ما وراء كأس العالم!
ينظر البعض إلى
كأس العالم لكرة القدم بوصفه حدثاً رياضياً ومنافسة كروية لا أكثر، وهي نظرة
قاصرة، لا تدرك قيمة وأهمية وتأثير المونديال العالمي الذي يقام كل 4 سنوات، تحت
أنظار سكان كوكب الأرض.
«مونديال 2026»
الذي يقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بمشاركة 48 دولة، للمرة الأولى في
تاريخ اللعبة، الأكثر شعبية حول العالم، هو ساحة لاستعراض الثقافات، وهيمنة
الهويات.
تحت ستار لعبة
كرة القدم، وشغف الجماهير بمتابعة نجوم اللعبة أمثال ميسي، رونالدو، صلاح، مبابي،
فينيوس، لامين جمال.. وغيرهم، تحاول الدول المستضيفة تمرير رسائل سياسية وقيمية
وحضارية، وجني مكاسب ضخمة على جميع المستويات.
غسل السمعة
تستخدم البطولات
الكبرى عادة فيما يعرف سياسياً وإعلامياً بـ«غسيل السمعة»، وهي إستراتيجية دأبت
على تنفيذها الدول والمنظمات؛ للتغطية على انتهاكاتها الحقوقية، أو سجلها المزري
في ملف حقوق الإنسان، أو جرائمها في حقوق الشعوب الأخرى، وهو الأمر الذي يتكرر في «مونديال
2026»، الذي يتزامن مع دعم لا محدود تقدمه واشنطن للعدو الصهيوني في عدوانه على
غزة ولبنان وإيران، بعد حرب إبادة شهدت استشهاد أكثر من 70 ألف فلسطيني تحت نظر
الولايات المتحدة الداعم الأكبر للاحتلال «الإسرائيلي».
ربما كان نجم
كرة القدم المصرية السابق محمد أبو تريكة هو أكثر من لمس هذا الوتر الحساس، حينما
شن على الهواء مباشرة هجوماً لاذعاً على الولايات المتحدة، مؤكداً أن من يريد غسل
سمعته السياسية يلجأ إلى تنظيم كأس العالم، منتقداً تورط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد
ترمب في حرب الإبادة الجماعية الدائرة ضد الشعب الفلسطيني، وشن حروب ظالمة على دول
أخرى، بدعوى نشر الديمقراطية.
تقف «لوبيات»
وشركات عملاقة وراء صناعة غسيل وتبييض السمعة، مدعومة بموازنات مالية ضخمة، وأنشطة
خيرية وإنسانية ورياضية، وأدوات معقدة للتأثير على صناع القرار، وعبر استمالة نجوم
ومشاهير، لإبراز التفوق الحضاري لدولة ما، وصناعة صورة إيجابية تتنافى مع الحقيقة.
تمرير الشذوذ
لا يمكن غض
الطرف عما تعرضت له العاصمة القطرية الدوحة في «مونديال 2022»، من ضغوط غربية
للسماح بفعاليات للشواذ جنسياً، ورفع علم المثليين، وهو ما يتكرر في «مونديال 2026»،
حيث يجري توظيف تلك المناسبة الكروية لتمرير ثقافة الشذوذ بين اللاعبين والجماهير
والمشاهدين حول العالم.
يقول المنظمون
المحليون المدعومون من الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا): إن فكرة إقامة «يوم
دعم المثلية» تمثل لحظة فريدة من نوعها لعرض مجتمعات الميم (الشذوذ) في واشنطن
والاحتفاء بها، وهو ما ترفضه منتخبات الدول العربية والإسلامية المشاركة في
البطولة وعددها 11 منتخباً، هي السعودية، وقطر، والأردن، ومصر، وتونس، والجزائر، والمغرب،
والسنغال، وإيران، وأوزبكستان، وكوت ديفوار.
لم يقف الأمر
عند تخصيص يوم لدعم الشذوذ الجنسي، بل جرى -عن عمد- اختيار مباراة مصر وإيران في
26 يونيو، في مدينة سياتل التي تحتضن مجتمعاً مثلياً كبيراً، باعتبارها «مباراة
فخر» لدعم حقوق الشواذ، وهو ما رفضه البلدان، حيث أبدى الاتحاد المصري لكرة القدم،
في خطاب رسمي موجه لـ«فيفا»، رفضه القاطع لإقامة بعض الأنشطة المرتبطة بدعم المثلية
الجنسية خلال تلك المباراة، وأنه يرفض تماماً مثل هذه الأنشطة، التي تتعارض بشكل
مباشر مع القيم الثقافية والدينية والاجتماعية في المنطقة، ولا سيّما في المجتمعات
العربية والإسلامية.
واستند الخطاب
المصري إلى مبادئ «فيفا» المقررة في لائحة النظام الأساسي، وتحديداً المادة
الرابعة، التي تؤكد «الحياد في المسائل السياسية والاجتماعية، والحفاظ على الحياد
في القضايا السياسية والاجتماعية، خلال مسابقات «فيفا»، وضمان عدم استخدام كرة
القدم كمنصة للترويج لقضايا تكون ذات حساسية أو طابع خلافي».
تغول قيمي
تتعمد شبكات
وقنوات التلفزة نقل مباريات المونديال مصحوبة بلقطات حميمية من مقاعد الجماهير،
وصور عارية لمشجعات لا يرتدين سوى الملابس الداخلية، في محاولة لترويج وفرض نمط
الثقافة الأمريكية والغربية في الملابس والعادات والتقاليد، وإنعاش تجارة الجنس
والبغاء على هامش البطولة، وسط متابعة 6 مليارات مشاهد رقمي حول العالم؛ أي ما
يعادل 75% من سكان الأرض.
على صعيد آخر،
يزداد التغول التكنولوجي في البطولة من خلال استخدام الكرات الذكية، وكاميرات
الحكام، وتقنية التسلل شبه الآلية، إضافة إلى تقنيات جديدة لتبريد ملابس وأحذية
اللاعبين، وهي تكنولوجيا مملوكة لشركات أمريكية تطمح في استغلال المونديال لترويج
منتجاتها وتحقيق مبيعات مليارية.
ما وراء كأس
العالم ليس فقط البحث عن التنافس الكروي والرياضي، بل يعد المونديال مضماراً دولياً
لاستعراض النفوذ السياسي والاقتصادي، وسوقاً ضخمة لبيع التقنية والتكنولوجيا،
وساحة عالمية لفرض الهويات والثقافات، ومعركة خفية لتمرير الشذوذ والعري والتطبيع.
يترقب الجميع
إذن ما سيحدث في «مونديال 2026»، لكن التساؤلات تظل تطرح نفسها: هل تظهر فلسطين في
المدرجات كما ظهرت في مونديال قطر؟ وكيف سينتصر المسلمون في معركة الشذوذ؟ وإلى
متى يظل التمييز العنصري ضد الأفارقة؟ وهل يكسر العرب احتكار النجاح الغربي في
المستطيل الأخضر؟ وما فرص ملياري مسلم في استثمار الحدث الرياضي من أجل نصرة قضايا
الأمة الإسلامية؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً