من نصائح ابن عطاء الله السكندري..

كيف تتخلص من قلق الرزق والمستقبل؟

إن قلة اشتهار الكتاب الذي بين أيدينا للإمام ابن عطاء مقارنة بـ«حكمه» لا يعني بحال من الأحوال أنها تقل حكمة عنها، كيف وكلاهما من مشكاة واحدة، ولما كانت حياتنا المعاصرة مليئة بالقلق الذي ينبع جُله من التدبير للمستقبل، ارتأيت أن أقتبس من نور هذا الكتاب العظيم ما نستضيء به في ظلام هذه الحياة وغياهب القلق مما تخبئه لنا بنات الدهر في جعبها.

التدبير وأقسامه

قبل أن نشرع في الكلام على كيفية إسقاط التدبير، من المهم أن نبين مقصود الإمام ابن عطاء بالتدبير الذي يروم إسقاطه.

فالتدبير عنده على نوعين: تَدبيرٌ مَحمُودٌ، وتَدبيرٌ مذمومٌ.

التدبير المذموم: هو كل تدبيرٍ لمصلحة النفس، لا للقيام بحق الله عز وجل، كالتدبير في تحصيل معصية، أو طاعةٍ بوجود رياءٍ وسمعة، ونحو ذلك.

التدبير المحمود: هو ما كان تدبيراً بما يقربك من الله، كالتدبير في براءة الذمة من حقوق المخلوقين: إما وفاء بحقوقهم وإما استحلالًا بطلب العفو منهم، وتصحيح التوبة إلى رب العالمين.

والتدبير للدنيا على قسمين: تدبير الدنيا للدنيا، وتدبير الدنيا للآخرة.

تدبير الدنيا للدنيا: هو أن يدبر في أسباب جمعها افتخارًا بها واستكثارًا، وكلما زاده فيها شيئاً ازداد غفلة واغترارًا، وأمارة ذلك أن يشغله عن الطاعة، ويؤدي به إلى المعصية.

تدبير الدنيا للآخرة: كمن يشتغل بحرفة أو تجارة أو وظيفة ليأكل منها حلالًا، ولينعم بها على ذوي الفاقة إفضالًا، وليصون بها وجهه عن سؤال الناس، وأمارة من طلب الدنيا لله تعالى؛ عدم الاستكثار والادخار.

ونهيُ الإمام ابن عطاء هنا عن الادخار يُفهم في سياق كلامه، وطيات بيانه، فهو يعني ألا ينشغل المسلم بمراكمة الأموال لتأمين مستقبله ومستقبل أولاده من بعده، وكلما بلغ هدفًا، جعل لنفسه هدفًا آخر، فينتقل من الدنيا للدنيا مستزيدًا من الدنيا، وهو في كل ذلك لاه عما خلقه الله عز وجل لأجله ابتداءً وهو عبادته، وكما يتضح من المثال الذي ذكرته البون الواسع بينه وبين ما ذكر عن تدبير الدنيا للآخرة.

وفرق بين أن يكون للإنسان مدخرات تقيه شر نوائب الدهر إذا حللن، وليس هذا بالمعيب، فقد أشار إليه الإمام ابن عطاء حين تكلم على من ضعف توكله أن يصل لدرجة تفويض كامل أمره لله عز وجل على الحقيقة، فرق بينه وبين من يجمع المال للمال، مع علمه في كثير من الأحيان أنه لن يعيش لينفق ما جمع، فيُسأل عنه هو وينفقه غيره.

وفي هذا المعنى يقول الإمام علي بن أبي طالب، ناصحًا ابنه الحسن رضي الله عنه: يا بني، لا تخلف وراءك شيئًا من الدنيا، فإنك تخلف لأحد رجلين؛ إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت به، وإما رجل عمل فيه بمعصية الله فشقي بما جمعت له، فكنت عونًا له على معصيته.

وليس أحد هذين حقيقًا أن تؤثره على نفسك.

وأما زعم البعض أن طلب الدنيا لا يشغله عن الله عز وجل فلا بينة على دعواهم، بل ويخالفها قول الله تعالى: (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (الأحزاب: 4)، وإنما التدبير المنهي عنه هو التدبير فيها لها، وعلامة ذلك أن يعصي الله تعالى من أجلها، وأن يأخذها كيف كان من حِلِّها، أو غير حلها، فلما توجه إنسان إلى وجهتين إلا ويقع الخلل في إحدى الوجهتين، والقيام بالأوجه كلها في الوقت الواحد من غير أن يقع في شيء منها خلل، إنما ذلك من شأن الإلهية.

التنوير في إسقاط قلق الرزق

أفاد تعالى بقوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ) (الروم: 40)، أن الرزق قد أمضي شأنه، وأبرم أمره، وليس للقضاء فيه أمر يتجدد في الأحيان، ولا يتعاقب بتعاقب الزمان، وإنما يتجدد ظهوره؛ أي جريانه في أيدي العباد، لا ثبوته؛ أي كتابة ما سيكون لمن سيكون، وأفاد بقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) (الروم: 40)؛ أن الخلق والرزق مقترنان؛ أي: كما سلمتم لله بأنه الخالق من غير شريك لكم في الخلافة معه، فكذلك سلموا له أنه الرزاق، وكما انفرد بكم بالخلق والإيجاد، كذلك هو المنفرد بالرزق والإمداد، ومما يلزم لهم أن يشهدوا رزقه من غيره، وإحسانه من كل شيء كما خلق من حيث لا واسطة ولا أسباب، كذلك هو يرزق من حيث لا واسطة أو وجود سبب.

الإجمال في الطلب

قد نتساءل: ما الإجمال في الطلب في قوله صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»؟ وفحوى كلام الإمام أن الإجمال هو ألا ينشغل الطالب بمطلوبه عمن بيده كل مطلوب بأن ينصرف همته في طلبه فيشغله ذلك عن صلاته وذكره.

وأن يتوجه إلى الله أولًا وأخرًا، وليعلم في توجهه أن المدعو به على ثلاثة أقسام:

١1- ما هو خير قطعاً، فاطلبه من الله تعالى من غير استثناء، كالإيمان، بجميع الطاعات.

2- وما هو شر قطعاً، فاطلب من الله السلامة منه من غير استثناء كالكفر والمعصية.

3- وما هو مبهم الأمر، كالغنى، والعز، والرفعة، فاطلب ذلك من الله تعالى قائلاً: «إن علمت ذلك خيراً لي».

وأخيرًا، نخرج من كتاب بدرس من أعظم وأعمق دروس الحياة ألا هو ضرورة التوكل على الله تعالى، والأخذ بالأسباب دون التعويل عليها، بل الحرص على تفويض، فإنك (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً) (الطلاق: 1).


اقرأ أيضا:

من الحياة: حقائق عن القلق



الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة