«لكل مقام مقال».. رحلة من ديوان العرب إلى آيات الذكر الحكيم
يُعرِّف علماء
العربية البلاغةَ بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أن يطابق الكلام مقتضى الحال،
فماذا يعنون بهذا؟
يعنون أن لكل
مقامٍ مقالًا، وهذه العبارة الشائعة التي نتداولها دائمًا تلخِّص البلاغة، أعني:
لكل مقامٍ مقال، فأنت مع الأستاذ تتكلم كلامًا يختلف عن كلامك مع أبيك، أو مع
أخيك، أو مع أمك، أو مع البائع في السوق، وأنت مع وزيرٍ أو أمير أو خليفة، أو ما
إلى ذلك، أيضًا يختلف مقامك، فما كلُّ مقامٍ يمكن أن يُتَكَلَّمَ فيه بإيجازٍ
مثلًا، وما كلُّ مقامٍ يمكن أن يُتَكَلَّمَ فيه بإطنابٍ أي بتطويلٍ وتكثير للكلام.
من أدب الفطرة إلى أدب الحضارة
يروى أن علي بن
الجهم وهو شاعر من شعراء العصر العباسي، وفد على المتوكل، والمتوكل من الخلفاء
العباسيين المعروفين، وفد عليه يمدحه، فابتدره بقوله:
أَنتَ كَالكَلبِ
في حِفاظِكَ لِلوُدِّ وَكَالتَيسِ في
قِراعِ الخُطوبِ
أنْتَ كَالدَّلْـــــــو
لاَ عَدِمْتُكَ دَلْوًا مِن كِبَارِ الدِّلا كَثِير الذّنُوبِ(1)
فهو يمدحه بأنه
وفي، وبأنه عظيم، وبأنه كريم، لكن هذا لا يليق بالخليفة، ولذا هَمَّ به جُلَّاسُ
الخليفة، فقال لهم المتوكل: مَهْ، اصبروا، هلَّا وضعتموه في بغداد، ورأيتم ما يكون
منه! هذا شاعر جاءكم بأحسن ما عنده، ما عنده إلا الدلو والتيس والكلب، ولهذا قال: أنت
كالكلب في الوفاء!
لقد عرف
المتَوَكل قوته ورقة قصده وخشونة لَفظه، وَعرف أَنه مَا رأى سوى مَا شبَّه؛
لملازمته البَادِيَة وَعدم مخالطته، فَأمر لَهُ بدار حَسَنَة على شاطئ دجلة وفيهَا
بُسْتَان يتخلَّله النسيم والجسر قريب مِنْهُ، وَأمر لَهُ بجائزة سنية، فلطُف طبعه
عَن أول أمره، وَأنْشد الْأَشْعَار البليغة الرقيقة بعد ذَلِك، وكان في مقدمتها
تلك القصيدة العصماء التي خلَّدها الأدب:
عُيُونُ المها
بينَ الرُّصافةِ والجسرِ جلبنَ الهوى من
حيثُ أدري ولا أدري
أعدنَ لي
الشَّوقَ القديمَ ولم أكن سلوتُ ولكن
زدْنَ جمـــــــــــــــــــــرًا إلى جمرِ
فقال المتوكِّل:
كادَ يذوب رقَّةً.
هذا الذي جاءكم
بشعره الجافي الغليظ الذي لا يليق بالأمراء ولا الخلفاء، هذَّبته الحضارة، وصقلته
البيئة، ثم إنه عرَف أن مقام الخلافة يختلف عن مقام البداوة التي كان عليها؛
فقدَّم ما يليق بهذه الخلافة.
البلاغة القرآنية.. التدرج من المساواة إلى الإطناب
إذن لكل مقام
مقال، هكذا هي البلاغة، وبهذا أدَّبنا القرآن، فهو يُطنِب في مجال الإطناب، ويوجز
في مجال الإيجاز، فلا يُطِيل في مجالٍ ينبغي فيه أن يُوجَز.
قَالَ صَاحِبُ
الكَشَّافِ: «كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْبَلِيغِ فِي مَظَانِّ الْإِجْمَالِ
وَالْإِيجَازِ أَنْ يُجْمِلَ وَيُوجِزَ فَكَذَلِكَ الوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي
مَوَارِدِ التَّفْصِيلِ أَنْ يُفَصِّلَ وَيُشْبِعَ»(2).
وقال
الْجَاحِظُ: ومما مدحوا به الإيجاز والكلام الذي هو كالوحي والإشارة، قول أبي دؤاد
ابن حريز الإياديّ:
يَرْمُونَ
بِالْخُطَبِ الطِّوَالِ وَتَارَةً
وَحْيَ الْمُلَاحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَاءِ(3)
وقديمًا سُئِل
أبو عمرو بن العلاء، وهو سيد القُرَّاء رحمه الله: أكانت العرب تطيل؟ فقال: نعم
لتبلغ، قيل: أفكانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ عنها(4).
أي إذا كانت
هناك أحاديث، وأخبار، وأيام، فيحسن في هذا الإطالة، ويليق فيه الإسهاب، أما
الأمثال والحكم فتجد فيها من الإيجاز والإحكام ما لا ينقضي منه العجب، من مثل: يداكَ
أوكَتا وفوكَ نفخ، الصيفَ ضيعتِ اللبن، الحربُ خدعة، لَا تَعْدَمُ الْحَسْنَاءُ
ذَامًا؛ الذامُ هنا هو العيب، أي مهما بلغت الحسناء من جمال، فهي لا تعدم عيبًا من
العيوب.
هذا الإيجاز هو
الذي جعل من هذه الحِكَم أمثالًا سائرةً تحفظ على مدار الزمان.
وهكذا فالإيجاز
مطلوب، والإطناب مطلوب، ولكلٍّ موضعٌ.
ومن الأمثلة
القرآنية آيات من سورة الكهف، في قصة سيدنا موسى مع الرجل الصالح الذي آتاه الله
سبحانه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما، إذ صحبه سيدنا موسى؛ ليعلمه مما أوتي
علمًا، فقال: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ
مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً {66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) (الكهف).
نلاحظ هنا في
ردِّه الأول: أنه قال له كلامًا مساويًا للمعنى الذي يريد أن يوصله له، أنت لا
تستطيع أن تصبر عليَّ، فالكلام هنا عند البلاغيين فيه المساواة، ساوى اللفظ المعنى
تمامًا، ليس فيه إطناب، وليس فيه إيجازٌ، إنما فيه مساواةٌ.
وتمضي القصة
معنا إلى أن يركبا السفينة: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي
السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ
شَيْئاً إِمْراً {71} قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) (الكهف).
ونلاحظ هنا في
ردِّه الثاني أنه قال: «أَلَمْ أَقُلْ»، فقد زاد على عبارته تلك تذكيرًا، «أَلَمْ
أَقُلْ» فيه شيء من الإطناب، إذن مقتضى الحال هنا اقتضى منه أن يزيد شيئًا على ما
قال في المرة الأولى:
فقد قال أولاً: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ
صَبْرًا) (الكهف: 67)، وقال ثانيًا: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)
(الكهف: 72)، ثم زاد أيضاً في المرة الثالثة كلمة: «لَكَ» إذ قال: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ
تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) (الكهف: 75)، لأن الحال يقتضي هذه الزيادة،
ويقتضي هذا الإطناب، فهو ينذره للمرة الثالثة، ويعطيه الفرصة الأخيرة.
إذن فهو في
المرة الأولى نبَّهَهُ، وفي المرة الثانية ذكَّره، وفي المرة الثالثة أنذره.
ثم ماذا؟
ثم عندما خالف
بعد الإنذار فارقه بعبارة موجزة لا تعليل لها: (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) (الكهف: 78)؛
وهنا إيجازٌ كاملٌ، لم يحتجْ معه إلى تعليلٍ، لأنه يريد أن يفارقه، ولن ينبهه، ولن
يذكِّرَه، ولن ينذره، فقد استوفى كل ذلك، فكان الفراق الذي لا رجعة بعده.
ثم عندما علَّل
له الأمور التي لم يتبيَّنْها، ولم يعرف العلة والحكمة من ورائها، أوجز أيضًا؛
فقال: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا
لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (الكهف: 82)؛ فقد بلغ به الإيجاز أن حذف
التاء فقال: «تَسْطِعْ» ولم يقل: «تَسْتَطِعْ»، هذه التاء حذفت تخفيفًا، وفيها
أيضًا ضرب من الإيجاز بالحذف.
أرأيتم كيف
تختلف المقامات فيختلف الكلام لاختلاف هذه المقامات.
لكلٍّ وَجْهٌ وَموضع
قيل لبشار بن
بردٍ، وهو الشاعر المخضرم بين الدولتين الأموية والعباسية:
إِنَّكَ
لَتَجيءُ بالشيء الهجين المتفاوت.
قال بشّار: وما
ذاك؟
قال: بينما تثير
النقع وتخْلَعُ القلوب بقولك:
إِذَا مَا
غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَريَّةً هَتَكْنَا
حِجَابَ الشَّمْس أَوْ تُمْطِرَ الدَّمَا
إِذَا مَا
أَعَرْنَا سَيِّدًا مِنْ قَبِيلةٍ
ذُرَا مِنْبَرٍ صَلَّى عَلَيْنَا وَسلَّمَا
نَراكَ تقول:
رَبَابَةُ
رَبَّةُ الْبَيْتِ تَصُبُّ
الْخَلَّ في الزَّيْتِ
لَهَا عَشْرُ
دَجَاجَاتٍ وَدِيكٌ حَسَنُ الصَّوْتِ
فقال بشّار: لكلِّ
وَجْهٌ وَموضع، فالقولُ الأوّل جِدٌّ، والثاني قُلْتُه في (رَبَابَةَ) جاريتي،
وَأنَا لا آكُل البيض من السّوق، و(رَبَابَةُ) لها عشْرُ دَجاجات وديك، فهي تجمع
لي البيض، فهذا القول عندها أحْسَنُ من «قِفَا نَبْكِ منْ ذِكْرى حَبِيبٍ
وَمَنْزِلِ» عندك(5).
اقرأ أيضاً:
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً