ليلة القدر.. بين مظاهر الفضل ومقاصد الإخفاء
ليلة القدر
تسمية عجيبة أضفاها رب العالمين على ليلة فريدة عظيمة المنزلة؛ ففي كتاب ذي قدر
بين الكتب أنزل الله على نبي ذي قدر بين الأنبياء خطاباً لأمة ذات قدر بين الأمم
يدلها على ليلة ذات قدر بين الليالي!
فاجتمعت على
شطآن تلك الليلة المباركة كل الأقدار الشريفة.
وربنا سبحانه
وبحمده حين يعظم شيئاً من الزمان فإنه يدل عباده الصالحين على اغتنام ذلك الزمان
الشريف بما يعود عليهم بمزيد من الصلاح والتقوى والقرب من الله، ولا بد أن ندرك أن
الغاية الكبرى من منظومة العبادات كلها إصلاح الإنسان ليكون صاحب رسالة فيسهم في
بناء الحضارة، وإقامة الخير العام في الأرض، تحقيقاً لغاية الاستخلاف.
ومن شواهد كرم
الله أن يأمرنا بالعبادة ليصلحنا بها، ثم يثيبنا عليها وهو غني عنا وعنها.
خصائص ليلة القدر
ومن شرف تلك
الليلة عند الله تعالى أنه اختصها ببدء نزول القرآن لتكون شاهدة على أعظم محطات
الهداية الإلهية للبشر وعلى أعظم عطايا الله لهم، حين منحهم كلماته الهادية
الباقية ليهديهم إلى صراط مستقيم.
ثم زادها تشريفاً
بأن جعلها موعداً لكتابة الأرزاق والأقدار والآجال، ثم جعل العمل الصالح فيها
مضاعفاً أضعافاً كثيرة، فهي خير في أجرها من ألف شهر، وذلك كله يورث قلوب المؤمنين
حبها وتعظيمها والشوق إليها والحرص على اغتنامها.
الحكمة من إخفاء ليلة القدر
ولنا أن نتساءل:
لماذا يخفي الله ليلة أرادها رحمة وكرامة لعباده الصالحين؟
لماذا لا تكون
معلومة مرصودة يحسنون التهيؤ لها ويغتنمون كل لحظاتها فيغنمون كل فضائلها؟
والجواب عن ذلك
من وجوه:
أولها: إن
الغاية الكبرى من العبادات إصلاح الإنسان وإعادة صياغة نفسه من الداخل، وترتيب
أولوياته ترتيباً صحيحاً، وذلك كله لا يتأتى إلا بالإقبال على الله والبحث عن
الفرصة لا انتظارها وتحري اللحظة الفارقة لنيل الرضا، وصناعة الشغف بمقامات القرب،
وتلك هيئات نفسية يدوم أثرها ويعظم فعلها في النفس.
وكلمة السر في
ذلك كله صناعة النفس المقبلة على ربها الساعية إليه بكل طاقتها.
وثانيها: أن
النفس البشرية بطبعها شغوفة بالمخبوء ترغب في المستور أكثر من رغبتها في الظاهر
المستبين.
الوحي بين التشريف والبلاغ
ولقد أوتي النبي
صلى الله عليه وسلم علم ليلة القدر، فلما هَمَّ ببلاغه أنسيه حين تلاحى عنده رجلان
من المسلمين، ونسيانه شاهد أن ذلك الوحي بعلمها كان وحي تشريف لمقام النبوة ولم
يكن وحي بلاغ، ولو كانه لما أنسيه النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: (سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى) (الأعلى: 6).
فلو كان مراد
الوحي البلاغ لامتنع النسيان وتم البيان؛ لذلك حين أنسيها رسول الله صلى الله عليه
وسلم أعطي أمارة بديلة يعرف بها ليلة القدر وهي ولا شك من خصوصيات النبوة كما جاء
في حديث عبدالله بن أنيس الذي رواه الإمام مسلم: «أُرِيتُ ليلةَ القدْرِ ثمَّ
أُنسِيتُها، وأُرانِي صبِيحتَها أسْجدُ في ماءٍ وطِينٍ».
فكان النبي صلى
الله عليه وسلم بعدها إذا كانت ليلة القدر أمطر في صبحها مطراً شديداً حتى يسجد في
ماء وطين.
ولا ريب أن رفع
علمها عن الأمة كان خيراً، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت
حيث قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من
المسلمين، فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان؛ فرفعت! وعسى أن
يكون خيراً لكم؛ فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» (رواه البخاري (2023)،
ومسلم (1174)).
ووجه الخير في
رفعها هو ذلك المعنى الذي أشرنا إليه من البحث عنها بهمة النفس وإقبال القلب وطول
التعبد الذي عليه مدار صلاح الإنسان ظاهراً وباطناً، وحالاً ومآلاً.
ومن ثم وهو
ثالث مقاصد الإخفاء، فإن الخطة الوحيدة لإدراك ليلة القدر التماسها في سائر العشر
دون تقصير في أي منها؛ لذلك كان صلى الله عليه وسلم «إذا دخل العشر شد مئزره وأيقظ
أهله وأحيا ليله»، فإذا كانت ليلة القدر مخبوءة في العشر فلا سبيل سوى حسن
الاجتهاد في سائر العشر، ومن هناك كانت سُنة الاعتكاف والانقطاع للعبادة في ثلث
رمضان الأخير طلباً لتلك الليلة الموعودة والتماساً لما أودعه الله فيها من
النفحات والبركات.
فاللهم بلغنا
ليلة القدر، واكتب لنا فيها خير ما تكتب لعبادك الصالحين!
اقرأ ايضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً