النهايات عادية، يمكن إنقاذ السردية عبر التركيز على تفاصيل محددة، مثل اشتباك هنا، وتهديد هناك، وتصريح يمكن تأويله، بحيث يتم أخذ جزء صغير من الواقع، وتضخيمه، ليبدو وكأنه تحقق للنبوءة.

ما الذي يحدث فعلاً؟

نحن لا نعيش فقط صراعات على الأرض، بل صراعات على معنى ما يحدث، فالنبوءة في صورتها المتداولة اليوم لم تعد أداة لفهم المستقبل، بل أصبحت وسيلة لإدارة الحاضر.

فهي تمنح يقينًا بدل القلق، وقصة بدل الفوضى، ومعنًى جاهزًا بدل أسئلة مربكة، ولهذا لا تنهار بسهولة، لأنها لا تقوم على التحقق، بل على الحاجة.

والناس لا يبحثون دائمًا عن الحقيقة، بل عن رواية يستطيعون أن يعيشوا داخلها، ومع كل حرب جديدة، لا نقرأ الحدث كما هو بل نفتش في الذاكرة عن نص قديم، ونحاول أن نُلبسه الواقع، حتى لو اضطررنا إلى شدّه، أو بتر أطرافه.



اقرأ أيضاً:

الحرب الإيرانية «خطة إلهية» وترمب مُكلَّف من المسيح.. ما القصة؟!

من «أحجار الشطرنج» إلى «جزيرة إبستين».. هل تتحقق نبوءة الحرب الأخيرة على الإسلام؟

«انبعاث ونهضة» أم «يوم القيامة».. مسمى توراتي جديد من نتنياهو يؤكد الحرب الدينية

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة