هروب جماعي لليمنيين.. قصص من لهيب الصيف
تزايدت أعداد اليمنيين الفارين من بلادهم إلى دول أخرى وعلى رأسها مصر مع
اشتداد موجات الحرارة في بلادهم والانقطاع الدائم للكهرباء التي أصبحت أزمة حقيقية
تطارد اليمنيين خاصة في المناطق الجنوبية من البلاد.
ويحاول المجتمع اليمني إيجاد بدائل لهذا الوضع المتردي عبر الهروب إلى دول
تتمتع بتلك الخدمات خاصة في شهور الصيف التي تمتد من بداية يونيو وحتى نهاية
سبتمبر، وتتجاوز فيها درجات الحرارة حاجز 45 درجة مئوية، مع نسب عالية من الرطوبة،
تحول المنازل إلى أفران حقيقية، في مشهد يعكس واحدة من أقسى الكوارث الإنسانية
الإضافية في اليمن.
وفي المحافظات الجنوبية، تنقطع خدمات الكهرباء لـ20 ساعة يوميًا، في الوقت
الذي تحولت فيه مولدات الكهرباء إلى رفاهية لا يقدر عليها معظم السكان، وهو ما جعل
البقاء في الوطن بمثابة صراع مع الموت خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة
والحوامل والمرضعات، بل ومعركة يومية لكل أفراد الأسرة للنجاة من الاختناق بسبب
الصيف القائظ وانعدام الخدمات.
ووراء هذه الهجرة المكثفة، التي توثقها تقارير الهيئات الدولية، قصة مركّبة
من انهيار البنى التحتية وتراكم إخفاقات الحكومات المتعاقبة، في بلد أنهكته الحرب
وصراعات النفوذ، وخلف كل أسرة يمنية غادرت البلاد هروبًا من حرارة الصيف وانقطاع
الكهرباء حكايات عن بيع ممتلكات لتأمين تذكرة سفر، أو انفصالات عائلية قسرية، أو
أطفال يدفعون ثمن هروب الكبار من واقع لم يخلقوه، والأكثر إيلامًا أن هذه الهجرة
تقسم المجتمع إلى فئتين؛ من يملكون القدرة على الفرار إلى عالم الكهرباء والماء
البارد، ومن يحكم عليهم بالموت البطيء تحت سقف وطنهم.
بيوتنا أفران لا تطاق!
وفي تحقيق أجرته «المجتمع»، روى عدد من الأسر اليمنية تجاربها مع موجات
الحر الخانقة، مشيرة إلى أن عيد الأضحى غالبًا ما يشكل نقطة الانطلاق للرحيل
المؤقت، إذ أكدت تلك الأسر أن كثيرًا منها يفر إلى مصر بعد العيد مباشرة، هربًا من
الحر اللاهب والانقطاع المستمر للكهرباء.
وأشار بعضهم إلى أن أصحاب الأمراض المزمنة لا يستطيعون حتى انتظار العيد،
فيغادرون اليمن قبله، عاجزين عن تحمل الحرارة الشديدة وظروف المعيشة القاسية؛ ما
يجعل الاحتفال مع الأهل حلمًا مؤجلًا أمام أولوية الحفاظ على صحتهم.
وعن سبب قدومه إلى مصر، يقول جميل العاقل، وهو أحد مؤسسي فرقة الإنشاد
اليمنية: كل صيف، تتحول بيوتنا في عدن إلى أفران لا تطاق، أنا وزوجتي نعاني من
أمراض مزمنة، السكري والضغط، كما أنني أعاني من ضعف في عضلة القلب، وقعيد على
فراشي، والكهرباء تنقطع لساعات طويلة، ووقود المولدات إن وجد فأسعاره خيالية؛ لذلك
جمعنا ما استطعنا من مدخرات، وقررنا السفر إلى مصر، هنا على الأقل، توجد كهرباء
مستقرة، الفرق شاسع، نشعر كأننا هربنا من جحيم إلى حياة!
وفي لقائنا مع أم وضاح من محافظة لحج قالت: لم أكن أتخيل يومًا أنني سأغادر
بيتي، لكن اتخذنا القرار عندما بدأت أمي الكبيرة تعاني من فشل كلوي، وتتفاقم
حالتها مع ارتفاع درجات الحرارة، كما أن المستشفيات والأجهزة الطبية لا تعمل إلا
ساعات محدودة بسبب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي كما تعاني من نقص
الإمدادات، ابنة خالي كانت في مصر، شجعتنا على المجيء، وإن كانت تكاليف السفر
والمعيشة هنا كبيرة بالنسبة لنا، لكن صحة أمي لا تقدر بثمن.
فيما يرى أحمد اليافعي، وهو مدرس من محافظة أبين، أنه كان يظن أن لا شيء
يمكن أن يكون أصعب من الحرب، لكن حر الصيف في محافظته أثبت له العكس، وقال: أنا
مدرس، ورواتبنا متوقفة، لكن صحة أولادي أهم، ابني الصغير يعاني من الربو، ومع حر
الصيف وارتفاع نسب الرطوبة في الجو إضافة إلى انقطاع الكهرباء، تتفاقم حالته،
وجهاز الأكسجين يحتاج للكهرباء، ولا يمكننا الاعتماد على المولدات لساعات طويلة،
وبعد استشارة الأطباء، نصحونا بالابتعاد عن هذا الجو، كان القرار صعبًا، لكنه
ضروري، ووصلنا إلى مصر قبل شهر، والحمد لله، حالة ابني تحسنت كثيرًا، فمجرد وجود
مروحة تعمل طوال الليل، أو مكيف في الأيام شديدة الحرارة، يصنع فرقًا بين الحياة
والموت بالنسبة لإبني.
الحرارة تفتك بأصحاب الأمراض المزمنة
من المعروف طبيًا أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من تدهور الأمراض المزمنة،
خاصة أمراض القلب، والسكري، والضغط، والجهاز التنفسي كالربو، وقد شهد اليمن في
السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد المصابين بهذه الأمراض، إذ أظهرت الإحصاءات
الأخيرة لبنك الدواء اليمني أن عدد المصابين بمرض السكري تجاوز 1.5 مليون شخص،
بينما بلغ عدد المصابين بأمراض الجهاز التنفسي كالربو نسبة تقدر بنحو 8% من
السكان، وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية، وجميع هؤلاء المرضى معرضون لخطر
مضاعف في ظل موجات الحرارة الشديدة وانقطاع خدمات الكهرباء.
إلى جانب ذلك، كشفت دراسة أجريت في مستشفيات يمنية مثل مستشفى ابن سينا
بالمكلا، ومستشفى القلب بصنعاء، أن أمراض القلب المرتبطة بارتفاع ضغط الدم تشكل
26.4% من حالات الإصابة، تليها أمراض صمامات القلب بنسبة 22.4%، وفشل القلب بنسبة
19.7%، وأمراض القلب الإقفارية بنسبة 17%.
كما أظهرت الدراسات أن ارتفاع ضغط الدم يعد من أبرز مسببات الوفاة المرتبطة
بالأمراض المزمنة، ويمثل وجود هؤلاء المرضى في بيئة شديدة الحرارة ودون خدمات
خطرًا جسيمًا على حياتهم.
طبيب يمني: ارتفاع الحرارة يفاقم الأمراض المزمنة ويهدد
بالموت المفاجئ
وفي هذا الإطار، يقول الطبيب اليمني عبدالقوي عمير، صاحب مركز الإيمان
بالبيضاء: إن الأمراض المزمنة مثل قصور القلب، والأمراض الرئوية، وأمراض الكلى،
والسكري، تتفاقم حالاتها مع اشتداد الحرارة، خصوصًا أن كثيرًا منها يتطلب علاجًا
بمدرات البول؛ ما يزيد من احتمالية الجفاف وفقدان الأملاح، وبالتالي يؤدي إلى
مضاعفات خطيرة قد تصل في بعض الأحيان إلى الموت المفاجئ.
ويؤكد د. عمير أنه في حالات قصور القلب، يصبح الجسم عاجزاً عن التخلص من
الحرارة الزائدة؛ ما قد يؤدي إلى هبوط الضغط، أو حتى أزمة رئوية حادة، أما مرضى
الانسداد الرئوي أو الربو، فيجدون صعوبة في التنفس بسبب جفاف الهواء والحاجة
الزائدة للأوكسجين، وفيما يخص مرضى الكلى، فإن أي جفاف بسيط قد يسرع من تدهور
الكلى ويضعهم في خطر أكبر.
وأضاف أن مرضى السكري ليسوا في منأى عن هذا التأثير، فالجفاف يمكن أن يرفع
نسبة الجلوكوز في الدم، ويؤدي إلى انخفاض السكر المفاجئ نتيجة تسارع امتصاص
الأنسولين، مسببًا دوارًا أو حتى فقدانًا للوعي، كما أن الحرارة تؤثر على ضغط الدم
لدى مرضى الضغط المرتفع، إذ قد تسبب انخفاضه المفاجئ؛ ما يشعر المريض بالدوار أو
الإنهاك.
وأخيرًا، يبقى أن هروب الأسر اليمنية إلى مصر وغيرها مجرد حل مؤقت لا يمكن
أن يستمر بسبب ارتفاع تكلفة تذاكر السفر والإقامة من ناحية، وتوقف دخلهم من ناحية أخرى؛
وهو ما يتطلب بالضرورة إنهاء جميع مشكلات الخدمات في البلاد كي يعود اليمن سعيدًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً