الترجمة ضرورة سيادية لتمكين العقل العربي وتوطين العلم
تعتبر الترجمة
فعلًا حضارياً يتجاوز حدود النقل اللغوي من لغة لأخرى ليصبح محركاً محورياً لنهضة
وبناء الإنسان، وقد فطن العرب لهذه الحقيقة منذ فجر نهضتهم، فقد بدأ تعريب
الدواوين والعلوم الأساسية في العصر الأموي، وبلغت الترجمة ذروتها في العصر
العباسي عندما تحولت إلى مؤسسة كبرى هي «بيت الحكمة» ساهمت في تمكين العقل العربي
من قيادة القافلة العلمية العالمية لقرون.
وفي العصر
الحديث، انبعثت حركة جديدة للترجمة في مصر في عهد محمد علي، إلا أنها أجهضت وأحبطت
لأسباب داخلية وخارجية لا مجال للتطرق إليها في هذا المقال، ومع ذلك، فإن مسيرة
ترجمة وتعريب العلوم في القرن الماضي شهدت مفارقات حادة؛ فبينما حققت تجارب رائدة
في مصر وسورية والعراق نجاحات مشهودة في تطويع اللغة لعلوم الطب والهندسة، واجهت
هذه المسيرة تعثراً قضى عليها أو كاد بسبب غياب القرار السياسي الموحد والتسارع
التقني المذهل؛ ما وضع العقل العربي أمام معضلة منهجية؛ أيهما أجدر بالاتباع
للوصول لعلوم العصر؛ الاكتفاء بتعلم اللغات الأوروبية، لغات العلم، كأدوات مباشرة،
أم الاستثمار في ترجمة العلوم لتوطين المعرفة؟
والإجابة عن هذا
التساؤل تتطلب تفكيك أسباب تعثر حركة الترجمة والتعريب الراهنة، واستعادة دور
الترجمة كأداة إستراتيجية لتمكين العقل العربي، لضمان ألا يظل مجرد مستهلك
للمعرفة، وإنما شريك في إنتاجها بلغته الأم التي هي وعاء تفكيره وهويته.
من التأسيس إلى المؤسسة
احتاج انتقال
العرب من القبلية والبداوة إلى قيادة الحضارة إلى محركات ومحفزات كثيرة كانت
الترجمة من أبرزها، وقد بدأت هذه الرحلة في العصر الأموي كحاجة عملية فرضها اتساع
الدولة؛ حيث استدعى تعريب الدواوين (الإدارة) نقل الخبرات الفنية من اللغات
اليونانية والفارسية والقبطية، ويذكر المؤرخون أن خالداً بن يزيد بن معاوية،
الملقب بـ«حكيم آل مروان»، كان أول من رعى ترجمة كتب الكيمياء والطب، مدفوعاً بشغف
شخصي ورؤية سياسية أدركت مبكراً أن القوة تكمن في امتلاك ناصية العلم.
ومع بزوغ فجر
الدولة العباسية، تحولت الترجمة من مبادرات فردية إلى فعل مؤسسي ترعاه الدولة، فكان
تأسيس «بيت الحكمة» في بغداد، لا سيما في عهد الخليفة المأمون، نقطة التحول
المركزية في تاريخ العقل العربي، في هذا المختبر المعرفي، لم يكن المترجم مجرد
ناقل للكلمات، بل كان وسيطاً حضارياً؛ حيث برزت مدارس ترجمة متخصصة، من أشهرها
مدرسة حنين بن إسحاق، وقد تميزت تلك المدرسة بمنهجية الترجمة بالمعنى بدلاً من الترجمة
الحرفية (التي كان يتبعها يوحنا بن البطريق)؛ ما سمح للمصطلح العلمي العربي
بالمرونة والدقة.
ولذلك، فإن
أهمية تلك المرحلة لا تكمن، كما يدعي البعض، في حفظ التراث اليوناني من الضياع
فحسب (وهو الفضل الذي يضطر الغرب للإقرار به للعرب)، بل يكمن في كونها عملية هضم
وتمثيل، فالعلماء العرب لم يكتفوا بنقل إقليدس في الهندسة أو بطليموس في الفلك، بل
قاموا بنقد تلك النصوص وإضافة شروحات وتصحيحات بناءً على أبحاثهم وتجاربهم الخاصة،
وهكذا، مكنت الترجمة العقل العربي من الابتكار المستقل، حيث أصبحت اللغة العربية
لغة العلم الأولى في العالم لعدة قرون، قادرة على استيعاب الفلسفة والمنطق والطب
والرياضيات في نسيج لغوي واحد ومنسجم.
القرن التاسع عشر ومعركة توطين العلم
بعد قرون من
الركود المعرفي الذي خيّم على المنطقة العربية ظهر في مصر مشروع لإقامة دولة كبرى،
لم يلبث إلا قليلاً ثم انهار لأسباب بعضها داخلي وبعضها نتج عن التدخلات
الاستعمارية الأوروبية، مشروع محمد علي باشا في مصر، احتاج محمد علي لجسر لغوي
ينقل علوم أوروبا الحديثة لبناء جيش قوي في مصر، من هنا، لم تكن الترجمة مجرد ترف
أدبي، بل كانت ضرورة بناء.
تمثل هذا التوجه
في تأسيس مدرسة الألسن عام 1835م بقيادة الشيخ رفاعة الطهطاوي، الذي يعتبر المنظّر
الأول لنهضة الترجمة الحديثة، لم يكتفِ الطهطاوي بنقل النصوص، بل وضع فلسفة توطين
المعرفة من خلال صياغة المصطلحات العلمية بلسان عربي مبين، محاولاً جسر الفجوة بين
الموروث اللغوي والمخترعات الحديثة، وتحت إشرافه، تُرجمت مئات الكتب في الهندسة،
والطب، والعلوم العسكرية، والتاريخ، والجغرافيا.
وقد كان
المبتعثون إلى أوروبا في ذلك العصر يمثلون ترجمة حية؛ حيث عادوا ليترجموا ليس فقط
الكتب، بل النظم الإدارية والتعليمية وهي أدوات لازمة لبناء جيش قوي، وقد امتد أثر
تلك التحولات إلى بلاد الشام مما خلق مناخاً فكرياً عاماً آمن بأن الترجمة المعبر
الإلزامي نحو النهضة، ولكن تجربة محمد على تقلصت بتقلص دولته ثم انتهت بانتهائه،
لأن محمد علي لم يكن صاحب مشروع قومي مثل مشروع اليابان، ولكنه كان يصبو لبناء مجد
شخصي مات بموته.
لماذا فشلت تجارب التعريب؟
على الرغم من
الانطلاقات الواعدة لمشاريع التعريب في الدول العربية المركزية (مصر، وسورية،
العراق)، فإن تلك التجارب لم تصل إلى غايتها المنشودة كشأن اللغات العالمية الأخرى
(مثل اليابانية أو الألمانية)، ويمكن إرجاع هذا التعثر إلى جملة من الأسباب
الهيكلية والسياسية والمنهجية، منها:
التذبذب وغياب القرار السياسي
حقق التعريب في
التجربة السورية بعض النجاح لأنه استند إلى إرادة سياسية جعلت من اللغة العربية
هوية وطنية وقومية، في المقابل، افتقرت دول أخرى لهذا الحزم السيادي؛ ففي مصر
والعراق، تذبذبت القرارات بين التعريب تارة وبين العودة للتغريب التعليمي تارة
أخرى، تماشياً مع الانفتاح الاقتصادي أو التغيرات السياسية؛ ما جعل التعريب
مشروعاً مؤقتاً لا إستراتيجية دولة دائمة.
الازدواجية اللغوية والانبهار بلغة الغالب
سادت في الأوساط
الأكاديمية العربية عقيدة مفادها أن العلم لا يُمكن تحصيله إلا بلغه أصحابه، هذا
الاستلاب الثقافي أدى إلى نخبوية العلم، حيث أصبح إتقان الإنجليزية أو الفرنسية
شرطاً للرقي الاجتماعي والمهني؛ ما جعل التعريب يُنظر إليه كخطوة للخلف أو عائقاً
أمام الاندماج في السوق العالمية، وهو ما يُعرف بظاهرة الهزيمة النفسية لغوياً.
تشتت الجهود وغياب المعايير الموحدة
تعددت المجامع
اللغوية العربية (القاهرة، دمشق، بغداد، الرباط)، ومعها تعددت المصطلحات للمفهوم
العلمي الواحد، هذا التشتت أدى إلى غياب قاموس تقني موحد؛ ما جعل الطالب أو الباحث
العربي في حيرة من أمره، وصعّب من عملية التبادل العلمي بين الأقطار العربية، فغدت
كل تجربة جزيرة منعزلة تفشل في تكوين كتلة حرجة تدفع بالتعريب للأمام.
غياب المؤسسية في مقابل الفجوة الزمنية والسرعة الفائقة للعلم
كان لا بد لحركة
الترجمة والتعريب الضعيفة المشتتة أن تتعثر بسبب الانفجار المعرفي الهائل الذي
تشهده البشرية؛ فبينما يستغرق تعريب مرجع طبي أو هندسي سنة كاملة، تظهر في تلك
الأثناء عشرات الأبحاث والمصطلحات الجديدة، وهكذا جعل غياب الترجمة المؤسسية
السريعة والاعتماد على المجهودات الفردية البطيئة اللغة العربية دائماً في حالة مطاردة
يائسة لقطار العلم السريع.
لا توطين للعلم بدون تعريب
ما زال واقع
الانفجار المعرفي يطرح سؤالاً جدلياً: هل الحل في الاستغناء عن اللسان الغربي
واعتماد لغات العلم الأصلية (الإنجليزية تحديداً) في تحصيل العلوم، أم في توطين
العلم عبر الترجمة والتعريب؟ وقد حسمت كل من اليابان والصين هذه القضية، باعتماد
لغاتها كلغات للعلم ومواكبة الجديد من خلال الترجمة، وواقعهما يدل على صواب هذا
الاختيار، لو قارناه بواقعنا وواقع الأمم والدول التي اختارت الخيار الثاني.
ولذلك لا خيار
أمام المتحدثين بالعربية سوى التمكين للترجمة، فالدراسات التربوية تؤكد أن الإنسان
لا يبدع بعمق إلا بلغته الأم التي تشكل وعيه الوجداني، والاعتماد الكلي على لغة
أجنبية يخلق انفصاماً معرفياً؛ حيث يصبح العلم نخبوياً محصوراً في فئة تتقن لغة
أجنبية، وقد لا تتقنها إتقاناً كاملاً، بينما يظل المجتمع غارقاً في الجهل.
هل أخفق مشروع التعريب؟
إن توقف مشروع
التعريب لم يكن عجزاً في بنية اللغة العربية، التي تتفوق في أغلب سماتها عن بقية
لغات العالم، فهي لغة اشتقاقية بامتياز، بل يعود ذلك إلى:
1- الفشل
المؤسسي: فالتعريب يتطلب مؤسسة قومية عربية تملك ميزانيات ضخمة لترجمة آلاف
الدوريات العلمية شهرياً، وهذا غير متوفر، ولا تتوفر النية أو الإرادة السياسية
لإنجاز مثل هذا المشروع القومي الضخم.
2- التشتت
المصطلحي: لا بد من التنسيق بين المجامع اللغوية، لأن غياب التنسيق أدى لظهور
مصطلحات متباينة للمفهوم الواحد بين مشرق الوطن العربي ومغربه.
3- الهزيمة
النفسية والنظرة الدونية: من أهم معوقات التعريب استبطان الهزيمة النفسية لدى بعض
الأكاديميين العرب الذين يربطون بين اللغة العربية والتخلف، وبين اللغات الأجنبية
والتحضر.
الترجمة صناعة سيادية
لا شك أن الترجمة ليست مجرد ترف فكري، وإنما صناعة سيادية وأداة لتمكين العقل العربي من استعادة دوره الحضاري، فمراجعة تاريخنا من العصر العباسي إلى النهضة الحديثة تثبت أن ازدهار العرب ارتبط دائماً بازدهار الترجمة، وأن انكسارهم المعرفي بدأ حين انغلقوا على لغتهم أو حين استبدلوا غيرها بها دون تمكين، إن بناء مجتمعات المعرفة العربية يتطلب إستراتيجية شاملة تزاوج بين الانفتاح على اللغات العالمية وتعريب العلوم من خلال مؤسسات ترجمة قوية، لضمان بناء إنسان قادر على التفكير بلغته، والإبداع في محيطه، والتأثير في العالم.
________________
المصادر:
1- أنور الجندي:
الفكر العربي المعاصر في معركة التغريب والتبعية
2- د. طه عبدالرحمن:
فقه الفلسفة: المفهوم والترجمة.
3- د. إدوارد
سعيد: الاستشراق.
4- د. عبدالصبور
شاهين، العربية لغة العلوم والتقنية.
5- د. عبدالقادر
الفاسي الفهري: اللغة والسياسة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً