الأسرة العربية وهدر الطعام!

منى عبدالفتاح

15 أبريل 2026

253

الأسرة العربية وهدر الطعام!

حينما تدوي صفارات الإنذار، فإن الأمر ليس جرس إنذار، فحسب، تحسباً لهجوم، أو لإخلاء موقع، أو لأخذ احتياطات السلامة اللازمة، بل رسالة تذكير للمرء بأخذ العدة الكاملة، واستنفاد جميع الأسباب للحفاظ على النفس.

رسائل الحرب، أي حرب كانت، في أي منطقة حول العالم، ليست سياسية وعسكرية واقتصادية فحسب، بل تتعدى ذلك إلى كونها رسالة لكل أسرة، وزوجة، وفرد، تفيد بأن أسباب القوة، يتصدرها الحفاظ على النعم، وصون ما أنعم الله به على الإنسان من صحة وطعام وشراب ومسكن ومال وغيره.

بين لحظة وضحاها، قد يتبدد كل شيء لدى المرء؛ جراء صاروخ غادر، أو شظية مميتة، أو طائرة مسيرة، وقد يصير ما كان سهلاً ومتاحاً ومتوفراً، غالياً ونادراً وصعب المنال.

عربيا وإسلامياً؛ هل نصارح أنفسنا بـ«جردة حرب»، وفاتورة حساب للخسائر والمكاسب، وتقييمات لمستوى الجاهزية، ومراجعات للأولويات، ومصارحة بالإيجابيات والسلبيات، وإعداد للخطط والبدائل؟

هدر كبير

الواقعية تقتضي منا؛ مجتمعياً وأسرياً، فتح ملف هدر الطعام في البيت، وفي المطعم، وفي الفندق، وفي مقار العمل، وفي الولائم الجماعية، والمناسبات الاجتماعية، وغير ذلك مما نشاهده في مجتمعاتنا العربية والإسلامية من موائد باهظة الكلفة، يرفع القائمون عليها شعار التبذير والإسراف.

عالمياً، يسود الفقد والهدر الغذائي في جميع النظم الغذائية والزراعية العالمية، فقد جرى إلقاء حوالي 931 مليون طن أو ما يعادل 17% من المواد الغذائية المتاحة للمستهلكين بصناديق نفايات المنازل والمطاعم وتجار التجزئة وغيرها في العام 2019م، بحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).

وعربياً، في مصر، على سبيل المثال، ورغم اقتصادها المتعثر، يبلغ متوسط حجم الهدر الغذائي للفرد الواحد حوالي 91 كيلوجرامًا من الطعام سنويًا، بينما تقدر كميات الطعام التي تهدر في الأردن بحوالي 950 ألف طن سنوياً، بحسب بيانات صادرة عن «الفاو».

أما في المغرب، فقد تخلصت الأسر المغربية من نحو 4.2 ملايين طن من المواد الغذائية خلال العام 2022م؛ أي بمعدل 113 كيلوجرامًا للفرد سنويًا، وفق إحصاءات حكومية صادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

ويفيد التقرير الصادر عن شركة الاستشارات العالمية (أوليفر وايمان)، ومقرها نيويورك، بأن مستوى هدر الطعام للفرد في دول الخليج يبلغ في المتوسط 150 كيلوجراماً سنوياً؛ أي أعلى بنحو 14% من المتوسط العالمي، البالغ 132 كيلوجراماً.

ويزداد معدل الهدر في بعض البلدان، ففي السعودية، على سبيل المثال، يهدر الفرد نحو 184 كيلوجراماً سنويا، وهو ما يكلف المملكة قرابة 40 مليار ريال سنوياً، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الزراعة السعودية.

في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن فاتورة استيراد الدول العربية للمواد الغذائية تبلغ 100 مليار دولار، في العام 2023م، وفق تقرير قطاع الشؤون الاقتصادية بجامعة الدول العربية.

أسباب الهدر الغذائي 

أسباب الهدر الغذائي تعود في المقام الأول إلى مفاهيم خاطئة ترى في التبذير والإسراف وجاهة وربما مفخرة اجتماعية، وكذلك ثقافة استهلاكية بغيضة، تجد وفرة في المال والسلع والبضائع، دون تقدير للنعم، وسط غياب للوازع الديني بشأن صون وشكر النعمة.

يفاقم من الظاهرة التي تؤرق دول العالم أجمع، التقدير الخاطئ لاحتياجات الفرد والأسرة من الطعام يومياً، وغياب ثقافة ضبط الهدر، وتحسين إدارة الفائض، إضافة إلى كثرة الولائم والمناسبات الاجتماعية.

يقول مختصون: إن عدم فرض مخالفات على المهدرين، وضعف المنظومة القانونية للحد من هدر الغذاء، وغياب آليات وتطبيقات التعامل مع فوائض الطعام، وإعادة توزيعه على المحتاجين، يزيد من جسامة المشكلة، التي قد تلقي بأعباء ثقيلة على الحكومات، حال ندرة الغذاء، خاصة في أوقات الحروب والأزمات.

حلول عاجلة لهدر الطعام

تفاقم الأزمة، وما يشهده الاقتصاد العالمي من تعثر وأزمات نتيجة الحروب والصراعات، قد يتيح فرصة مواتية لوقف الفقد والهدر في الغذاء، وتحويل تلك الفوائض إلى ثروة، يعاد تدويرها، في أعمال الخير مثلاً، وتوزيعه على الأسر المحتاجة والمتعففة.

وهناك تجارب رائدة في هذا المجال، تقوم على إعادة استخدام فوائض الطعام كطاقة بديلة، ما يسهم في حماية البيئة من التلوث والقمامة والاحتباس الحراري، وأيضاً وقف عملية استنزاف المياه والطاقة والأرض وهي جزء رئيس من عملية إنتاج الغذاء.

وتوصي دراسات حديثة بإنشاء مراصد وطنية للهدر الغذائي، بما يتيح قاعدة بيانات علمية، ويزيد التعاون بين حلقات إنتاج وتصنيع وبيع الأغذية، وحجم الفاقد، وكيفية الاستفادة منه، من خلال شراكات بين المؤسسات الخيرية، والمطاعم والفنادق والأسواق، تتيح إعادة التوظيف الأمثل للفوائض الغذائية.

وتوظف دول أوروبية تطبيقات إلكترونية لرصد ما تستخدمه الأسر من الأطعمة طبقاً لتواريخ تناولها من الثلاجة وإرسال رسائل تذكير تقدر تكلفة فائض الأطعمة، بما يغير نمط التفكير لدى الأفراد بشأن معدلات الاستهلاك، فضلاً عن توفير «ثلاجة الشعب» لجمع فائض الأطعمة وإتاحتها للمحتاجين إليها، وتطبيقات على الهواتف الجوالة تربط المتبرعين بالمحتاجين بشكل مباشر.

ولدى فرنسا تجربة ناجحة اعتمدت على خفض حجم الصحون بمقدار سنتيمترين، وتقليص وزن الرغيف بمقدار 10 غرامات، بما قلص التبذير بشكل كبير، خاصة عند توزيع آلاف الوجبات يومياً.

يتحتم على الجميع؛ عربياً وإسلامياً وعالمياً، تبني إستراتيجيات فاعلة لوقف الهدر الغذائي، والتبذير الأسري، والإسراف المجتمعي، قبل أن يجد الغذاء طريقه إلى مكبات القمامة.


اقرأ أيضاً:

هدر الطعام بشع.. وفي رمضان أبشع

7 أفكار ضرورية لمواجهة الإسراف

هدر الطعام في الوطن العربي.. 150 مليار دولار تُدفن في النفايات

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة