النفس.. واعتياد النعم!
اعتياد النفس
للنعم مؤذن بخراب عمران الرضا في جنباتها، فتتحول نعم رب البريات إلى مسلّمات لا
تثير في النفس شكرًا ولا تقديرًا، فيصير الإنسان محاطًا بِنَعِم لا تُحصى يراها
لكنه لا يكاد يبصرها، ويغدو كسجين القفص الذهبي، فهو محاط بالذهب، لكنه حبيس
تطلعاته وشهواته التي بنت حوله قضبانًا حالت بينه وبين شكر المنعم.
اعتياد النعم كظاهرة علمية
إن اعتياد النعم
مما وضع تحت مجهر البحث العلمي وخُص بالدراسة حتى أطلق عليه انعدام التلذذ (Anhedonia)، وعُرف بأنه حالة تقوم بالنفس تكون فيها المتعة والعدم سواء، إذ
فيها يفقد الإنسان قدرته على الاستمتاع بالأشياء التي كانت تُسعده في السابق،
ويخفت فيها بريق السعادة تدريجيًا، فلا يسلتذ بطعامه، ولا يسعد برفقه خلانه، وحتى
إذا حقق هدفًا طال سعيه وراءه لم يجد للسعادة أثرًا في نفسه، ووجد مكانها طمعًا في
المفقود، وانعدام شكر على الموجود، وقد سُبقوا إلى ما وجدوا.
فأرباب التزكية
الذين جعلوا النظر في أحوال النفس، والسلوك بها من الرفث في الطين إلى سلوك مدارج
رب العالمين قد عرضوا لهذا بالبحث والنظر، ولا أسهل على النفس من الاعتياد، فهي
كالطفل تنشئ على ما نشأها عليه صاحبها، إذا جد جدت وإذا خمد خمدت، وكذلك حالها في
سائر أمورها، فالنفس البشرية إذا اعتادت النعمة، وإن كانت يومًا ما شغوفة بها،
مشوفة إليها، خفّت حلاوتها في القلب، بل وربما أعرضت عنها بالكلية.
نظر الشريعة إلى الملل واعتياد النعم
وما أحسن وصية
سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه إذ يقول: «لا أملّ ثوبي ما وسعني، ولا أملّ
زوجتي ما أحسنت عشرتي، ولا أملّ دابتي ما حملتني، إن الملال من سيِّئ الأخلاق»،
ولا ريب أن مرد أنفة النفس عن الشكر هو ملل الاعتياد، فالهاتف الذي كنت تحلم به
سرعان ما صار قديمًا ولم يمض عليه عام بين يديك، وصرت تتطلع لغيره كما كنت تتطلع
له، وعلى مثل هذا فقس، ومرده كذلك إلى تطبع الإنسان بطبع العصر الذي يعيش فيه،
أدرك ذلك أم لم يدركه، فعصر السرعة المبني على الإشباع الفوري لا بد أن يكون
إنسانه كذلك.
وينسى الإنسان
أو يتناسى، ويغفل أو يتغافل، أن ما بين يديه من مسلّمات يأنف منها ويبغي لها
زوالًا، وبغيرها إبدالًا، هي جنة الله في أرضه لغيره، وكم مرة نسي الواحد منا أن
يحمد ربه على شربة ماء تأتيه بلا عناء، باردة تروي الظمأ في الصيف، معتدلة في
الشتاء، وغيره ربما يقضي نصف يومه ليحصلها ثم لا يحصل عُشر معشارها من النقاوة
والبرودة، وما أخبار هؤلاء عنا ببعيد.
وإن من الرزية ألا
ينال الإنسان من تنعمه في الدنيا سوى السؤال عن ذلك التنعم في الآخرة، فلا منه
استمتع ولا منه شكر، ثم في النهاية فني ولم يذر، حقيق بالمسلم أن يقلب النظر في
أحوال خلق الله كما أرشدنا لذلك سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم إذ قال: «انظروا
إلى من هو أسفلَ منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقَكم، فإنه أجدَرُ ألا تزدَروا نعمةَ
اللهِ عليكم».
وقوله كذلك صلى
الله عليه وسلم: «مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ
يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا»، ومما يُستأنس به لذات المعنى كذلك قول
الإمام ابن مفلح في فروعه: «وليحذر العاقل إطلاق البصر، فإن العين ترى غير المقدور
عليه على غير ما هو عليه».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً