العنوان كي تكون أهلًا لتكاليفها.. الحرية قبل العقيدة
الكاتب أسماء محمد زيادة
تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1974
نشر في الصفحة 48
السبت 22-أكتوبر-2011
مقتضى التقرير الإلهي في قوله تعالى: «لا إكراه في الدين» أن يكون الإنسان مالكًا للاختيار بكامل حريته
دخول المرء في الدين مكرهًا ليس له قيمة في رصيد الدين وقوة الأمة
الإسلام لا يقبل المساس ب الحرية لأن ذلك يزلزل إنسانية الإنسان
الإكراه على الخير أمر مرفوض ومستهجن في شريعة الإسلام
إن إعادة ترتيب قيم المنظومة الإسلامية ترتيبًا قائمًا على العودة الصافية إلى منابع مقاصد الشريعة الإسلامية، وغاياتها هو واجب الوقت، ولابد من جهد وجهاد جاد يبذل من أجل صياغة النظرية الإسلامية المعاصرة الواضحة المعالم، وبيانها بيانًا قاطعًا شافيًا نافيًا للعذر لكل الناس بكل أطيافهم ومستوياتهم، وانتماءاتهم، وعلى طريق السعي إلى إيضاح هذه النظرية تأتي هذه الكلمات، ولنبدأ بقيمة «الحرية» ومكانها في هذه المنظومة.
وحين نحاول تلمُّس حقيقة «الحرية» في المنظومة الإسلامية نجد أنفسنا أمام حقيقة واضحة تجعل الحرية في الإسلام قبل العقيدة؛ ذلك أن مقتضى التقرير الإلهي الذى جاء إخبارًا في معنى النهي، بأنه: «لا إكراه في الدين» مقتضى ذلك هو أن يكون الإنسان مالكًا للاختيار، ولا يملك الإنسان الاختيار إلا إذا كان حرًا كامل الحرية، ثم ما قيمة أن يدخل المرء في الدين مكرها مقسورًا، ما قيمة هذا الإنسان في رصيد الدين وقوة الأمة؟ إن الإسلام في حقيقته لا يقبل أي مساس بـــ «الحرية»؛ لأن أي مساس بها يزلزل إنسانية الإنسان والإسلام يريد للإنسان أن يكون حرًا كامل الحرية.
تعبير عن الذات
وتتأسس مبادئ الإسلام وتعاليمه على أن أي إضرار بالحرية يفسد تعبير الإنسان عن ذاته، وأن إنسانية الإنسان لا تكتمل إلا بالتعبير عن فكره، والتطور الروحي غير ممكن دون اتصال حر بالآخرين.. فلا يجوز تقييد الحرية، ناهيك عن إلغائها بحجة تصحيحها؛ فلقد روي عن ابن عباس أن الآية: «لا إكراه في الدين» نزلت في رجل من الأنصار.. كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما.. فأنزل الله فيه ذلك (۱)، وفي رواية أن الأنصاري قال: يا رسول الله، أيدخل بعضي النار، وأنا أنظر إليه؟ فنزلت فخلاهما (٢).
إن الإكراه على الخير، وإن كان محض الخير أمر مرفوض ومستهجن في شريعة الإسلام.. «ولم يجر أمر الدين على الإجبار والقسر، وإنما على التمكين والاختيار (۳)» هذا هو الجوهر الأصيل الذي جاءت به رسالة الإسلام.. إنه بكلمة واحدة: «الحرية».
حرية ومسؤولية
ونصوص القرآن الكريم تؤكد من جهة سلطان الله المطلق، وأنه لا يكون في ملكه إلا ما أراد وأن مشيئته الأزلية نافذة، وأنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء.
ومن جهة أخرى تؤكد النصوص الكريمة جانب الحرية والمسؤولية في الإنسان؛ فكل امرئ مسؤول أمام الله عز وجل عن أفكاره، وأحكامه، وأعماله، ولا تستقيم المسؤولية إلا مع حرية الاختيار فلابد من رفض كل إجبار يفسد روح العبادة.
آراء السلف
وقد يقف الباحث المعاصر في إكبار أمام آراء واجتهادات السلف الصالح من العلماء الكبار بحق - من أمثال أبي حنيفة رضي الله عنه في مسألة «الحرية»، وإدراكهم العميق لكونها جوهر الرسالة الإسلامية إلى الإنسانية كلها؛
فمن غير الجائز عند أبي حنيفة - مثلًا الحجر على السفيه (4)، فالحجر نوع من أنواع تقييد الحرية في التصرف.
ويعلل أبو حنيفة ذلك بأن الحجر إهدار لأدمية هذا السفيه! ويقول: إن الحجر عليه «إلحاق له بالبهائم»، والضرر الإنساني الذي يترتب نتيجة الحجر عليه أكبر بكثير من الضرر الذي يترتب على سوء تصرفه في أمواله، ولا يجوز دفع الضرر الأقل بضرر أكبر منه.
إننا بحاجة حقيقية إلى معرفة الأسباب التي جعلت فقهاء الأمة وعلماءها لا يتنبهون إلى الحديث عن مقصد «الحرية» كأحد المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، بل كأحد أهم وأول مقاصد الشريعة الإسلامية، التي تسبق العقيدة نفسها، كما بينا.
ولم يكد يفطن إليها إلا العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور أخيرًا، وحاول تأصيل «الحرية» مقصدًا عامًا من مقاصدها (5)، يقول الشيخ بعد أن استوفى الحديث عن مقصد المساواة: «لما تحقق فيما مضى أن المساواة من مقاصد الشريعة الإسلامية، لزم أن يتفرع عن ذلك أن استواء أفراد الأمة في تصرفهم في أنفسهم مقصد أصلي من مقاصد الشريعة؛ وذلك هو المراد بــــ «الحرية»(6)، وفي كتاب: «أصول النظام الاجتماعي في الإسلام» ينبه الشيخ الطاهر ابن عاشور إلى المفهوم الواسع للحرية، ويذكر لها أنواعًا: «حرية الاعتقاد، وحرية التفكير، وحرية القول، وحرية الفعل».
على أنني أعود، فأكرر أن مقصد الحرية يسبق الحديث عن مقصد المساواة، كيف لا وقد سبق العقيدة نفسها.
وأغلب المفسرين قد ذهبوا إلى أن المقصود بفك الرقبة هو: «العتق» وإطلاق من يقع في أسر الرق والعبودية، والعتق عمل من الأعمال العظيمة التي لها عند الله رفعة ومنزلة؛ فمن أعتق رقبة كانت له عتقا من النار.. وهو من الأعمال المطلوبة على سبيل السرعة وبلا روية، وهو مقتضى قول الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ (البلد:11) والاقتحام في اللغة الدخول في الشيء بسرعة وشدة من غير روية.
وإذا كان الإمام الشيخ محمد عبده يقول في تفسيره: «ورد في فضل العتق ما بلغ حد التواتر، فضلًا عما ورد في الكتاب، وهو يرشد إلى ميل الإسلام إلى الحرية، وجفوته للأسر والعبودية»، فإننا نتجاوز ذلك القول «بميل الإسلام إلى الحرية» إلى القول بـــــ «أساسية ومبدئية نظرة الإسلام إلى الحرية».
رؤية حضارية
ولكم كان مبهجًا لي أن أطّلع على الدراسة القيمة عن «مقاصد الشريعة الإسلامية في العمل الخيري رؤية حضارية مقارنة» للباحث د. إبراهيم البيومي غانم «التي تجعل الحرية» في أعلى مراتب مقاصد العمل الخيري في الإسلام وأرفعها منزلة ذلك أن غاية الإسلام أن يحرر النفس الإنسانية من القيود والأغلال التي قد تكبلها لسبب أو لآخر، وتعوق حركتها، وتهدر طاقتها.
بعض هذه القيود والأغلال معنوي ينتج عن ارتكاب الآثام، وبعضها مادي ينتج عن حب المال، وتمكن شهوة التملك لدى الإنسان وبعضها سياسي ينتج عن الحروب، وصراعات القوة، ونتيجة لتلك الأسباب؛ فإن بعض بني آدم تقضي عليه الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعيشونها أن تكون حريتهم مقيدة معنويًا، ومنهم العصاة والمذنبون، أو مقيدة ماديا، ومنهم: الرقيق، والفقراء، واليتامى، والمساكين، والأسرى، والجهلة، والمرضى، والمدينون، وجميع تلك الحالات يجب شرعًا المساعدة في تحريرهم ورفع الإصر عنهم، وتحطيم الأغلال التي وضعت عليهم كي يكونوا محلًا صحيحًا للإيمان وكي يكونوا قادرين على استقبال التكاليف الشرعية وأدائها كما يريدها الله سبحانه وتعالى.
إقامة التكاليف
الإسلام يريدك حرًا أولًا، ثم يخاطبك بالتكاليف الشرعية ويكلفك بها؛ ذلك أن غير الحر غير قادر على إقامة التكاليف الشرعية، أو هو ليس مثله على الأقل.
فالدكتور إبراهيم البيومي غانم يضيف إلى ما ذهب إليه المفسرون من كون المقصود بفك الرقبة هو «العتق» دلالة أكثر عمومًا لا يقتصر فيها على تحريرها من أسر العبودية بالمعنى الاصطلاحي الذي ذهب إليه أغلب المفسرين والفقهاء، وكان أكثر الرق قديمًا بسبب الحروب، وإنما يشمل أيضًا فك الرقبة من كل ما يقيدها؛ فكها من قيد الجهل والمرض والديون، بل ومن قيود الاستبداد الذي تمارسه السلطات الطاغية؛ سواء كانت سلطة التقاليد والآباء الأولين، أو سلطة الحكام المتجبرين، أو سلطة الخرافات والأوهام والأساطير التي تستذل الكبير، وتسترذل الصغير.. وتلك أهم الحالات الاجتماعية التي يكون بعض بني البشر عرضة لها في كل زمان ومكان.
أهداف ومقاصد
ثم إن مصارف الأعمال الخيرية التي أشارت إليها آيات سورة البلد، والتي جسدتها عبر التاريخ الإسلامي كله مواقف الأمة الإسلامية من بذل للصدقات في مجالات: التعليم والعلاج وعتق الرقيق وافتداء الأسرى، ومساعدة أصحاب المغارم والديون وإقامة مؤسسات خيرية ذات أنظمة ونظم عرفتها الحضارة الإسلامية كل ذلك كانت له أهداف ومقاصد، وغايات تصب معظمها في اتجاه دعم أسباب الحرية.. أغلب أسباب الحروب كانت دفاعًا عن الحرية.. جل الثورات كانت من أجل الحرية.. فالحرية في الإسلام تأتي أولًا يا قوم.. والحرية قبل العقيدة.. و«الإسلام - والله - هو الحل».
الهوامش
۱- ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ۱/ ۲۷۳، الطبعة الأولى للمكتبة العصرية، بيروت، طبعة ۱۹۹۷م.
۲ - البيضاوي: التفسير 557/1
۳ - الزمخشري: الكشاف ١/ ٣٣١.
4- أصل السفه: الخفة، والسفيه هو الخفيف العقل والسفيه الجاهل.
5 - الشيخ الطاهر بن عاشور مقاصد الشريعة الإسلامية: ١٤٦.
٦ - الشيخ الطاهر بن عاشور مرجع سابق: ۱۳۹.
(*) أكاديمية وباحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل