حكاية الخليفة العادل مع سيف ظالم وقلم باطل
يُحكى أن الوليد بن عبدالملك أُتي يومًا برجلٍ
من الخوارج، وقد بدا على وجهه أثر التحدي، وفي عينيه شرر الجرأة، فأمر الوليد بإحضاره
بين يديه، ثم سأله مستفهمًا بحدّة السلطان: ما تقول في الحجاج؟
فرفع الخارجي رأسه، ولم يتردد، كأنما كان
ينتظر هذه اللحظة، وقال بلسانٍ لا يعرف المداراة: وما عساي أن أقول في الحجاج؟ وهل
الحجاج إلا خطيئة من خطاياك، وشرارة من نارك؟ فلعنك الله، ولعن الحجاج معك.
ثم اندفع يسبّهما سبًّا قاسيًا، لا يلوي على
شيء، فالتفت الوليد، وقد اشتد غيظه، إلى عمر بن عبدالعزيز، وكان حاضرًا المجلس، وقال:
ما تقول في هذا؟
فأجابه عمر بهدوء الحكيم، لا يخشى في الحق
لومة لائم: وما أقول فيه؟ هذا رجل يشتمكم، فإمّا أن تشتموه كما شتمكم، وإمّا أن تعفوا
عنه.
فغضب الوليد، واستشاط، وقال وقد رمقه بنظرة
اتهام: ما أظنك إلا خارجيًّا.
فغضب عمر بدوره، ولم يمنعه غضبه من الصدق،
وقال: وما أظنك إلا مجنونًا.
ثم قام من مجلسه وخرج مغضبًا، لا يلتفت وراءه،
فلحقه خالد بن الريّان، وكان من حرس الخليفة، وقال له بلهجة حادة: ما دعاك إلى ما كلمت
به أمير المؤمنين؟ والله لقد مددت يدي إلى قائم سيفي، أنتظر متى يأمرني بضرب عنقك.
فنظر إليه عمر بثبات، وقال: وكنت فاعلًا لو
أمرك؟
قال خالد دون تردد: نعم.
ومضت الأيام، حتى ولي عمر بن عبدالعزيز الخلافة،
فجاء خالد بن الريّان، فوقف على رأسه كما كان يقف على رؤوس من سبقه من الخلفاء، وكان
في المجلس رجل من الكُتَّاب، يضر وينفع بقلمه، فجاء فجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه
الخلفاء.
فنظر عمر إلى خالد بن الريّان، ثم قال بصوتٍ
هادئ، يحمل قوة العدل: يا خالد، ضع سيفك؛ فإنك تطيعنا في كل أمر نأمرك به.
ثم التفت إلى الكاتب، وقال: وأنت أيها الكاتب،
ضع قلمك؛ فقد كنت تضرُّ به وتنفعُ بغير حق.
ثم رفع عمر كفّيه نحو السماء، وقال بلهجةٍ
فيها من اليقين ما يرجفُ القلوب: اللهم إني قد وضعتهما لك، فلا ترفعهما.
قال الراوي: فوالله ما زالا بعد ذلك وضيعين،
مهينين، بشرّ حال، حتى ماتا.
بيان وفوائد
في هذه الحكاية التراثية الغنية بالمواقف
والدلالات تتجلّى جملة من الفوائد والعِبر والدروس، تمتد من الجانب الديني إلى الاجتماعي
والسياسي، ومن أخلاق الأفراد إلى منهج الحكم:
أولًا: الفوائد الدينية:
- قيمة العدل والإنصاف: يظهر موقف عمر بن عبد
العزيز نموذجًا للحاكم العادل الذي لا ينحاز للسلطة لمجرد كونها سلطة، بل يحتكم إلى
الحق، ويخيِّر بين الرد والعفو، وهو خُلُقٌ قرآني ونبوي.
- خطورة الظلم وعواقبه: ربط الخارجي بين الحجاج
والوليد يدل –وإن كان بأسلوب فظ– على أن الظلم لا يُنسب إلى الأفراد فقط، بل إلى من
مكّنهم وسكت عن أفعالهم.
- الإخلاص في النية: دعاء عمر بن عبدالعزيز
دليل على صدق توجهه إلى الله، وإدراكه أن القوة الحقيقية ليست في السيف ولا في القلم،
وإنما في رضا الله وعدله.
- الدعاء سلاح المؤمن: دعاؤه لم يكن انتقامًا،
بل سلم الأمر لله، فجاءت عاقبة المدعو عليهما موافقة للعدل الإلهي.
ثانيًا: الدروس الأخلاقية والاجتماعية:
- الشجاعة في قول الحق: تميز عمر بن عبدالعزيز
بشجاعة أخلاقية نادرة؛ فلم يجامل الخليفة، ولم يسكت عن الخطأ رغم خطورة الموقف.
- ضبط النفس والحكمة: لم ينجرّ عمر إلى سبّ
أو شتم، بل قدّم رأيًا متزنًا، يضع الخيارات أمام الحاكم دون إثارة أو تصعيد.
- خطورة اللسان إذا انفلت: الخارجي، رغم صدقه
المحتمل في بعض ما قال، خسر التعاطف بسبب أسلوبه الجارح؛ ما يدل على أن الحق إذا قُدّم
بغير حكمة أضاع أثره.
- تحوّل المواقف بتغيّر المواقع: خالد بن الريّان
أطاع بالأمس أمرًا ظالمًا، ووقف اليوم ذليلًا بعد زوال السلطة، في إشارة إلى هشاشة
القوة المبنية على الأشخاص لا القيم.
ثالثًا: الدروس السياسية:
- المسؤولية السياسية لا تتجزأ: الحاكم مسؤول
عن ولاته وأعوانه، وأخطاء الموظفين الكبار تُحسب على رأس السلطة إن لم تُحاسَب.
- السيف والقلم أدوات خطيرة: السيف يبطش بالقوة،
والقلم يبطش بالتأثير؛ وكلاهما إذا خرج عن العدل كان أداة فساد لا إصلاح.
- العدل أساس بقاء الدولة: لما تولّى عمر بن عبدالعزيز، بدأ بإسقاط أدوات الظلم لا بتغيير الوجوه فقط، فكان ذلك سرّ هيبته وبقاء ذكره.
- السلطة تزول والقيم تبقى: الوليد، وخالد،
والكاتب؛ زالت قوتهم بزوال المنصب، في حين بقي اسم عمر بن عبدالعزيز مقرونًا بالعدل
إلى اليوم.
اقرأ أيضاً:
عدْلُ السلطان ملكشاه.. والأمير الذي أصبح عبداً بسبب بطيخة!
قصة اليهودي مع عبد الملك بن مروان ... العدل
قيمة إنسانية مشتركة
اترك تعليقاً
التعليقات (1)
جمال منصور
منذ 7 أشهررحم الله عمر بن عبدالعزيز