العنوان (الافتتاحية)أهلًا بمصر بدون «الكامب»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988
مشاهدات 69
نشر في العدد 852
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 19-يناير-1988
بعد مرور أكثر
من ثمانية أعوام على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد السيئة الذكر، عادت الروح إلى
علاقات مصر مع شقيقاتها العربيات، فرفرف العلم المصري من جديد في سماء تسع دول
عربية أعادت علاقاتها الدبلوماسية مع القاهرة دفعة واحدة تقريبًا، بعد حصولها على
الضوء الأخضر من قمة عمان الأخيرة، وبذلك انتهت حالة العزلة التي كانت تعيشها مصر
ضمن محيطها العربي. وها هو الرئيس المصري حسني مبارك يقوم بجولته الخليجية الطويلة
في دول الخليج الست، كتعبير آخر عن نهاية فترة العزل تلك وعودة المياه إلى
مجاريها.
بدايةً، نحن
نستبشر خيرًا بعودة العلاقات بين الدول العربية والشقيقة الكبرى مصر، ونرحب
بالرئيس مبارك في الكويت وفي دول مجلس التعاون الخليجي؛ لأننا من أنصار جمع الشمل
العربي، ولأن سنوات الفرقة أظهرت بما لا يدع مجالًا للشك أن مصر قد خسرت بخروجها
عن الصف العربي، وأن العرب خسروا بعزل مصر. لقد خسرت مصر زعامتها ودورها الطليعي
وتضاءل حجمها إقليميًا ودوليًا، وخسر العرب بافتقادهم قوتهم المركزية الدافعة،
فازدادت خلافاتهم واستفرد بهم أعداؤهم في ظل هذا التمزق.
إنهم لم
يستطيعوا عقد قمة لهم إلا بعد لأي وجهد جهيد وتأجيلات متكررة، وخلال السنوات
الأخيرة شهدت الساحة العربية أزمات ومآسٍ لم تكن لتعرفها لو كان العرب جميعهم
متكاتفين متحدين يدًا واحدة وكلمة واحدة.
فهل كان
الإسرائيليون سيجرؤون على الزحف على لبنان واحتلال بيروت وإخراج المقاتلين
الفلسطينيين منها لو كانت مصر داخل الصف العربي؟ وهل كانت مجازر صبرا وشاتيلا
ستقترف؟ وحتى الحرب العراقية الإيرانية لم يشتد أوارها وتتواصل حلقاتها التدميرية
إلا بسبب الفرقة والتمزق العربي. لقد كانت اتفاقات كامب ديفيد لعنة على الأمة
العربية والإسلامية، وهي التي أوصلت العرب إلى هذا الوضع المزري الذي لا يليق بأمة
مثل أمتنا.
لكن الذي
يستوقفنا ونحن نتطلع إلى المرحلة القادمة بعد عودة العلاقات مع مصر موقف الرئيس
حسني مبارك من معاهدة كامب ديفيد، حيث أكد في المؤتمر الصحفي الذي عقده بقصر
السلام بالكويت مساء الإثنين 11 يناير 1988 التزامه بهذه المعاهدة، والتزام مصر في
الوقت نفسه باتفاقية الدفاع العربي المشترك، وذكر أن المادة السادسة من اتفاقية
الصلح مع إسرائيل التي بررها للبعض بأنها تعطي للاتفاقية مع إسرائيل الأولوية في
التطبيق على أي اتفاقية عربية أخرى ليست عقبة تحول بين مصر وتطبيق اتفاقية الدفاع
العربي المشترك، ويفهم من هذا الكلام أنه لا تعارض بين الاتفاقيتين.
ونحن نتساءل
بالمناسبة: ماذا بقي من اتفاقيات كامب ديفيد؟ ولماذا أصبحت اتفاقية الدفاع العربي
المشترك حبرًا على ورق كما ذكر الرئيس المصري؟ لقد أكد الرئيس مبارك في مؤتمره
الصحفي أن مصر لم تخرق مطلقًا اتفاقات كامب ديفيد، بل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي
إسحاق شامير هو الذي خرق الاتفاقية باستمرار ضم الكيان الإسرائيلي للجولان وإعلان
القدس عاصمة لإسرائيل دون مفاوضات.
وأشار إلى أن
شامير كان من أشد المعارضين لتلك الاتفاقات؛ إذ إنه لم يصوت في البرلمان
الإسرائيلي معها، ولا يعترف بها إطلاقًا. ونحن نقول: إذا كان الكيان الإسرائيلي
ينقض هذه الاتفاقات ويرمي ببعض بنودها عرض الحائط، وإذا كان شامير لا يعترف بها
إطلاقًا، فلماذا استمرار الالتزام المصري بها؟ وإذا كان شامير لا يوقع هذه
الاتفاقيات، فإن حسني مبارك كذلك لم يوقعها، وبالتالي لا بد أن نعتبر أن هذه
الاتفاقيات في حكم الملغاة؛ باعتبار أن أحد الطرفين "الصهاينة" قد
نقضها. ثم إن الرئيس المصري يقول عن اتفاقات كامب ديفيد مقللًا من شأنها: إنها
ليست سوى إطار من ورقتين. ورقة تتعلق باستعادة سيناء وهذه وقع تطبيقها، وورقة
تتعلق بإيجاد حل لقضية الشعب الفلسطيني وهذه لم يقع تطبيقها. وهذا القول يثبت -إن
كانت المسألة تحتاج بعد إلى إثبات- فشل هذه الاتفاقيات وسقوطها، والذين أسقطوها هم
الشعب المصري الذي رفض ويرفض ما يسمى بالتطبيع، وقاطع ويقاطع الإسرائيليين، كما
أفشلها أطفال الحجارة الفلسطينيون الذين غيروا المعطيات في المنطقة، وجعلوا طرح
المؤتمر الدولي طرحًا باهتًا في خضم مقاومتهم الباسلة والعنيدة للاحتلال الصهيوني.
وبالتالي فإن اتفاقات كامب ديفيد لم تبقَ إلا في أذهان المعولين على التعقل
الإسرائيلي وعلى المؤتمرات الدولية والقوى الدولية بأن تمكنهم من بعض حقوقهم
الأصلية. إن اتفاقات كامب ديفيد هي التي ساهمت بأكبر قسط في تمزيق اتفاقية الدفاع
العربي المشترك. فكيف تكون هذه الاتفاقية حية والعرب منقسمون على أنفسهم؟ حقًا إن
اتفاقية الدفاع العربي المشترك أصبحت حبرًا على ورق، ولكن ما الذي جعلها هكذا؟
سيقال لنا: الخلافات العربية. ومن عمق هذه الخلافات؟ إنها اتفاقات كامب ديفيد
بالدرجة الأولى، ولذلك فإننا نرى أن إلغاء هذه الاتفاقات سينعش اتفاقية الدفاع
العربي المشترك ويعيد إليها الحياة، مثلما كان العكس صحيحًا من قبل. وإذا كان
الرئيس المصري قد قفز على اتفاقات كامب ديفيد واعتبرها لا تحول دون تطبيق اتفاق
الدفاع العربي المشترك، فإن الوضع العربي الراهن يستدعي من كل الدول العربية العمل
على إحياء هذه الاتفاقية بغض النظر عن كل الخلافات فيما بينها، حتى نبتعد عن منطقة
الضياع التي تهمنا فيها طيلة السنوات الماضية.
إننا نعتبر
إحياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك مطلبًا قوميًا ضروريًا ملحًا لمواجهة الأخطار
المحدقة بنا من أي جهة كانت، ونحن نأمل أن تتحمل كل دولة عربية مسؤولياتها حتى لا
تبقى هذه الاتفاقية واتفاقيات أخرى غيرها حبرًا على ورق، وأننا نتساءل: كيف تكون
لنا كعرب مصداقية لدى الأمم الأخرى إن بقيت قراراتنا واتفاقاتنا شكلًا بلا مضمون؟
مرة أخرى نكرر أننا نرحب بعودة مصر إلى الصف العربي، ونأمل بعودتها تدارك ما فات،
ولكننا ننبه إلى أن هذه العودة لا يجب أن تكون جسرًا تعبر عليه اتفاقيات كامب
ديفيد نحو كل الدول العربية؛ لأن هذه الاتفاقيات سبب البلاء وأصله. فهل ترانا
نستطيع بوضع اليد في اليد مع مصر أن نجعل اتفاقيات كامب ديفيد حبرًا على ورق ونحيي
من جديد اتفاقية الدفاع العربي المشترك؟