التعليم عن بُعد.. طوق النجاة في زمن الحرب
ذات يوم وقفت
معلّمة في خيمة نصبتها بمدينة رفح جنوبي قطاع غزة التي تتعرض لأبشع أشكال حرب
الإبادة الصهيو غربية، وتساءلت: ما التعليم في زمن الحرب؟ فكان جوابها: فعل
الإصرار على أن ثمّة مستقبلًا، حتّى عندما يكون الحاضر مشتعلًا.
وإذا كانت أم
الحروب في غزة لم تمنع طلّابها في المدارس والجامعات من سعيهم الحثيث لاستكمال
دروسهم ولو بطرق بدائية، يتعلمون والبطون خاوية والروح خائفة، حتى لا يصادر المحتل
مستقبل أولادهم كما صادر حاضرهم، فمن باب أولى أن يكون ذلك النموذج حاضراً في
أمتنا لتوفير منظومات متطورة تتيح لطلابها التعلم عن بُعد في ظل الطوارئ والحروب.
تشير تقارير
المنظمات الدولية –يونيسف، ويونسكو- إلى أن المدارس في حالات النزاع توفر للأطفال
الحماية الجسدية والدعم النفسي والشعور بالاستقرار، كما تحميهم من الاستغلال
والتجنيد في الجماعات المسلحة، كما تؤكد الدراسات أن التعليم في الأزمات يعيد
للأطفال الإحساس بالحياة الطبيعية والروتين والاستقرار الاجتماعي، وهو عنصر أساسي
في التعافي النفسي بعد الصدمات.
وحسنًا فعلت دول
الخليج العربي حين أقرت مؤخراً التعلم عن بُعد بشكل مؤقت نظراً لظروف الحرب
الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران، وامتداد نيرانها إلى دول المنطقة، وقد أطلقت
قبل سنوات موجة واسعة من المبادرات للتعلم عن بُعد، وخاصة بعد جائحة «كوفيد 19»،
ورأينا في دولة الكويت مثلاً في عام 2024م، الاستثمار بشكل كبير في تطوير البنية
التحتية الرقمية؛ ما ساهم في تحسين جودة التعليم عن بُعد مع تعاون وزارة التربية
والتعليم مع منصات ومنها «Microsoft
Teams» ونشر
الفصول الافتراضية، وهو ما طبقته كل دول الخليج على أرضها بشكل فاعل يستجيب للتوجه
العالمي بتبني نموذج هجين للتعليم الحضوري والافتراضي.
مدرسة الطوارئ
ماذا سيحدث لو
تفرغ أولادك وأولاد الحي والجيران لأخبار الحرب تارة، واللهو على منصات التواصل
والألعاب بعد غلق المدارس؟
الحال أن
الأطفال والمراهقين ستنمو بينهم عوارض القلق والخوف، وسيتأخر الطلاب عن اللحاق
بدروسهم وسيحدث لهم حالة من التكلس العقلي، وسيحدث أن يلجؤوا لملء فراغهم بكل ما
يضاعف مخاوفهم أو يصرفهم لما يضر بسلامتهم وهويتهم الدينية والوطنية.
في ظل حالات
الطوارئ؛ تؤدي المدرسة دوراً مهماً في بث الطمأنة والوعي لدى الطلاب في زمن الحرب،
وليس فقط تلقينهم الدروس؛ لذا فالمدرسة ضرورة لا رفاهية كما قد يتصور بعض الأهالي
حين يصيحون في ضجر: هل هذا وقت للتعلم والصواريخ تخلع القلوب في السماء؟! الرد
ببساطة: نعم.
الأرقام تتحدث
تأثرت الحالة
التعليمية لطلاب الوطن العربي بفعل الحرب، من حيث الأرقام، يعاني السودان أكبر
حالة طوارئ تعليمية في العالم، وتشير التقديرات التي نشرتها منظمة «يونيسف» إلى أن
19 مليون طفل خارج المدارس، وأن 90% من المدارس مغلقة في جميع أنحاء البلاد بسبب
الصراع العنيف المستمر.
وبحسب منظمة «الأونروا»،
ففي غزة أدت الحرب وتدمير 95% من البنية التحتية التعليمية وترك أكثر من 660 ألف
طفل خارج المدارس؛ أي ما يقرب من جميع سكان غزة في سن الدراسة، لكن بمعاونة منظمات
حقوقية دولية ومحلية أمكن توفير فصول بديلة مؤقتة داخل المخيمات لمواصلة التعلم من
جهة، وتقديم الدعم النفسي للطلاب في زمن الحرب، خاصة وأن معظمهم أصيب فرد من أفراد
عائلته بإصابات حادة أو استشهد، مع أزمة حادة في توفير الحد الأدنى الصالح لبقائهم
آمنين وعلى قيد الحياة.
يؤدي المعلمون
دوراً كبيراً في قطاع غزة؛ في مدينة رفح مثلاً نرى صور طلاب يمارسون في الخيام
التعلم والرسم والرياضة والإنشاد برغم قسوة الحرب.
إذا انتقلنا
خارج العالم العربي، سنرى في أوكرانيا التي تواجه ضربات روسيا العنيفة مثالاً على
قدرة المجتمع على التضامن مع نحو 5 ملايين طفل يواجهون عوائق الوصول لمدارسهم بشكل
آمن، ومع إغلاق العديد من المدارس في الخطوط الأمامية أو تشغيلها عن بُعد، يذهب
أكثر من 420 ألف طفل إلى المدارس عبر الإنترنت بالكامل، بينما يستخدم مليون طفل
نموذجًا هجينًا ويذهبون لمدارس تحت الأرض وفي مترو الأنفاق لضمان مواصلة تعليمهم.
التعلّم المزدوج
لا يمكن أن تكون
المدرسة الإلكترونية بديلاً عن الفصول الطبيعية بالطبع، هذه القاعدة بات مسلمٌ بها
في دول العالم المتقدم؛ إذ إن التفاعل الشخصي الحي بين الطلاب وأقرانهم ومعلّميهم
يعزز شخصيتهم وسلوكهم ونموهم العقلي والبدني، مع توفر بيئة لممارسة الأنشطة
والهوايات وتلقي الدروس؛ لكن من باب آخر هناك اتجاه حقيقي لتفعيل التعلّم المزدوج
مع الرقمي وقد ثبت تحفيزه دوافع التعلم الممتع بدرجة أكبر.
يزداد هذا
التصور حضوراً كلما كانت البلاد تمر بأزمات كبرى من مثل الصراعات والحروب أو حتى
الكوارث الطبيعية والجوائح الصحية التي تعوق وصول الطلاب الآمن لمدارسهم.
وتمتاز المدارس
الإلكترونية بمرونتها الفائقة وفاعليتها مع كل شرائح الطلاب بمختلف مستوياتهم
الاجتماعية والعقلية والثقافية، هذا النمط أيضاً يوفر الكثير من المال والجهد
ويعين الطلاب أصحاب الصعوبات الخاصة وذوي الهمم على مواصلة التعلم.
ومن حيث الوقت؛
يمكن للطالب أن يستمع لمحاضرته خلال اليوم، وهناك آليات لتسجيل الحضور وتسليم
الواجبات والتقييمات والامتحانات الدورية، وهناك آليات أيضاً للحضور وجهاً لوجه
بشكل منتظم في نسبة من المحاضرات لضمان التفاعل والاستماع للأسئلة وكسر حالة
العزلة التي تخلقها أجواء الحرب والإغلاق وبالتالي التخفيف النفسي على الطلاب
واحتواء مخاوفهم.
مبادرات زمن الحرب
تعد دول الخليج
العربي من أبرز الداعمين لبرامج التعليم في مناطق النزاع من خلال مبادرات دولية،
مثل: تمويل برامج تعليم اللاجئين، ودعم التعليم في مناطق الكوارث، وإنشاء مدارس
رقمية للأطفال المتضررين من النزاعات.
وعلى سبيل
المثال، تعمل المؤسسات القطرية مثل مؤسسة «Education Above All» على دعم تعليم الأطفال المتضررين من النزاعات حول العالم، كما
أطلقت الإمارات برامج مثل المدرسة الرقمية (Digital School) لتوفير التعليم للاجئين والأطفال في مناطق النزاعات.
يأتي ذلك إدراكاً
لكون المدرسة محضناً مهماً للأطفال في مناطق الحرب، خاصة وأنهم يتعرضون لصدمات
متعددة مثل فقدان الأقارب أو النزوح أو القصف، وتساعد المدرسة على توفير بيئة
منظمة تقلل من مستويات الخوف والقلق، وتعمل على تأكيد روابطهم الأسرية والمجتمعية
وشعورهم بهويتهم وقدرتهم على تجاوز الخطر.
بقي أن تسارع
دول العالم العربي وفي قلبها دول الخليج في استحداث مناهج تواكب متطلبات المرحلة
مثل الذكاء الاصطناعي واللغات، وتطوير أنظمة تعليم مرنة في الظروف الطارئة، وبث
برامج توعية أولياء الأمور والطلبة والمعلمين بكيفية الاستفادة من تلك المنصات
الحديثة.
يحتاج معلمونا
كذلك للتدريب على طمأنة الطلاب وتوعيتهم بتاريخهم وحاضرهم ودعم المنهج الرباني في
صدورهم الذي يربط مقاومة الاعتداء والصبر على المحن وتخطيها بروح عالية بالنصر
والبشرى في الدنيا والآخرة، وبذلك تصبح المدارس الرقمية والبديلة حصن أمان لجيل
عربي قادم في زمن الحرب والصراع.
اقرأ
أيضاً:
خبراء:
«التعليم عن بُعد» غزو جديد لأوكار الجهل
البيت يعلّم
والمنصات تتحكم.. ثورة التعليم الموازي في الخليج
التعليم الرقمي
في الكويت.. من «التعلم عن بُعد» إلى «التحول الذكي»
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً