العنوان من قتل الفدائيين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
مشاهدات 61
نشر في العدد684
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
حوالي مائة وخمسين من الفدائيين الفلسطينيين لقوا مصرعهم في أحد سجون «أبو موسى» في البقاع اللبناني على الحدود السورية.
وضعوا جميعًا داخل عمارتين واضحتين للعيان، ثم قيل إن الطائرات الإسرائيلية قصفت العمارتين؛ فانهالتا على من فيهما من الفدائيين ضباطًا وأفرادًا، وبعض المصادر تقول إن عددهم حوالي مائة وخمسون من المعارضين «لأبي موسى»، أو المعارضين للنظام السوري.
فمن المسئول عن مقتل هؤلاء الفدائيين بالجملة، والتخلص منهم مرة واحدة؟ ولماذا لم ينطلق على الطائرات الإسرائيلية المغيرة صاروخ واحد، ولم تتصد لها طائرة سورية واحدة، والغارة حدثت على الحدود السورية؟
إن المعتقل أمانة في عنق من اعتقله، فإذا حدث للمعتقل مكروه فلا بد أن يحاسب الذي اعتقله، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بهذا العدد الكبير من الفدائيين؟ ولماذا اعتقلوا أصلًا؟ ولحساب من؟
إن اغتيال هؤلاء الفدائيين سواء عن طريق الطائرات الإسرائيلية أو عن طريق تفجيرهم- يعطي دلائل جديدة على فداحة المؤامرة التي يتعرض لها الفلسطينيون، وفداحة الجريمة التي يمارسها المدعو «أبو موسى»، ومن يدعمه في حق الفلسطينيين شعبًا وقضية.
إذا كان ياسر عرفات قد انحرف عن طريق الجهاد لتحرير فلسطين، وأخذ يركض وراء الحلول السلمية، فهل تثبت هذه الأعمال أن (أبا موسى) ومن وراءه على طريق الجهاد لتحرير فلسطين سائرون؟
لو أن معتقلًا إسرائيليًا واحدًا قتل داخل السجن -وبالطبع لا يوجد معتقلون سياسيون يهود- لسقطت الوزارة الإسرائيلية كلها، فالإنسان عند اليهود له قيمة، وأما نحن -معشر العرب والمسلمين، ولا نستثني الفلسطينيين منا- فإن الأخ منا يقتل أخاه لخلاف على الرأي وتلك والله جاهلية تخجل منها الجاهلية الأولى.
ولو كانت هناك ذرة من دين أو ضمير أو (وطنية) لقدم (أبو موسى) نفسه لمحاكمة عسكرية؛ جزاء ما اقترف ضد شعبه ووطنه، حتى ولو كانت الطائرات الإسرائيلية هي التي قتلت هؤلاء الفدائيين رحمهم الله، وأسكنهم فسيح جناته.
لبنان المهشم هل تغيرت مواقع الكتائب فيه؟
أذاعت إحدى المحطات الغربية أن شحنة من الدبابات والأعتدة الحربية قد أفرغت في الحوض الخامس الذي تستولي عليه قوات الكتائب من مرفأ بيروت.
ويحدث هذا في حين تعمل حكومة (الوحدة الوطنية) برئاسة رشيد كرامي على تطبيق الخطة الأمنية، التي يقال إنها ستنهي أطول حرب أهلية عمرًا في التاريخ الحديث -بعد مذابح إيرلندة، التي ما فتئت تتأجج منذ عشرات السنين- وإنها سترد إلى (لبنان الكبير) أمنه الذي لم يتذوقه لبناني قط منذ عشر سنوات.
ومعلوم أن أولى حلقات الخطة الأمنية المرتقبة هي انتشار الجيش اللبناني (المعدل) في مختلف مناطق القتال، وبخاصة جبال شرق بيروت، حيث يستمر التراشق بأنواع الأسلحة وأحدثها بين الدروز والكتائب، فلا يتوقف إلا ريثما يعود، وكلما طولب وليد جنبلاط باحترام الخطة التي أقرتها الوزارة التي هو أحد أعضائها البارزين، كان جوابه بأنه لن يسمح للجيش بالانتشار في مناطق قومه الدروز، إلا على أساس انتشاره بنفس الوقت في مناطق خصومه المسيحيين، وبما أن الجيش لم يبد أي رغبة في هذا الاتجاه السليم المسوي بين الفريقين، فلا مجال للثقة بتصرفه، ويبقى لزامًا على الدروز أن يتشبثوا بمواقفهم ومواقعهم؛ خشية أن يؤخذوا على غرة.
وطبيعي أن تحقيق الخطة الأمنية الشاملة هو موضع الأمل، وهو أمنية كل لبناني يؤمن بحق الإنسان في حياة آمنة مطمئنة، ولا سيما بعد أن أثبتت الأحداث التي أغرقت لبنان في سيل من الدماء والدموع والآلام، ألا سبيل إلى هذه الأمنية إلا عن طريق العدالة التي توفر لكل فرد حقه، دون استعلاء فريق على آخر، أو طائفة على سواها.
ولكن هل أتت هذه التجارب ثمرتها المنشودة في نفوس القائمين على تغذية نار الحرب بين الطوائف اللبنانية، فعاد كل منهم إلى نفسه يحاسبها ليرى مدى ما حققه من الربح والخسارة؟
ولعل أصدق جواب على هذا التساؤل هو ما تحمله تلك الشحنة الجديدة من آليات الحرب إلى أيدي الكتائبيين، الذين لم يدعوا فرصة تمر دون أن يؤكدوا معارضتهم لكل تسوية تقوم على أساس العدالة والمساواة بين سكان لبنان، وتصميمهم الجازم على أن تظل القلة المارونية هي المتصوفة المطلقة اليد في مصير اللبنانيين.
ثم تأتي مواقف العناصر الدخيلة، التي لا تنفك دائبة على استغلال هذه الظروف الشاذة لأهوائها، ولا سيما في شمال لبنان؛ حيث تتهاوى نيران المستغلين على البلد المسلم لتكرهه على الركوع لإرادتهم، التي تستهدف القضاء على كل ما يمت إلى العمل الإسلامي بصلة، ولو أدى ذلك إلى إعادة فجيعة حماه السورية.
إن الكتائب التي ما برحت تقود المعركة منذ نصف قرن إعدادًا وتنفيذًا لن تسلم بأي تعديل في واقعية التفوق الصليبي على سائر التراكيب السكانية في ذلك القطر الذبيح، وهي مضطرة إلى ذلك بدافع العقيدة التي استحوذت على كل جارحة في كل كتائبي، وهي أن الصراع الذي استعدوا له، ولا يزالون يخوضون غماره، إنما هو صراع بين الصليبية التي توارثوها منذ عهود المردة أسلافهم، وبين الإسلام الذي يعتبرونه غازيًا صحراويًا مجردًا من كل أثر للحضارة، وهي عقيدة لا تبرح تشدهم إلى الغرب الذي يعيش تراث ريموند، ولويس، وريتشارد، وأرناط، وبقية قادة الحملات الصليبية، الذين يفخرون بأن آباءهم قد أمدوهم بثلاثين ألف مقاتل، لمشاركتهم في تدمير معاقل الإسلام،
وبهذا الباعث العريق تجعل الكتائب من نفسها دولة فوق الدولة، وتقيم لها مكتبًا ومبعوثًا دبلوماسيًا يمثلها في إسرائيل، ومن هذا المنطلق كان احتفال النصارى المكثف بجنازة سعد حداد، ومشاركة السلطة اللبنانية في تكرميه رسميًا، وهو الذي كان يدعى ظاهرًا بالرائد المنشق الخائن.
وفي هذه الغمرة من التناقضات لا بد أن يتساءل المتأمل: كيف يتاح لحكومة رشيد كرامة أن تحقق وعودها بتوفير الأمن والمساواة والعدالة، التي من أجلها ذبح عشرات الألوف من الأبرياء.
ج. ر- لبنان.
مشاريع الهجرة والتوطين:
نشرت بعض الصحف، وأذاعت وكالات الأنباء خبر استقلال جزيرة بروني عن بريطانيا منذ عدة أشهر، وما تلا ذلك من أنباء عن رغبة هذه الجزيرة البترولية الغنية الواقعة على خط الاستواء قرب ماليزيا في زيادة عدد سكانها البالغ عددهم حوالي مائتي ألف، وقد دخلتها مؤخرًا.
ولذلك فتحت أبواب الهجرة إليها، ويشترط حاكمها السلطان حسن -وهو عربي مسلم يقال إنه من أصل يمني- يشترط في المهاجرين إليها أن يكونوا مسلمين، وهو يفضل الفلسطينيين، واليمنيين، واللبنانيين.
وتقول بعض المصادر إن الراغب في الهجرة يمنح تذاكر السفر مجانًا، وعند الوصول يمنح جنسية الجزيرة، وسكنًا، وعشرين ألف دولار.
وتتولى السفارات البريطانية في العالم تسهيل هذه الهجرة، وقيل إن بريطانيا بهذه (التسهيلات) تسهم في إفراغ جنوب لبنان، وإفراغ الأرض المحتلة في فلسطين من سكانها المسلمين؛ ليخلو الجو فيما بعد لتكون هناك دولة يهودية (نقية) في فلسطين، ودولة مسيحية (نقية) في لبنان.
ولهذا السبب انطلق على السفارة البريطانية في بيروت قبل أسبوعين صاروخان كإنذار لها بإيقاف تسهيل هجرة المسلمين اللبنانيين إلى هذه الجزيرة.
ومن جهة أخرى فإن الإرهابي الصهيوني (كاهانا) وهو يضغط على أهل (أم الفحم)، ويحاول تهجير الفلسطينيين ذكر اسم جزيرة (بروني) ضمن الأهداف المقصودة من هذا الهجرة.
ونحن نعلم مدى الضغوط التي يواجهها سكان الأراضي المحتلة سواء في فلسطين أو لبنان، ونعلم أهدافها، ولكن الضغوط التي يواجهها الفلسطينيون خارج الأرض المحتلة، وخاصة جملة وثائق السفر الممنوعين من التنقل والمرفوضين حيثما حلوا في معظم البلاد العربية، والمطاردين في أرزاقهم، هل هذه الضغوط تدخل ضمن خطة تهجيرهم إلى جزيرة (بروني) في الشرق الأقصى؟
والغريب أن يترافق ذلك مع ما يسمى بمشروع (الشيخ زويد) في صحراء سيناء قرب العريش؛ حيث فتح الباب مؤخرًا للفلسطينيين من حملة الوثائق أن يشتروا الأرض هناك، وأن يستوطنوا وهو نفس (مشروع سيناء) الذي سبق لأمريكا أن عرضته على عبد الناصر في الخمسينات، فرفضه الفلسطينيون، ووافق عليه عبد الناصر، ولكن الفرق بينهما أن المشروع الأول كان بأموال أمريكية، أما الآن فهو بأخذ ما تبقى من المال من أيدي الفلسطينيين المشردين.
هل مشروع الهجرة إلى جزيرة (بروني)، ومشروع التوطين في سيناء من الإجراءات العملية اللازمة لحل المشكلة اللبنانية والمشكلة الفلسطينية لصالح اليهود والنصارى؟
«قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30)».