الكويت وقانون الأسرة.. تعديلات وتحديات

د. عمرو نافع

11 سبتمبر 2025

1867

تقترب الكويت من إنجاز مسوّدة شاملة لتعديلات قانون الأحوال الشخصية بهدف الحفاظ على الكيان الأساسي للمجتمع وهو الأسرة، ومن المنتظر أن تحال تلك التعديلات لـ13 جهة حكومية لإبداء الرأي.

وتأتي التعديلات لقانون الأحوال الشخصية رقم (51) لسنة 1984 للمساهمة في الحد من الخلافات التي تؤدي للتفكك الأسري وخفض معدلات الطلاق ومعالجة الثغرات في القوانين السابقة وبما يتفق مع الشريعة الإسلامية.

ثغرات تقود للتفكك الأسري

حول أهمية التعديلات، كان وزير العدل الكويتي ناصر السميط، قد أشار لخطوة تغيير القوانين من أجل حماية المرأة والقضاء على تعنيفها، سواء أكانت زوجة أم ابنة أم أختاً أم أمّاً، موضحاً في تصريح لصحيفة محلّية أن الأرقام تنذر بخطورة مجتمعية، وبناء عليه استحدثت البلاد تعديلات المنظومة القانونية الأسرية؛ من أجل خفض نسب الطلاق، والحد من الخلافات بين أفراد الأسرة.

وأضاف السميط أن قضايا العنف الأسري بين أفراد الأسرة الواحدة وصل إلى 2498 قضية بمعدل زيادة 100% في العام الماضي.

من جانبه، أوضح رئيس مجلس إدارة الجمعية الكويتية للوقاية من التفكك الأسري خالد المطيري، في تصريحات حديثة حول القانون، أن الأسر اليوم على مفترق طرق، فإما أن تكون مستقرة وممتدة أو تكون مفككة.

وأكد أن قانون الأحوال الشخصية بوضعه القديم يتضمن 5 ثغرات تتسبب في تفكك الأسر الكويتية، ويجب أن يتم تعديلها للحفاظ على الأسرة، وهي: الخلع، والطلاق للضرر، وسن الحضانة، والرؤية، وترتيب الأب في سن الحضانة.

قانون الأحوال الشخصية الكويتي

يُعد قانون الأحوال الشخصية في دول العالم إحدى الركائز الأساسية التي تنظم حياة الأفراد داخل المجتمع، حيث يحدد العلاقات الأسرية من زواج وطلاق وحضانة ونفقة وإرث وغيرها من التشريعات الأسرية، وبالرغم من استناده في بلداننا إلى أحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيس للتشريع، فإن هذا القانون يواجه اليوم تحديات متعددة تفرضها مقتضيات العصر وما تشهده المجتمعات من تطور اجتماعي واقتصادي وثقافي.

صدر قانون الأحوال الشخصية الكويتي رقم (51) لسنة 1984 ليكون المرجع الأساسي في تنظيم مسائل الزواج والطلاق والحضانة والوصاية والإرث، ويعتمد القانون على المذهب المالكي بشكل رئيس، مع استلهام بعض الأحكام من المذهب الحنفي؛ ما يجعله مزيجًا فقهيًا يستجيب لخصوصية المجتمع الكويتي ويقبل التعددية الفقهية التي يحترمها المجتمع الكويتي المتدين.

أبرز ما كان يميز القانون هو حرصه على حماية الأسرة كوحدة أساسية في المجتمع، انسجامًا مع المادة التاسعة من الدستور الكويتي التي تنص على أن الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، لكن شاب القانون القديم بعض أوجه القصور التي كانت تحتاج إلى تعديل.

أهم تعديلات قانون الأسرة المرتقب

لا تزال هناك أوجه قصور في القانون حددها المشرّعون والنخب في القانون الجديد، وأهمها: الزواج قبل سن النضوج الجسدي والعقلي؛ ما عرّض الفتيات القاصرات للطلاق المبكر والإهمال الأسري والتسرب من التعليم.

وثانياً: العنف باسم الشرف؛ فالقانون السابق نقل المسؤولية الجنائية من القتل العمد إلى حماية الشرف من العار؛ ما سمح بانتهاكات كثيرة وخطيرة بحق النساء.

أخيراً، غياب آليات الحماية والتدخل المبكر؛ فالتشريعات القديمة افتقدت الدعم البنيوي لمراكز حماية الأسرة، والرؤية القضائية السريعة للطلاق أو العنف الأسري؛ ما أدى إلى تفاقم مشكلات كثيرة كانت الحلول العادية لا تحسمها.

أبرز المواد المرتقبة للتعديل

- رفع سن الزواج إلى 18 عامًا بدلًا من 15 و17 عامًا سابقًا، وأفصح المشرع الكويتي أن الهدف من ذلك هو حماية الأطفال من الزواج المبكر، وتقليص ظاهرة الطلاق بين القُصَّر.

- إلغاء الأعذار المخفّفة في جرائم الشرف؛ وقد تم إلغاء المادة (153) من قانون الجزاء، التي كانت تُعطي تخفيفًا قانونيًا للرجل الذي يقتل قريبته متلبّسة بأي جريمة تخص الشرف.

- إلغاء العفو عن الخاطف إذا تزوج الضحية، وجاء إلغاء المادة (182) من قانون العقاب؛ لأن هذا النص كان يُهدّد كرامة الضحية ويعمّق جراحها النفسية وبما يتوافق مع روح الشريعة في الزواج المبني على الرحمة والتكافؤ.

- تعزيز دور محاكم الأسرة ومراكز حماية الأسرة؛ وتم التأكيد على ضرورة تفعيل مراكز مناهضة العنف الأسري المنصوص عليها في قانون الأسرة رقم (12) لسنة 2015، التي تتبع محاكم الأسرة وتعمل على حماية أفراد الأسرة ومنازعاتهم.

تحديات مجتمعية ودولية

كان أمام المشرّع مجموعة من التحديات والتوصيات المجتمعية المهمة، منها: الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) تدعو إلى المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة.

ورغم تحفظ الكويت على بعض بنودها التي تتعارض مع الشريعة، فإن النقاش المجتمعي مستمر حول إمكانية تطوير بعض مواد القانون لتعزيز مكانة المرأة.

ومن بين التحديات مواكبة القانون لاتفاقية حقوق الطفل  (CRC): تؤكد هذه الاتفاقية مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وهو ما يتطلب إعادة النظر في بعض الأحكام المرتبطة بالحضانة والرعاية.

أيضاً، يعد تغير أنماط الحياة من بين أبرز التحديات بعد دخول المرأة سوق العمل وانتشار التعليم كلها عوامل تدفع إلى إعادة التفكير في بعض المواد السابقة، مثل النفقة وتقسيم الأعباء الأسرية.

وتتصدر التطورات التشريعية الدولية بين التحديات للمجتمع الكويتي نحو مواءمة مع النظم الدولية، وهي مواءمة تدريجية مع الاتفاقيات الدولية مع احترام الخصوصية الدينية والثقافية.

وقد حرص المشرّع على إدخال آليات الوساطة الأسرية كخطوة أولية لعلاج مشكلة الطلاق، انسجامًا مع التوجهات الحديثة في القوانين المقارنة، والعمل على تحديث المواد المتعلقة بحضانة الأطفال لضمان توافقها مع المعايير الدولية لحماية الطفولة، وتعزيز دور القضاء الأسري المتخصص وتطوير البنية التشريعية بما يراعي المستجدات الاقتصادية والاجتماعية.

تعكس تعديلات عام 2025م في التشريعات الخاصة بقانون الأحوال الشخصية الأسرية الكويتية توجهًا واضحًا نحو تحقيق العدالة المجتمعية في السياق القانوني الحديث، مع تلبية مقتضيات العصر وحقوق الإنسان.

إن قانون الأسرة في الكويت يمثل مزيجًا بين الأصالة الشرعية وضرورات التنظيم المدني العصري، وقد نجح في تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، غير أن مقتضيات العصر الرقمي والتزامات الكويت الدولية فرضت التسريع في إعادة النظر في بعض مواده السابقة لتحقيق مزيد من التوازن بين العدالة الاجتماعية من جهة، والتطور المجتمعي والمعايير الدولية من جهة أخرى.

وبذلك يظل التحدي قائمًا في إيجاد صيغة قانونية تضمن للأسرة الكويتية الحماية والاستقرار، وفي الوقت نفسه تستجيب للتطورات المحلية والدولية بروح منفتحة عصرية متوازنة.


اقرأ أيضاً:

قوانين الأحوال الشخصية العربية.. بين الواقع والمأمول

الطلاق في الكويت.. بين الإحصاءات المثيرة للقلق والرؤى المتفائلة

العائلة الكويتية في الماضي والحاضر.. رحلة من التطور نحو التماسك

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة