قراءة في العلاقات الأسرية من خلال سورة «يوسف»

أمين حميد

27 مايو 2025

681

قراءة في العلاقات الأسرية من خلال سورة «يوسف»

يحفل القرآن الكريم بالعديد من القصص التي تتناول الأسرة، ومن زوايا متعددة.

وفي هذه الزاوية، سنسعى إلى تسليط الضوء على جوانب من تلك العلاقات، محاولين استخلاص الدروس المستفادة لتكون ميسورة القراءة والتأسي للأسرة المسلمة المعاصرة.

وسنبدأ بمحاولة الاقتراب من قصة يوسف وأبيه وإخوته التي استغرقت سورة «يوسف» كلها تقريباً باستثناء المفتتح الذي يهيئ لها، والختام الذي يعقّب عليها ويستخلص الدروس والعبر منها؛ وذلك لأن هذه السورة تمثل نموذجاً واقعياً لحال الكثير من الأسر عبر التاريخ والعصور، ومنها الأسر المعاصرة التي لا يخلو واقع حالها من وجود الصالح والطالح والمتأرجح في منزلة بين منزلتي الصلاح والطلاح أو الخير والشر، والبداية من: ابن باث وأب مصغ، أو ابن طموح وأب نصوح.

يلحظ القارئ للسورة أن أول مقطع من مقاطع القصة يبدأ بذكر سرد يوسف لأبيه الرؤيا التي رآها: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ {4}‏ قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (يوسف).

وفي ضوء هذا الموقف الذي يجمع بين الابن الصغير وهو يقص على أبيه رؤياه بكل تفاصيلها والأب وهو يصغي لابنه، لنلق نظرة على طبيعة العلاقات التي تسود بين الأبناء وآبائهم، خاصة في ظل انشغال الآباء بالمتطلبات المادية لأسرهم أو بعلاقاتهم خارج نطاق الأسرة ما يترك المجال مفتوحاً على مصراعيه لتسيد وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وملئها للكثير من الفراغات التي يتركها الآباء والأمهات!

وليسأل كل منا نفسه هذا السؤال: كيف كان الأنبياء والرسل، وهم المثقلون بأعظم المهام، يجدون وقتاً يصغون فيه باهتمام وإنصات لأحاديث أبنائهم حتى يوجهوهم الوجهة المثلى التي تختصر عليهم الطريق وتوفر عليهم الجهود وتكسبهم الخبرات وتبلغهم المنازل التي جاهد آباؤهم للوصول إليها؟!

حبة الآباء وقبة الأبناء

مما ينبغي أن يتنبه له الآباء في تعاملهم مع أبنائهم قضية العدل في توزيع المشاعر بينهم، وإنها لقضية شديدة الحساسية وينبغي ألا تترك للعاطفة تسيرها الوجهة الطبيعية التي قد تنفعل بطبيعة بعض الأبناء قرباً وبعداً.

وهذا درس من أعظم الدروس التي تجليه ظلال سورة «يوسف» حيث يحسد الأبناء أخاهم يوسف بسبب حب أبيه له للحد الذي دفعهم لمحاولة قتله! (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ {8} اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ) (يوسف).

وإذا كانت هذه حال أبناء النبي عليه السلام، فكيف يمكن أن تكون حال غيرهم!

إن القرآن الكريم حين يعرض علينا مثل هذه المواقف فإنما يعرض علينا واقعية التجارب البشرية في حياة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع محيطهم؛ ليضعنا في صورة الظروف التي يمكن أن تعرض لنا، وبالتالي فإنه يوجه أنظارنا للجوانب المختلفة في هذه التجارب لنتأسى بما فيها من مواضع التأسي، ونتحاشى ما عدا ذلك مما ليس موضعاً للتأسي والاقتداء.

أخوّة صالحة وغيرة سيئة

في تضاعيف قصة يوسف عليه السلام تبرز شخصية بين الإخوة لا متمحضة للخير ولا خالصة للشر، وإنما في منزلة وسطى بين المنزلتين.

فحين كان الإخوة قد عقدوا العزم على قتل أخيهم، برز هذا الأخ بمقترح يقضي بتخفيف الحكم من القتل للإلقاء في غيابة الجب، وهو شعور يحتفظ بشيء من العاطفة تجاه هذا الأخ الذي وإن كان ما زال يشعر بشيء من الأخوة تجاهه لكنه أيضاً يشاطر إخوته الغيرة منه، وإنما ليس إلى الحد الذي وصلت غيرتهم إليه.

لهذا نجده يقترح عليهم هذا الاقتراح الوسط: (قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) (يوسف: 10).

وسنجد هذا الخيط يمتد مع السنين حتى نلاقيه ثانية في موقفه حين يحتجز يوسف عليه السلام أخاه بتهمة أخذ وعاء الملك، والآيات ترسم لنا معالم هذه الشخصية وقد عمل فيها الزمن عمله ونال منها الشعور بذنب يوسف حتى أقعدها من مواصلة السير مع إخوته، نجد هذا جلياً في قوله تعالى حكاية عن هذا الأخ حيث يقول: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقاً مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ {80} ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ {81} وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) (يوسف).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة