عظماء قانونيون (4)

الأمير محمد عبدالكريم الخطابي.. قاضي الريف

أسامة الشاهين

01 نوفمبر 2026

10

الأمير_محمد_عبدالكريم_الخطابي

اضطر الاستعماران المتنافسان الإسباني والفرنسي للتعاون معاً، حتى يتمكنا من القضاء على «جمهورية الريف»، التي أسسها هذا المسلم العظيم القانوني بين عامي 1921 و1926م، ووضع لها دستوراً وبرلماناً وعلماً وعملة، وبنى جيشاً نظامياً بزي موحد.

إنه الأمير محمد عبدالكريم الخطابي، الذي ولد عام 1882م، في إحدى بلدات المغرب الريفية، وكان والده زعيماً وقاضياً لقبيلة «بني ورياغل»، حيث تعلم القرآن الكريم وعلوم الشريعة الإسلامية، وأكمل دراسته وصولاً إلى جامعة القرويين المغربية، أول جامعة نظامية حديثة في العالم، ثم جامعة سلمنكة، أول جامعة إسبانية، حيث درس القانون.

ثم انتقل إلى مدينة «مليلية»، حيث عمل مدرساً وصحفياً، ثم تولى القضاء الشرعي فيها، وارتقى حتى صار «قاضي القضاة»، يفصل في خصومات المسلمين بأحكام الشريعة الإسلامية، حيث اكتسب من عمله العام هذا خبرة بالبلاد والعباد، وعرف الاستعمار الإسباني عن كثب.

ولما تجاوز المحتلون الإسبان حدود المدن الساحلية، وأخذوا يتوغلون في الريف المغربي، قاد البطل الخطابي -خلفاً لوالده وبعون أخيه- الحركة التحررية والمقاومة الشعبية، حيث استطاع توحيد القبائل الأمازيغية المسلمة، وإنهاء الثارات والخلافات فيما بينها، وأشاد جمهوريته الريفية الوليدة.

وانتصر في عدة معارك ضخمة، منها «ملحمة أنوال»، في يوليو 1921م، حيث خسر الإسبان 15 ألف قتيل، منهم القائد الأعلى للقوات الإسبانية في المغرب الجنرال سلفستر، الصديق الحميم للملك الإسباني ألفونسو الثالث عشر.

ولكن الحصار الاستعماري الدولي، وتعاون الاستعمارين الفرنسي والإسباني بقوة تجاوزت 250 ألف جندي، وفيالق خونة ومرتزقة، واستخدام الغازات السامة والقنابل الحارقة والمدفعية الثقيلة، جعل هذا القانوني العظيم يضطر لتسليم نفسه عام 1926م؛ حماية للمجاهدين والحاضنة الشعبية، حيث نفاه الفرنسيون إلى جزيرة «ريونيون» النائية في الجنوب الغربي للمحيط الهندي.

وفي عام 1947م، أثناء نقله إلى فرنسا، تمكّن من مغادرة السفينة في بور سعيد المصرية، فمنحته -وعائلته- مصر الكنانة والعروبة حق اللجوء والعمل السياسي، حيث بدأ فوراً مرحلة جديدة من الجهاد والمقاومة، تعتمد على السياسة والإعلام والتمويل.

وترأس «لجنة تحرير المغرب العربي» التي تبنت تحرير تونس وليبيا والجزائر والمغرب، ونص البند الأول من ميثاق تأسيسها: «المغرب العربي بالإسلام كان، وللإسلام عاش، وعلى الإسلام سيسير في حياته المستقبلية».

وقد تحولت «حرب العصابات» وتكتيكاته القتالية وجمهوريته الموؤودة إلى مدرسة وقدوة عملية للثوار والحركات التحررية حول العالم، وهو الذي قال: «نحن في عصر يضيع فيه الحق إذا لم تسنده قوة»، وقال: «انتصار الاستعمار ولو في أقصى الأرض هزيمة لنا، وانتصار الحرية في أي مكان هو انتصار لنا».

والأمير الخطابي واضح الإيمان بالقانون والحرية، لذا قال: «لا حرية دون دستور، وليس هناك من دستور، إلا الدستور الوطني الذي تضعه الأمة بنفسها ولنفسها»، وقال: «ليس في قضية الحرية حل وسط»، و«الحرية حق مشاع لبني الإنسان وغاصبها مجرم».

توفي هذا المسلم العظيم، القاضي، الأمير، المجاهد، يرحمه الله، عام 1963م، بالقاهرة، ودُفن في مقبرة الشهداء بها، بعيداً عن جبال ريفه المغربي الحبيب، حيث أقسم على ألا يعود له إلا إذا تحرر المغرب العربي الكبير بأسره.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة