من اللسان إلى الجنان..

«العربية» جسر العودة إلى أسلمة المجتمع

د. رولا الحيت

24 ديسمبر 2025

194

إن أسلمة المجتمع ضرورة وجودية، والأسلمة تعني إعادة ربط الحياة اليومية (الاقتصاد، الأخلاق، العلاقات الاجتماعية) بالقيم المطلقة التي جاء بها الإسلام.

وفي زمن العولمة، تذوب الخصوصيات الثقافية، وتضيع الهوية، وأسلمة المجتمع هي الدرع الذي يمنع ذوباننا في الآخر، ويجعلنا منتجين للقيم لا مجرد مستهلكين لها.

أسلمة المجتمع تبدأ بتخليصه من التبعية الفكرية، وتعد اللغة الحصن المتين الذي يحافظ على الهوية؛ فمن يمتلك لغته يمتلك قراره.

إن اللغة العربية ليست مجرد لغة للتواصل، بل هي رئة يتنفس بها الإيمان، وجسر ممتد بين الهوية والواقع، حين نلامس هذا الموضوع، فنحن لا نناقش قواعد النحو والصرف، بل نناقش تشكيل الوجدان وصياغة العقل المسلم.

العربية ليست وعاءً فقط، بل هي بمثابة الروح للجسد.

العربية والإسلام

في البدء، علينا أن ندرك أن العلاقة بين العربية والإسلام ليست علاقة مُحتوى بآخر، بل علاقة اندماج عضوي، افصل القول على النحو التالي، فتنبه:

باللغة نبدأ بضبط اللسان، لأن اللغة تشكل طريقة التفكير، عندما نتحدث بالعربية، نحن نستدعي مفاهيم الرحمة، والعدل، والتوحيد كما وردت في أصلها، لا كما تُرجمت في سياقات غريبة.

إلى الجنان: عندما يستقيم اللسان على بيان القرآن، يبدأ القلب (الجنان) بالاستنارة، يقول الإمام ابن خلدون في «مقدمته»، موضحاً أثر اللغة في النفس: اعلم أنَّ اللُّغَةَ هِيَ صُورةُ الأفكارِ، فَإِذَا فَسَدَتِ اللُّغَةُ فَسَدَتِ الأفكارُ، وإذا فَسَدَتِ الأفكارُ فَسَدَ نِظَامُ العُمرانِ.

لذا، فإن إحياء العربية هو في الحقيقة إحياء لنظام العمران الإسلامي في مجتمعنا، إنها الرحلة التي تبدأ بضبط الحروف وتنتهي بضبط القلوب.

وللسائل أن يسأل: كيف ذلك؟

والجواب أن الكلمة العربية لها جرس يهز الوجدان وظلال تمس الروح؛ ما يسهل عملية التزكية النفسية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم»: فإنَّ نَفْسَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ مِنَ الدِّينِ، وَمَعْرِفَتُهَا فَرْضٌ وَاجِبٌ، فَإِنَّ اللُّغَةَ تُؤَثِّرُ فِي العَقْلِ وَالخُلُقِ وَالدِّينِ تَأْثِيراً قَوِيّاً بَيِّناً.

إن ما ذكره ابن تيمية يدل على أن المحرك الأساسي لعودة المجتمع إلى قيمه الأصيلة هو اللغة؛ لأنها تعيد ترتيب المصفوفة الأخلاقية للفرد.

فالعربية لغة أدب، والتعمق فيها يهذب الطباع، والمجتمع الذي يتحدث بلغة راقية، يترفع أفراده عن بذيء القول وفاحش العمل.

والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف أستخدم العربية كأداة تحول من اللسان إلى الجنان؟

ذكرت أن اللغة هي التي تصنع المفاهيم، وإذا تغيرت اللغة، تغيرت المفاهيم، وإذا تغيرت المفاهيم، تغير السلوك، فكيف نحقق ذلك؟

اللغة العربية لغة القرآن الكريم، وإذا عدنا إلى تدبر القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين، وقرأناه بتذوق بياني وليس فقط على أنه كتاب بركة، فإن هذا يولد في النفس اليقين والانتماء إلى كل ما فيه من توجيهات وقيم إيمانية، وبالتالي تقييم السلوك البشري وتحقيق الأسلمة التي نسعى إليها.

إن استعادة المصطلح القرآني وتسمية الأشياء بمسمياتها الشرعية تعيد ربط الأرض بالسماء وتشحن النفس حين تتكلم اللغة العربية التي هي لغة القرآن، تشحنها بشحنات إيمانية لا توجد في غيرها من اللغات.

مثلاً، حين نستبدل كلمة مصلحة بكلمة بر، أو كلمة تنمية بكلمة عمارة الأرض، فنحن نغير الدوافع الإنسانية للفرد.

أرض صلبة

إن العودة إلى العربية ليست دعوة للانغلاق، بل هي دعوة للاستناد؛ لكي نقف على أرض صلبة ونحن نواجه العالم، إنها رحلة تبدأ من اللسان بذكر الله وتلاوة كتابه، وتمر بالعقل بفهم مقاصده، لتستقر في الجنان إيماناً ويقيناً، وتفيض على المجتمع صلاحاً وإصلاحاً.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغ جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله.

إنّ الكلمة إذا خرجت من القلب، واستندت إلى لسانٍ عربيٍ مبين، كان لها فعل السحر في النفوس، وهذا هو جوهر ما نحتاجه اليوم: أن نعيد للغتنا هيبتها، ليعود لمجتمعنا توازنه وقيمه.



اقرأ أيضاً:

سؤال «الأسلمة».. من هنا نبدأ

تجارب ناجحة لاستعادة الأسلمة

خارطة طريق لمستقبل اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة