الولادة تصنع أُماً والتربية تصنع أُمة
اقتضت سُنة الله
في خلقه أن يكون الزواج سبيلَ عمارة الأرض، وأن يكون التكاثر امتدادًا للحياة
وتحقيقًا للاستخلاف، (وَاللَّهُ
جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم
بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل: 72)، ولم يجعل الوالدية مجرد علاقة نسبٍ
وولادة، بل حمَّل الوالدين أمانة التربية والرعاية والتوجيه، ليكون الأبناء ثمرة
صالحة لأنفسهم، ولبنة نافعة في بناء المجتمع، وذلك ضمن المسؤولية أمام الله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم: 6)، وصلاح الأبناء
واستقامة سلوكهم يأتيان ثمرة رعاية واعية وغرس للقيم والإيمان منذ السنوات الأولى
من العمر.
وقد جعل الإسلام
هذه المهمة مسؤولية مشتركة بين الأب والأم، غير أن نصيب الأم من هذه الرسالة أعظم؛
فهي الأقرب إلى أطفالها، والأكثر احتكاكًا بهم، والأطول زمنًا في صحبتهم؛ ما يجعل
تأثيرها في تكوينهم أعمق وأبقى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والمَرأةُ
في بَيتِ زَوجِها راعيةٌ وهي مَسؤولةٌ عن رَعيَّتِها»(1).
ومن هنا، فإن
دور الأم لا يقف عند تلبية الاحتياجات اليومية العادية، بل رسالتها الأسمى أن تكون
المربية التي تغرس الفضائل وتبني الشخصية، وتنشئ جيلًا يحمل القيم ويملك العلم
ويتحلى بالأخلاق، ليكون لبنة صالحة في بناء مجتمعه وأمته.
الأمومة.. بين الغريزة والرسالة
الأمومة ليست
مجرد حدث بيولوجي تُنجِز به المرأة وظيفة الإنجاب، وإنما هي رسالة تربوية وإنسانية
وحضارية، تتجاوز حدود الغريزة إلى صناعة الإنسان وبناء الأجيال، فثمة فرق كبير بين
أُمٍ تكتفي بأداء الوظيفة الفطرية للولادة، وأُمٍ تدرك أن رسالتها الحقيقية تبدأ
بعد الولادة، فتجعل من بيتها مدرسة للتربية، ومن حضنها منبعًا للقيم، ومن سلوكها
قدوة تُخرِّج رجالًا ونساءً يحملون رسالةً وأخلاقًا ومسؤولية.
والأم صاحبة
الرسالة تعتني بروح طفلها كما تعتني بجسده، وتغذي عقله كما تغذي بدنه، وتزرع في
قلبه الإيمان، وفي نفسه القيم، وفي سلوكه الانضباط.
ولهذا، فليس كل
من أنجبت أصبحت مربية؛ فالولادة سُنة فطرية تشترك فيها النساء، أما التربية
الواعية فهي اختيار ومسؤولية، تتطلب علمًا وصبرًا وبصيرة وإخلاصًا، وهي التي تصنع
القدوات، وتعدُّ القادة، وتبني الإنسان الصالح المصلح، الذي يكون لبنة قوية في
مجتمعه، وإذا تكاثرت هذه اللبنات، نشأ مجتمع متماسك، وقامت أمة قادرة على صناعة
النهضة وبناء الحضارة.
التربية مسؤولية الأم الأولى
من أهم القضايا
التي ينبغي التأكيد عليها أن الأم صاحبة الدور الأول في تربية أبنائها، ولا يصح أن
تتنازل عن هذه المسؤولية أو تُلقي بها على عاتق غيرها، مهما كانت مشاغلها أو
ظروفها، فالأم قد تحتاج إلى راحة من بعض الأعمال، لكنها لا تستطيع أن تأخذ إجازة
من رسالتها التربوية؛ لأن التربية رسالة تمتد في كل لحظة من حياة الأبناء، إذْ هي
قدوة تُرى، وكلمة تُقال، ونظرة تحمل معنى، وموقف يُرسِّخ قيمة، وأسلوب حياة
يتشكَّل من خلاله وعي الطفل وشخصيته، فكثير من القيم يكتسبها الأبناء مما يعيشونه
أكثر مما يسمعونه، ومن سلوك الأم قبل توجيهاتها، ومن أفعالها قبل كلماتها.
ومن الأخطاء
الشائعة ظن بعض الأمهات أداء الواجب بمجرد إرسال الولد إلى المدرسة، والحقيقة أن
المدرسة ليست بديلًا عن البيت، بل تأتي داعمة لما غُرِس فيه، ولذلك تبقى الأم
مسؤولة عن المتابعة قبل ذهاب أبنائها إلى المدرسة، وأثناء مراحل تعلمهم، وبعد
عودتهم، فتراقب ما يتلقونه، وتصحح ما قد يعتري أفكارهم أو سلوكهم من خلل، وتبقى هي
خطُّ الدفاع الأول لِما قد يحصل لأبنائها من مُدخلات سلبية من البيئة المحيطة.
وكذلك من صور
التفريط في هذه المسؤولية؛ أن تُفوِّض بعض الأمهات مهمة التربية إلى الخادمة، أو
إلى قريبة أو أي شخص آخر، اعتمادًا على قُربه من الأبناء أو كثرة ملازمته لهم، ولا
شك أن الاستعانة بالآخرين في بعض شؤون الرعاية أمر قد تدعو إليه الحاجة، لكن
التربية شيء آخر؛ فهي لا تُوكَل ولا تُفوَّض، لأنها عملية بناء للهوية، وغرس
للقيم، وتشكيل للشخصية، وهذه مسؤولية لا يقوم بها على الوجه الأكمل إلا الوالدان،
وفي مقدمتهم الأم بما منحها الله من قربٍ عاطفي وتأثير فطري في نفوس أبنائها.
وكلما كان
حضورها التربوي أعمق وأقرب؛ كان البناء النفسي والأخلاقي لأبنائها أكثر رسوخًا،
وأقدر على مواجهة تحديات الحياة والانحرافات الفكرية والسلوكية، وإذا قصَّرت الأم
فإن المسؤولية عليها وعلى الأب كاملة والخطر كبير؛ «فمَن أهمَلَ تعليم ولده ما
ينفعه، وترَكه سُدًى، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادُهم
من قِبَل الآباء، وإهمالهم لهم، وترْك تعليمهم فرائض الدين وسُننه، فأضاعوهم
صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءَهم كبارًا»(2).
الأم في زمن التجاذبات والتحديات
إذا كانت تربية
الأبناء مسؤولية عظيمة في كل زمان، فإنها في عصرنا أصبحت أكثر تعقيدًا وأشد
تحديًا، فقد فتحت الثورة الرقمية الأبواب أمام عالم لا تحده حدود، وأصبح الطفل
يتعرض منذ سنواته الأولى لِكَمٍّ هائل من المؤثرات الفكرية والثقافية والسلوكية،
حتى غدت الشاشات رفيقًا دائمًا لكثير من الأطفال والناشئة.
وفي ظل هذا
الانفتاح غير المسبوق، لم تعد الأسرة المؤثر الوحيد في تكوين شخصية الطفل، ومن هنا
فالأم مُطالبة بأن تكون أكثر وعيًا، وأقرب إلى أبنائها، وأدق متابعة لما يتلقونه،
وأن تحسن توجيههم، حتى يميزوا بين النافع والضار، وما ينسجم مع هويتهم وما يهددها،
وهذا جوهر المسؤولية الوالدية، وفي الحديث: «ما نحل والدٌ ولدًا مِن نحْلٍ أفضلَ
من أدبٍ حسنٍ»(3).
ومع عِظم هذه التحديات؛ تزداد مكانة الأم وأهمية دورها، فما زالت هي المدرسة الأولى، وصاحبة الأثر الأقوى في وجدانهم إذا أحسنت أداء رسالتها، فالأبناء يتشكَّلون في أعماقهم بما يعيشونه داخل بيوتهم، وبما يجدونه من حب وتوجيه وحوار وقدوة، أما إذا غابت عن رسالتها، أو انشغلت عن متابعة أبنائها، أو تركت الفراغ ليملأه العالم الرقمي بكل ما فيه؛ فإن هذا الفراغ لن يبقى فارغًا، بل ستملؤه مؤثرات أخرى قد تصوغ عقول الأبناء وقيمهم بعيدًا عن المبادئ التي تتمنى الأسرة غرسها فيهم.
وباجتهاد الأم
وحسن تربيتها؛ كم من ولدٍ بل كم من يتيم أصبح رائدًا! وبتضييع أُمٍ؛ كم من ولدٍ
صار أضيع من اليتيم! ولهذا نرى شوقي قد وُفِّق في تقرير الحالتيْن؛ الأم المَدْرسة
والأم الضائعة المضيِّعة:
ليس اليتيمُ
مَنِ انتهى أبواهُ من همِّ الحياةِ
وخلَّفاهُ ذليلا
إن اليتيمَ هو الذي تلقى لهُ أمًا تخلَّتْ أو أباً مشغولا(4)
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً