القيم الحاكمة للأسرة في القرآن (4)

قيمة الرحمة

مقال للدكتور حسان عبدالله عن قيمة الر حمة في القرآن

نبدأ في البحث القرآني عن أهم القيم الحاكمة لعلاقات الأسرة، ونقصد بالقيم الحاكمة هنا هي محددات رئيسة وإطار كلي لا يمكن للأسرة تجاهله باعتباره مصدر للحماية من الفوضى القيمية التي يمكن أن تحدث في حال غيابها أو غياب الوعي بها، وهي بمثابة اللوائح المنظمة لعلاقات الأسرة بين أعضائها بعضهم البعض.

وغاية هذه القيم المؤَسِسَة بناء علاقات الأسرة على أسس إيمانية ثابتة تساعد على تمتين العلاقات البينية الناشئة عن العلاقات الجديدة "الزوجية" أو ما يتلوها "الوالدية" و"البنوة".

قيمة الرحمة:

القيمة التي نبحث في آثارها الأسرية في ضوء تعاليم القرآن الكريم وتوجيهاته هي قيمة الرحمة.

الرحمة من (رَحِمَ) ووردت مشتقات هذه المفردة: رحم- أرحام -رحمن- رحيم- مرحمة... في القرآن (11) موضعًا يتعلق يتعلق بالبيئة الأسرية بصفة عامة وبأسر الأنبياء بصفة خاصة. ومن هذه المواضع التي وردت فيها قيمة (الرحمة) قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:81]. ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24]. ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: 73]. ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24]. ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الكهف: 82]. ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ [الأنبياء: 84]. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ [ص: 43]. ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ [الأعراف: 151]. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: 53]. ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92].

ومن خلال تحليل موضوعات قيمة (الرحمة) في موضوع العلاقات الأسرية كما وردت في القرآن الحكيم يتبين ما لنا ما يأتي:

-      الرحمة صبغة عامة للعلاقات الزوجية وطبيعة التواصل بين الزوجين [الروم: 21].

-      الرحمة من آداب البنوة ناحية الأبوين [الإسراء: 24]، [الكهف: 81]، [الإسراء: 24].

-      الرحمة: عطف وسد احتياج من المجتمع للأبناء اليتامى [الكهف: 82].

-      الرحمة تفضل من الله لامتثال الأسرة أوامره سبحانه وتعالى [ص: 43] [الأعراف: 151] [الأنبياء: 84] [مريم: 53] [هود: 73].

-      الرحمة مقوم لعلاقات الإخوة بعضهم البعض [يوسف: 92].

لغة: الرحمة: من الرقة والتعطف و(المرحمة) مثله. وقد (رحمه) بالكسر (رحمةً) و(مرحمةً) أيضًا و(ترحم) عليه. و(تراحم) القوم (رَحِمَ) بعضهم بعضًا. و(الرَّحِم) القرابة. والرحمن الرحيم أسمان مشتقان من الرحمة.

     وفي الحديث: "الرحم شجنةٌ من الرحمن"[1]، بضم الشين وبكسرها وهو المشهور: أي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق، ومعناه: أن اسمها من اسمه، وهي مشتقة منه، يقال: "بيني وبين فلان شجنة": أي رحم، ومنه الحديث: "ذو شجون": أي متصل بعضه ببعض[2].

والرحمن الرحيم: صفتان من صفات الله – عز وجل – ولا يوصف بالرحمن غير الله تعالى، وأما الرحيم فجائز أن يقال: "فلان رحيم"، وهو أبلغ من الراحم[3].

معاني قيمة (الرحمة) في مواضعها القرآنية:

   أشارت موسوعة "الكلمة القرآنية" إلى أن الرحمة في القرآن جاءت على أربعة عشر وجهًا هي[4]: الإسلام (الشورى:8)، الجنة (آل عمران:107)، المطر (الأعراف:57)، النبوة (ص:5)، النعمة (الكهف: 65)، القرآن(النمل:77)، الرزق (الإسراء:100)، النصر والفتح (الأحزاب:17)، العافية (الزمر:38)، المودة (الحديد:27)، الإيمان (هود: 28)، التوفيق (البقرة:64)، عيسى بن مريم (مريم:21)، محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الأنبياء:107).

 -وقيل: الرحمة –من الوجهة النفسية- نوع تأثر نفساني عن مشاهدة حرمان المحروم عن الكمال وحاجته إلى رفع نقيصته يدعو الراحم إلى إنجائه من الحرمان ورفع نقصه. وهو بذلك تأثر خاص يلم بالقلب عند مشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتم به أمره، فتبعث في الإنسان إلى ما تتميم نقصه أو رفع حاجته.

 -والرحمة- أيضًا- رقة تقتضي الإحسان إلى المرحُوم، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة والثانية خاصة بالنسبة إلى الله تعالى، فالرحمة من الله إنعام وفضل، ومن الآدميين رقة وتعطف، وعلى هذا فالرحمة منطوية على معنيين: الرقة والإحسان، فَرَكَّزَ تعالى في طبائع النفوس الرقة، وتَفرَّدَ بالإحسان[5].

قيمة (الرحمة) وأثرها على العلاقات الأسرية:

- الأصل أن تقوم الأسرة على المودة أي الحب ومع الحب يكون إيثار، ومع الإيثار يعطي كل من الزوجين صاحبه أكثر من الحقوق التي عليه، أما إذا فتر الحب، فلابد من الأصل الثاني الذي تقوم عليه الأسرة وهو "الرحمة"، وهنا يتأكد البحث في الحقوق حتى لا تضيع. على أنه إذا كان يقع أحيانًا أن يفتر الحب أو يزول تمامًا، وتبقى الرحمة وحدها تدفع كلا من الزوجين إلى الرفق بصاحبه.

فإن كثيرًا ما تجتمع المودة والرحمة فتدفع المودة إلى مزيد من الرحمة والعطف حتى يبلغ التعاطف والبذل أقصى المدى.. وإذا كان مع المودة لطف وتلطف، فمع الرحمة رفق وترفق، ومن الرفق بشريك العمر بعض التقدير لجهده المبذول في رعاية الأسرة، وغض الطرف عن نقاط الضعف عنده، والصفح عن زلاته، ثم جميل رعايته ساعة شدة يمر بها والصبر عليه عند ضعفه أو حاجته[6].

 -والرحمة الصفة اللازمة والمؤسسة للوالدية داخل الأسرة، فقد وصف الله تعالى حمل الزوجة لطفلها ومشقته (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) وما أصبرها بعد ذلك على مشقة التربية والعناية إلا الرحمة التي أُودعت في قلبها نحو صغيرها، وكذلك كدح الأب وعنائه بتوفير النفقة: المأكل والملبس والسكن ومتطلبات الحياة، ما أصبره على ذلك إلا رحمة بأبنائه أن يعرضهم لذل السؤال، أو ذل الحاجة والاحتياج

لذا فإن الله أمر الذرية التي رُحِمت من قبل أن ترحم والديها عند الكبر، وفي حياتهما وفي مماتهما. وكأن صيغة تلك القيمة أنها متبادلة حال الضعف والاحتياج بين الآباء والأبناء من ناحية، وبين الأبناء والآباء من ناحية أخرى، وبالأولى بين الزوجين بعضهم وبعض من ناحية ثالثة.

-ثلاثية السكن والمودة والرحمة: وتنمية الإحساس بالثقة الزوجية: تؤسس ثلاثية (السكن والمودة والرحمة) للحمة العلاقات الزوجية، وما يتبعها من تعميق الشعور بالثقة المتبادلة بين الزوجين، بما ينعكس على أداء أدوارهم ووظائفهم داخل الأسرة، وذلك كما يلي:

-كما تحدد مقاصد هذا اللقاء الزواجي من الناحية النفسية والمعنوية والمادية فهو لقاء من أجل أن يتحقق للإنسان غايته الكبرى التي بحث عنها منذ آدم عليه السلام، وهو السكن والاستقرار، فكان التعليل "لتسكنوا إليها" أي بالزواج، وهذا السكن لا يتحقق إلا بتوفر قيمتين هما: "المودة" و"الرحمة" فهما طريق السكن الحقيقي

 ومضادهما "النفور" و"القسوة" وهما قرينا "الخراب" و"التوتر" والاضطراب وليس السكن، فلا يسكن الإنسان إلا حين يحب ويأنس فيرحم ويقبل على من يحب، وحين تزدحم الحياة، فلا مفر للإنسان إلا لمن يحب ومن يرحم

 فهذا استكمال لأبعاد شخصية الإنسان، التي كما تحتوي الشهوة، تحتوي العاطفة والوجدان أي "الود" و"الرحمة". وهاتان القيمتان مكونان رئيسان لنمو العلاقة الزوجية وتطورها، ولازمٌ لاستكمال الحياة، وتبادل الشعور بالأمن والاستقرار "السكن" فالسكن الزوجي ليس سكنًا ماديًا بل عماده الثاني السكن المعنوي والوجداني، وهذا الأخير أحد أهم ضمانات استمرار السكن في جانبه المادي.

-من الانعكاسات المهمة لهاتين القيمتين –المودة والرحمة- هو تبادل الإحساس بالثقة الزوجية، مما يكون له أثره الواضح على "تنمية الإحساس بالثقة بين الزوجين في هذه المرحلة، كما أنهما عامل أساسي في نمو الزواج، لأن كل منهما يعتمد على الآخر في إشباع حاجاته الجسمية والجنسية والنفسية والاجتماعية، وهي حاجات أساسية لا يستطيع أن يشبعها إلا معه، فإن وجده كفء في ذلك نما الإحساس بالثقة عنده، وإن وجده غير كفء وعرضة للحرمان والإحباط، نما الإحساس بعدم الثقة واضطربت العلاقة الزوجية

 وينمو الإحساس بالثقة بين الزوجين من خلال فهم كل منهما لحاجات الآخر، وتواصله معه عقليًا ووجدانيًا، بطريقة تشعره – أي الآخر – بالاستحسان والتقدير، والتعاطف معه، والثقة فيه وحسن الظن به، والتحبب إليه"[7].

  -كما يساعد تحقق "السكن" وما يتضمنه من "المودة" و"الرحمة" المتبادلة الظاهرة والباطنة، ببناء الإرادات الزوجية المستقلة، فبعد أن كانا الزوجين يعتمدان على أسرة المنشأ فهذا المناخ النفسي الايجابي المطمئن يؤدي إلى الثقة بالذات الزوجية بالقدرة على اتخذا القرارات بصورة مستقلة ومسئولة. حيث "يتحول الزوجان إلى الارتباط معًا في وحدة نفسية، ويزداد اعتماد كل منهما على الآخر، ويستغني به عن غيره من الناس، ويكافح من أجله، ويزداد ولعه به. 

- ومن ناحية أخرى فإنه في المرحلة الأولى من بداية الزواج (1-5 سنوات) يواجه الزوجان في هذه المرحلة ما يسمي "أزمة استقلال" إرادة الزوجين المشتركة، وتحولهما من الاعتماد على الوالدين إلى الاعتماد على نفسيهما، وإثبات كفاءتهما في الحياة الاجتماعية، وتقوية الروابط بينهما، حتى يكونا معًا بنيانًا مرصوصًا، يشد بعضه بعضًا في علاقة حميمية

 وعندما يحس كل من الزوجين في هذه المرحلة بالإرادة المشتركة، ويعتبرها إرادته هو، ويتخذ قراراته في الأسرة (بضمير نحن)، فإنه يسلك سلوكيات تؤكد ارتباطه بالزوج الآخر، ويحرص على عمل ما يرضيه، ويساعده في الحصول على حقوقه[8].

-يؤثر ثلاثي القيم الرئيسة في العلاقات الزوجية (السكن والمودة والرحمة) والتي تقوم في ذات الوقت كمقاصد أساسية لبناء الزوجية، بالدور الرئيس في "التوافق الزواجي"، وتشير إحدى الدراسات الميدانية إلى " أن التوافق الزواجي يتأثر بالشعور بالحب فكلما كان شعور الفرد بالحب أفضل مما كان يتوقع كان التوافق أكبر والعكس صحيح.

 فقد حصل الأفراد الذين كان شعورهم بالحب أفضل بكثير مما كانوا يتوقعون على متوسط في التوافق الزواجي...كما أنه في حالة الشعور بالحب أفضل من توقع الفرد فإن التوافق يزداد في حالة شعور الفرد بالصحبة أفضل مما كان يتوقع، وينخفض في حالة ما إذا كان شعور الفرد بالصحبة عاديًا فقط"[9].

-------------

المراجع:


[1] الترمذي (1924).

[2] محمود عبد الرحمن: معجم المصطلحات الفقهية، ج2، ص135.

[3] محمود عبد الرحمن: معجم المصطلحات الفقهية، ج2، ص135.

[4] أحمد الكبيسي: موسوعة الكلمة وأخواتها في القرآن، ج5، ص111.

[5] الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ص347.

[6]  عبد الحليم أبو شقة: تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج5، ص163.

[7] كمال مرسي: العلاقة الزوجية والصحة النفسية، ص218.

[8] كمال إبراهيم مرسي، العلاقة الزوجية والصحة النفسية، ص219.

[9] كلثوم بلميهوب: الاستقرار الزواجي.. دراسة في سيكولوجية الزواج، ص306 - 307.

 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة