فضل الله تعالى على العبد.. بين الاستحقاق والاستدراج
إذا تأمل المسلم
في نعم الله تعالى عليه، وما يفيض به عليه من التوفيق والستر والرزق، ثم نظر إلى
تقصيره في حق ربه، أدرك أنه لا يستحق شيئًا من هذا الفضل بعمله، ومن هنا ينشأ عند
بعض الناس هاجس مقلق؛ هل يمكن أن يكون ما أنا فيه من النعم استدراجًا من الله
تعالى؟
هذا السؤال -وإن
بدا نابعًا من خوف محمود- إلا أنه قد ينشأ أحيانًا عن خلل في فهم بعض المعاني
العقدية، فيختلط على العبد باب الخوف بباب سوء الظن بالله تعالى، لذلك كان من
المهم تحرير هذه المسألة، وبيان الفرق بين فضل الله، والاستدراج، ومكر الله تعالى،
وما ينبغي أن يكون عليه قلب المؤمن.
أولًا: لا أحد يستحق فضل الله تعالى بعمله:
أول ما ينبغي
تقريره أن فضل الله لا يقوم على الاستحقاق أصلًا، فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»(1)، وليس المراد
نفي أثر الأعمال، فإن الله جعلها أسبابًا لنيل رحمته، وإنما المراد نفي أن يكون
العمل ثمنًا للجنة أو موجبًا لها على جهة الاستحقاق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «العبد
لا يستحق على الله شيئًا بمجرد عمله، وإنما كل ما يناله فهو بفضل الله ورحمته،
والعمل سبب جعله الله سببًا بحكمته»(2).
وعلى هذا، فإن
تعجّب المؤمن من نعم الله مع تقصيره أمر حسن إذا أورثه شكرًا وتواضعًا، أما إذا
أورثه الارتياب في رحمة الله فقد انتقل من محاسبة النفس إلى سوء الأدب مع الرب.
ومن هنا يظهر
وجه الخطأ في جعل كل نعمة يخشاها العبد استدراجًا، فالاستدراج في القرآن والسُّنة
ليس اسمًا لكل نعمة تُعطى للمذنب، وإنما هو إمهال يقترن بالإعراض والإصرار حتى
يكون سببًا في زيادة الإثم، قال تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ
أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) (الأنعام: 44)، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت الله يعطي العبد
من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج»، ثم تلا هذه الآية(3).
وقال قتادة في
تفسيرها: «ما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعيمهم»(4)،
فمحل الخوف إذن ليس النعمة في ذاتها، وإنما الغفلة التي تحدثها، والإقامة على
المعصية مع الأمن من العقوبة.
ولهذا كان ابن
القيم يقرر أن النعم تكون نعمة حقيقية إذا أورثت صاحبها انكسارًا وشكرًا وطاعة،
وقد تكون بلاء إذا أورثته غفلة واستكبارًا، فالعبرة ليست بصورة العطاء، وإنما
بأثره في القلب(5).
ثانيًا: تحرير مفهوم المكر والاستدراج:
من أكثر
المفاهيم التي يقع فيها الخلط مفهوم مكر الله تعالى، فالقرآن يثبت هذه الصفة لله
تعالى في مواضعها، لكنها ليست كالمكر المذموم الذي يكون بين البشر، بل هي صفة
كمال؛ لأنها تدل على كمال القدرة والحكمة، وأن تدبير الله يعلو كل تدبير، وأنه
سبحانه يرد كيد الماكرين عليهم، كما قال تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ
خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال: 30).
أما توهّم أن
الله تعالى ينصب أفخاخًا للعباد ليوقعهم في الضلال ابتداءً، أو تصوّر المكر
مرادفًا للغدر والطعن من الخلف، فهذا تصور باطل ينافي كمال عدله ورحمته! وإنما
يُضِل الله تعالى من أعرض عن الهدى وآثر العمى على البصيرة.
ومن أهم أسباب
هذا الإشكال سوء فهم بعض النصوص، ومن أشهرها حديث: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة
فيما يبدو للناس..»(6)، فإن قوله: فيما يبدو للناس قيد عظيم يغفل عنه
كثيرون؛ إذ يدل على أن ظاهر عمله كان صالحًا، أما سريرته فلم تكن كذلك، ولذلك قال
ابن رجب: «خواتيم السوء إنما تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس»(7)،
وعليه، فليس في الحديث ما يدعو المؤمن الصادق إلى اليأس، وإنما فيه تحذير من
الرياء والنفاق، والتنبيه إلى أن العبرة بحقيقة العمل لا بصورته.
أما الاستدراج،
فقد جاء في القرآن والسُّنة بمعنى آخر، وهو أن يُملي الله للكافر أو للفاجر المقيم
على معصيته، ويفتح عليه أبواب الدنيا، مع إعراضه عن التوبة، حتى يزداد إثمًا، ثم
يأخذه أخذًا شديدًا، وذلك مصداق قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا
أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ).
فالاستدراج إذن
ليس وصفًا لكل نعمة، ولا لكل عبد مقصر، وإنما هو فيمن أقام على المعصية، واستخف
بأمر الله، وأعرض عن التوبة، حتى صارت النعم تزيده بعدًا وغفلة.
أما المؤمن الذي
يذنب ثم يلوم نفسه، ويجدد التوبة، ويكثر الاستغفار، ويخلط عملًا صالحًا وآخر
سيئًا، مع بقاء قلبه متعلقًا بالله تعالى، راجيًا عفوه، خائفًا من تقصيره، فهذا من
المُبَشّرين برحمة الله تعالى: (وَآخَرُونَ
اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى
اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 102).
ثالثًا: سوء الظن بالنفس لا يعني سوء الظن بالله:
من مقامات
الإيمان أن يتهم العبد نفسه دائمًا بالتقصير، وأن يرى عمله دون ما ينبغي، لكن هذا
شيء، وسوء الظن بالله شيء آخر، فالمؤمن لا يرى نفسه أهلًا لفضل الله، لكنه يرى ربه
أهلًا لكل فضل، ومهما اتهم نفسه في تقصيرها لا يتّهم ربهم.
فكيف يتحول
الخوف المشروع من النفس إلى سوء ظن بالله؟ وكيف يظن العبد أن الله يتربص به، أو
أنه يريد به الهلاك مع صدق رجوعه إليه؟!
النصوص المحكمة
تدل على خلاف ذلك، فالله سبحانه يضاعف الحسنة أضعافًا كثيرة، ويكتب الهم بالحسنة،
ويبدل السيئات حسنات لمن صدق في التوبة.
وهو القائل
سبحانه: (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن
شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ) (النساء: 147)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحًا بتوبة
عبده..»(8).
إن من أعظم
تلبيس الشيطان أن يحول محاسبة النفس إلى قنوط، وأن يحول الخوف من التقصير إلى الشك
في رحمة الله تعالى، والمؤمن لا يعبد الله تعالى بالأمن وحده ولا بالخوف وحده، بل
يعبده بالخوف والرجاء والمحبة جميعًا.
رابعًا: ما الذي يحفظ العبد من الاغترار؟
يبقى المؤمن
محتاجًا إلى ما يقيه الغفلة والاغترار بنعم الله، ومن أهم ذلك:
1- استحضار قرب
الأجل؛ فالموت يأتي بغتة، ومن أكثر من ذكره قصر أمله، واغتنم أيامه فيما ينفعه.
2- دوام التوبة؛
فلا ييأس مهما تكرر منه الذنب، بل كلما وقع عاد إلى ربه، فإن «خير الخطائين
التوابون»(9)، ولنا في قصة قاتل المائة نفس أعظم شاهد على سعة رحمة
الله، وأن العبرة بصدق الرجوع لا بعظم الذنب.
3- محاسبة
النفس؛ فيفرح العبد بنعمة الله تعالى، لكنه لا يغتر بها، ويرجو قبول عمله، لكنه لا
يعجب به، ويخاف التقصير، لكنه لا ييأس من رحمة ربه.
خلاصة الأمر أن
فضل الله تعالى لا يُنال باستحقاق، والاستدراج لا يعرف بكثرة النعم، وإنما يعرف
بالإقامة على المعصية مع الغفلة عن الله تعالى، ثم المؤمن يجمع دائمًا بين اتهام
نفسه وحسن الظن بربه؛ فيرى ذنبه عظيمًا، ويرى رحمة الله تعالى أعظم، فلا يغتر
بعمله، ولا ييأس من فضل مولاه.
والخوف من الاستدراج نفسه ليس دليلًا على وقوعه، بل قد يكون من علامات حياة القلب؛ لأن المستدرج حقًا هو الذي لا يخطر بباله أنه مستدرج، وقد غمرته النعم حتى أنسته المنعم، أما من كلما أنعم الله تعالى عليه ازداد شكرًا، وكلما أذنب ازداد استغفارًا، وكلما رأى تقصيره ازداد افتقارًا، فهذا يُرجى أن تكون نعم الله تعالى عليه من باب الإكرام لا من باب الإمهال.
الهوامش
- 1 أخرجه البخاري (5673)، ومسلم (2816).
- 2 مجموع الفتاوى (10/ 48-49)، وانظر أيضًا: (1/ 149).
- 3 أخرجه أحمد (17311)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (413).
- 4 تفسير ابن أبي حاتم عند تفسير سورة «الأنعام» (44).
- 5 مدارج السالكين (2/ 176-180) (بتصرف في المعنى).
- 6 أخرجه البخاري (6607)، ومسلم (112).
- 7 جامع العلوم والحكم، شرح الحديث الأول.
- 8 أخرجه مسلم (2747).
- 9 الترمذي (2499)، وأحمد (13049)
اترك تعليقاً
التعليقات (2)
ياسمين ربيع حسن محمد
منذ أسبوعجزاكم الله كل خير
سيد سعد
منذ شهرمقال أكثر من رائع بارك الله فيكم